باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 7 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

من «جمع السلاح» إلى إنهاء اقتصاد الحرب

اخر تحديث: 17 سبتمبر, 2026 10:52 صباحًا
شارك

من «جمع السلاح» إلى إنهاء اقتصاد الحرب: الحجم الحقيقي لتركة الأسلحة في سودان ما بعد الحرب، وأنواعها، وما يمكن إثباته وما لا يمكن تقديره، وبناء نظام وطني لجردها وجمعها وتدميرها ومنع عودتها

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتناول المقال قضية الأسلحة في السودان بعد الحرب الحالية بوصفها واحدة من أعقد قضايا بناء السلام وإعادة تأسيس الدولة، لأن المشكلة لا تتمثل في معرفة عدد الأسلحة الموجودة فحسب، وإنما في معرفة أنواعها ومصادرها ومواقعها ومالكيها ومسارات انتقالها، ثم تحديد ما يمكن جمعه بصورة واقعية وآمنة، وما ينبغي تدميره، وما يجب أن يبقى تحت سيطرة الدولة، وكيف يمكن منع إعادة توزيع الأسلحة أو استخدامها في حرب جديدة. وينطلق المقال من حقيقة أساسية هي أن الحرب التي بدأت في 15 أبريل 2023 غيّرت بصورة جذرية خريطة حيازة السلاح في السودان من خلال القتال المباشر، والاستيلاء على المخازن والقواعد، والنهب، والانشقاقات، والتحويلات بين الجماعات المسلحة، والتجارة غير المشروعة، وتدفقات السلاح عبر الحدود، واستخدام الأسلحة والمعدات الحديثة، ولذلك فإن أي تقدير لما يوجد في السودان الآن يجب أن يميز بين المخزون الذي كان موجوداً قبل الحرب وبين ما دخل أثناءها وما انتقل بين الأطراف أو خرج من البلاد أو دُمّر أو أصبح مفقوداً.

وتتمثل النتيجة المنهجية المركزية للمقال في عدم وجود رقم وطني موثوق ومحدث حتى عام 2026 يمكن اعتباره العدد الإجمالي لكل الأسلحة الموجودة داخل السودان. ولا توجد أيضاً قاعدة بيانات عامة تسمح بتحديد العدد الوطني الدقيق لكل فئة من فئات الأسلحة، مثل البنادق الهجومية والمسدسات والرشاشات وقاذفات الصواريخ والهاونات والمدفعية ومنظومات الدفاع الجوي والمسيّرات والدبابات والعربات المدرعة والذخائر. ولذلك يرفض المقال اختراع رقم إجمالي أو تحويل أرقام جزئية وميدانية إلى تقدير وطني زائف. ويؤكد أن الرقم الدقيق يتطلب جرداً وطنياً شاملاً، وقواعد بيانات للمخازن الرسمية، وسجلات للأسلحة المرخصة، ومسحاً لحيازة المدنيين، وحصر مخزونات الجماعات المسلحة، وتوثيق الأسلحة المستولى عليها والمفقودة، وتحليل حركة التجارة والتهريب، وربط ذلك كله بعمليات ميدانية مستقلة للتحقق.

ويستخدم المقال التقديرات التاريخية باعتبارها خطوط أساس لا باعتبارها تقديرات حالية. فقد تراوحت تقديرات الأسلحة النارية في السودان في عام 2007 بين نحو 1.9 و3.2 مليون سلاح ناري، مع التأكيد على أن هذا المفهوم كان يشمل أساساً المسدسات والبنادق والبنادق الخرطوشية والمدافع الرشاشة والأسلحة الرشاشة الخفيفة والمتوسطة، ولم يكن من الممكن في ذلك الوقت تقدير أعداد قاذفات القنابل والهاونات والرشاشات الثقيلة ومنظومات الدفاع الجوي المحمولة بصورة منهجية. وفي عام 2009 قُدّر مجموع الأسلحة الصغيرة والخفيفة في السودان، آنذاك بما كان يشمل السودان الحالي وجنوب السودان قبل استقلاله، بنحو 2.7 مليون سلاح، وكان أكثر من ثلثيها خارج المخزونات التي تسيطر عليها الدولة بصورة مباشرة. وكان من بين ذلك نحو مليوني سلاح في الحيازة المدنية وفق التقدير التاريخي، مقابل مخزونات كبيرة للقوات النظامية والجماعات المسلحة. ويؤكد المقال أن هذه الأرقام لا يمكن إسقاطها مباشرة على السودان في عام 2026، لأن جنوب السودان أصبح دولة مستقلة في 2011، ولأن الحرب الحالية أعادت توزيع الأسلحة على نطاق واسع، ولأن المخزون التاريخي تعرض للنهب والاستيلاء والتدمير والنقل والتهريب والإضافة من مصادر جديدة.

ويشرح المقال أن محاولة حساب «كل الأسلحة» تواجه مشكلة تعريفية قبل أن تكون مشكلة حسابية. فالأسلحة النارية الفردية ليست هي نفسها الأسلحة الصغيرة والخفيفة، والأسلحة الخفيفة لا تشمل بالضرورة الدبابات والمدفعية الثقيلة والطائرات والمسيّرات، كما أن الذخائر ينبغي التعامل معها باعتبارها فئة مستقلة لأن عدد قذائف الهاون أو الطلقات أو الصواريخ لا يمكن جمعه ببساطة مع عدد البنادق أو المدافع في رقم واحد ذي معنى تحليلي. كما أن بعض المعدات العسكرية تتكون من منظومات متعددة، مثل العربة المدرعة التي تحمل مدفعاً أو رشاشاً، أو منظومة الدفاع الجوي التي تضم قاذفاً وصاروخاً، أو المسيّرة التي يمكن أن تكون منصة استطلاع أو منصة هجومية. لذلك يقترح المقال أن يكون الجرد الوطني قائماً على وحدات تصنيف منفصلة ومحددة بدلاً من استعمال كلمة «سلاح» بصورة فضفاضة.

ويعرض المقال خريطة واسعة للفئات التي ينبغي أن يشملها الجرد. وتشمل الأسلحة الفردية المسدسات والبنادق والبنادق الهجومية والبنادق الخرطوشية، وتشمل الأسلحة الرشاشات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، وقاذفات القنابل وقاذفات الصواريخ المضادة للدروع، وقذائف آر بي جي، والهاونات بمختلف أعيرتها، والمدافع الميدانية ومدافع الهاوتزر، ومنظومات إطلاق الصواريخ المتعددة، والأسلحة المضادة للطائرات، ومنظومات الدفاع الجوي المحمولة، إضافة إلى الدبابات والعربات المدرعة والطائرات والمروحيات والمسيّرات وأنظمة التشويش والطائرات المسيّرة الهجومية والاستطلاعية. ويضاف إلى ذلك مخزون الذخائر، بما في ذلك الذخيرة الفردية، وقذائف الهاون والمدفعية، والصواريخ، والقنابل، والمتفجرات، والألغام، والذخائر غير المنفجرة.

ويؤكد المقال أن المعلومات المتاحة عن الفئات المختلفة لا تسمح بإعطاء مجموع وطني حالي لأي منها. فبالنسبة إلى المسدسات والبنادق والبنادق الهجومية والرشاشات، توجد دلائل كثيرة على انتشارها الواسع، لكن لا توجد قاعدة بيانات وطنية حديثة تسمح بإعطاء عدد إجمالي موثوق. وبالنسبة إلى قاذفات آر بي جي والأسلحة المضادة للدروع والهاونات والمدفعية ومنظومات إطلاق الصواريخ المتعددة، توجد أدلة ميدانية على الاستخدام والانتشار والاستيلاء عليها، لكن لا توجد أرقام وطنية شاملة. وبالنسبة إلى منظومات الدفاع الجوي المحمولة، وثقت الدراسات الحديثة وجود ما لا يقل عن ثمانية طرازات مختلفة لدى قوات الدعم السريع منذ بداية الحرب، لكن عدد الوحدات الفعلية لكل طراز غير معروف، ولذلك لا يجوز تحويل عدد الطرازات إلى عدد الصواريخ أو القواذف. أما المسيّرات وأنظمة التشويش فقد أصبحت عنصراً متزايد الأهمية في الحرب، لكن العدد الإجمالي للمسيّرات الموجودة لدى الأطراف المختلفة لا يمكن استخراجه من البيانات العامة المتاحة. والأمر نفسه ينطبق على الدبابات والعربات المدرعة والطائرات والمروحيات.

ويناقش المقال بصورة خاصة الأسلحة التي دخلت السودان أو ظهرت فيه خلال الحرب. فقد أظهرت التحقيقات الحديثة وجود أسلحة ومعدات حديثة أو حديثة نسبياً من مصادر متعددة، شملت الصين وروسيا وصربيا وتركيا والإمارات واليمن وغيرها، كما ظهرت أسلحة من السوق المدنية جرى تحويلها أو استخدامها في القتال. ومن الأمثلة المهمة بنادق وقطع من السوق المدنية، وبنادق صيد، وقذائف هاون، ومنظومات تشويش على المسيّرات، وبنادق مضادة للعتاد، وعربات مدرعة، ومنظومات دفاع جوي محمولة. ولا يعني وجود هذه النماذج أن كل الأسلحة السودانية جاءت من هذه الدول، بل إن المخزون السوداني الحالي هو حصيلة طبقات متراكمة من الإنتاج والاستيراد والتحويلات العسكرية والشراء التجاري والتهريب والغنائم والنهب والاستيلاء على مخازن الخصوم.

ويبرز المقال مشكلة الأسلحة ذات المنشأ المدني التي يمكن تحويلها إلى أسلحة قتالية. فقد أظهرت التحقيقات وجود مئات الآلاف من البنادق غير القاتلة أو «الفارغة» التي صدّرتها شركات تركية إلى السودان خلال السنوات السابقة للحرب، إلى جانب ملايين الطلقات الفارغة، مع وجود حالات موثقة لاستيراد آلاف القطع من هذا النوع إلى السودان. ويؤكد المقال أن هذه الأرقام لا تعني أن كل تلك البنادق تحولت إلى أسلحة قاتلة، وإنما تكشف ثغرة في الرقابة على المنتجات المدنية القابلة للتحويل. ولذلك ينبغي إدراج الأسواق المدنية وسلاسل الاستيراد والورش ومنافذ التحويل في منظومة السيطرة على السلاح بعد الحرب.

ويتناول المقال أيضاً مصادر السلاح الناتجة عن الحرب نفسها. فالقوات والجماعات المسلحة لا تعتمد فقط على الأسلحة التي تحصل عليها من الخارج، وإنما يمكنها الاستيلاء على أسلحة الخصم ومخازنه وقواعده، كما حدث في مناطق مختلفة خلال الحرب. واستيلاء قوة مسلحة على قاعدة أو مدينة قد يؤدي إلى انتقال كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمركبات إليها في وقت قصير، ثم إعادة توزيعها على وحدات أو جماعات أخرى. ويمكن للأسلحة التي يتم الاستيلاء عليها أن تدخل الأسواق السوداء أو تنتقل إلى مناطق بعيدة عن الجبهة الأصلية. ولذلك فإن انتهاء المعارك لا يعني اختفاء المخزون العسكري، وإنما يمكن أن يعني بداية مرحلة جديدة من انتشار الأسلحة.

وتوضح تقارير الأمم المتحدة أن الأسلحة والذخائر انتقلت أيضاً عبر الحدود وشبكات إقليمية معقدة، وأن طرق الإمداد ارتبطت بمناطق في تشاد وليبيا وجنوب السودان وغيرها. كما وثقت التقارير وجود أسواق سوداء للأسلحة في دارفور، ومنها أسواق ارتبطت بمصادر متنوعة للمعدات، بما في ذلك الأسلحة التي جرى الاستيلاء عليها من القوات المتحاربة أو نهبها أو نقلها من جبهات أخرى. ويعني ذلك أن برنامج جمع السلاح في السودان لا يمكن أن ينجح إذا اقتصر على المدن والقرى داخل البلاد، لأن جزءاً من دورة السلاح مرتبط بالحدود وبالاقتصاد الإقليمي غير الرسمي.

ويعرض المقال الخبرة السابقة في حملات جمع السلاح في السودان باعتبارها درساً مهماً. فقد أطلقت السلطات حملة لجمع الأسلحة في عام 2017، وأظهرت البيانات المتاحة أنه بحلول مارس 2018 جرى جمع أكثر من 107 آلاف قطعة سلاح على المستوى الوطني، منها نحو 67 ألفاً من دارفور، كما جرى تسليم أو جمع نحو 200 ألف قطعة من أسلحة مليشيات كانت مرتبطة بالنظام السابق أو بقوات الدفاع الشعبي. ومع ذلك اعتبرت الأمم المتحدة أن هذه الأرقام كانت محدودة مقارنة بالتقديرات المتاحة للأسلحة غير المشروعة في دارفور، والتي تراوحت تاريخياً بين نحو 700 ألف و1.7 مليون قطعة. كما لم تكن هناك إحصاءات اتحادية وولائية شاملة تسمح بقياس النتائج بصورة متسقة.

ويشير المقال إلى أن التجربة السابقة أظهرت محدودية الحملات التطوعية عندما لا يشعر حائز السلاح بأن الدولة قادرة على حمايته. فقد تكون الأسرة أو الجماعة أو المجتمع المحلي مقتنعاً بأن التخلي عن السلاح يعرّضه لخطر الآخرين الذين لم يسلموا أسلحتهم. وتزداد هذه المشكلة في المناطق التي انهارت فيها الشرطة والإدارة المحلية أو التي توجد فيها نزاعات قبلية أو حدودية. لذلك فإن جمع السلاح ليس عملية فنية لنقل البنادق من المواطنين إلى مخازن الدولة، وإنما عملية سياسية وأمنية واجتماعية تتطلب تغيير البيئة التي تجعل السلاح وسيلة للحماية أو النفوذ.

ويخلص المقال إلى أن جمع السلاح يجب ألا يبدأ بالسؤال «كم بندقية نريد جمعها؟» وإنما بالسؤال «من يملك السلاح، ولماذا، وأين يوجد، وما الذي يضمن أمنه إذا تخلى عنه؟». ولذلك يجب إنشاء جرد وطني متدرج يبدأ بمخزونات الدولة والجماعات المسلحة والمخازن التي تم الاستيلاء عليها، ثم ينتقل إلى الأسلحة المرخصة، والأسلحة الموجودة لدى المدنيين، والأسلحة الموجودة لدى المجتمعات المحلية، ثم الأسلحة الموجودة في الأسواق غير المشروعة. ويجب تسجيل الرقم التسلسلي والنوع والطراز والعيار والحالة والمصدر والموقع وتاريخ الاستلام أو المصادرة، مع تصوير كل قطعة وربطها بسجل رقمي.

ويؤكد المقال أن الجرد لا يعني بالضرورة معرفة كل قطعة في اليوم الأول. فالأفضل إنشاء قاعدة بيانات وطنية ديناميكية تتوسع تدريجياً، بحيث يكون لكل قطعة هوية فريدة، ويُسجل انتقالها من المخزن إلى الوحدة أو من موقع الجمع إلى التخزين المركزي ثم إلى التدمير. وينبغي أن تكون القاعدة قابلة للمراجعة والتدقيق، وأن تمنع التكرار، وأن تسجل الأسلحة المفقودة والمستولى عليها والمُدمرة، حتى لا يتحول السلاح الذي جرى جمعه إلى رقم إداري لا يمكن التحقق منه.

ويقترح المقال تصنيفاً عملياً للأسلحة بعد الجرد إلى أربع مجموعات رئيسية: أسلحة يجب أن تبقى في حيازة الدولة النظامية المشروعة وتخضع للرقابة المدنية؛ أسلحة يجب أن تُجمع من القوات والجماعات المسلحة باعتبارها جزءاً من عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج؛ أسلحة مدنية غير قانونية يجب جمعها أو تسويتها وفق قانون واضح؛ وأسلحة أو ذخائر غير صالحة أو زائدة أو خطرة يجب تدميرها بصورة آمنة. ويجب أن تضاف إلى ذلك فئة خاصة للأسلحة التي ترتبط بأدلة جرائم حرب أو جرائم جسيمة، والتي لا ينبغي تدميرها قبل توثيقها وفحصها وحفظها كأدلة.

ويشرح المقال أن برنامج جمع السلاح بعد الحرب ينبغي أن يرتبط ببرنامج أوسع لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج وإصلاح القطاع الأمني، لأن جمع السلاح وحده لا يحل مشكلة الجماعات المسلحة. فإذا جُمعت الأسلحة من جماعة بينما بقيت جماعة أخرى مسلحة، فإن النتيجة قد تكون زيادة عدم التوازن الأمني. وإذا جرى تسريح المقاتلين من دون فرص اقتصادية أو حماية أو إعادة إدماج، فقد يعود بعضهم إلى السوق المسلحة أو الجريمة المنظمة. ولذلك ينبغي أن تتزامن عملية جمع السلاح مع إعادة تنظيم القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية، وتسوية أوضاع المقاتلين السابقين، وإعادة بناء المؤسسات المدنية والقضائية والمحلية.

ويضع المقال مبدأ الأمن المتبادل في قلب عملية الجمع. فالمجتمعات لن تسلم أسلحتها بصورة مستدامة إذا اعتقدت أن الآخرين سيحتفظون بها. ولهذا يجب أن يكون الجمع متزامناً أو متدرجاً على أساس متوازن بين المناطق والجماعات، وأن تترافق العملية مع انتشار شرطة مهنية وقوات أمن خاضعة للقانون، وآليات لحماية السكان، وتسوية النزاعات المحلية، وتقوية الإدارة الأهلية والمدنية من دون تحويلها إلى مؤسسات مسلحة. كما ينبغي أن تكون الحوافز واضحة ومحددة زمنياً، وأن تكون هناك ضمانات قانونية ضد الانتقام ممن يسلمون أسلحتهم طوعاً ضمن الشروط المحددة.

ويؤكد المقال ضرورة الفصل بين جمع السلاح والعدالة. فلا ينبغي استخدام برامج العفو العامة لإخفاء الجرائم الخطيرة، كما لا ينبغي استخدام جمع السلاح ذريعة لمعاقبة مجموعات بأكملها أو نزع سلاح مجتمع دون آخر بصورة انتقائية. فالأسلحة التي ارتبطت بجرائم قتل جماعي أو تعذيب أو اعتداءات واسعة يجب أن تدخل في مسار التوثيق والتحقيق والمساءلة. وفي الوقت نفسه يجب أن يكون واضحاً للمواطن العادي الذي يمتلك سلاحاً بصورة غير قانونية أن الهدف هو إخراج السلاح من التداول، لا تحويل عملية جمعه إلى آلية عشوائية للانتقام.

ويعطي المقال أهمية كبيرة للتقنيات الحديثة. فالتصوير الرقمي والرقم التسلسلي والتسجيل الجغرافي وقواعد البيانات المترابطة يمكن أن تساعد في معرفة أين كانت القطعة ومتى انتقلت ومن الجهة التي سلمتها. ويمكن استخدام الفحص الباليستي في القضايا التي تتطلب ربط السلاح أو الذخيرة بحوادث إطلاق نار، مع الالتزام بالمعايير العلمية وعدم تقديم الفحص الباليستي باعتباره دليلاً معصوماً من الخطأ. ويمكن أيضاً استخدام صور الأقمار الصناعية لرصد تغيرات المخازن والقواعد والأسواق ومواقع تكدس المركبات والمعدات، كما يمكن استخدام التحقق الرقمي وتحليل الصور والفيديوهات لتحديد أنواع الأسلحة والمعدات وتجنب احتساب الصورة نفسها أكثر من مرة.

ويحذر المقال من استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة غير نقدية في حصر الأسلحة. فالخوارزميات يمكن أن تساعد في تصنيف الصور واكتشاف الأنماط ومطابقة الطرازات، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد العدد الوطني الحقيقي للأسلحة، ولا يمكن اعتبار صورة أو مقطع فيديو دليلاً على أن السلاح ما زال موجوداً في المكان نفسه أو أن القطعة الظاهرة لم تظهر في صور أخرى. لذلك يجب أن تكون أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات مساعدة للتحقق وليست بديلاً عن الجرد الميداني وقواعد البيانات الرسمية والتحقيق المستقل.

ويتناول المقال الذخائر والمتفجرات باعتبارها مشكلة مختلفة عن الأسلحة النارية. فالذخيرة يمكن أن تبقى خطرة حتى بعد انتهاء القتال، كما أن الذخائر غير المنفجرة والألغام ومخلفات الحرب يمكن أن تمنع عودة السكان والزراعة وإعادة الإعمار. وقد أظهرت عمليات إزالة مخلفات الحرب في السودان وجود آلاف القطع من الذخائر والمتفجرات ومخلفات الأسلحة الصغيرة، لكن هذه الأرقام تمثل ما جرى العثور عليه وإزالته، ولا تمثل إجمالي الذخائر أو المتفجرات الموجودة في السودان. ولذلك يجب ألا تُستخدم أرقام إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة باعتبارها تقديراً للمخزون الوطني.

ويشرح المقال أن جمع السلاح يجب أن يكون مصحوباً بإدارة آمنة للمخزونات. فالمشكلة لا تنتهي بمجرد جمع السلاح إذا أُودع في مخازن ضعيفة الحماية، لأن المخازن نفسها يمكن أن تصبح هدفاً للسرقة أو النهب أو إعادة التوزيع غير المشروع. ولهذا يجب أن تكون هناك مخازن مركزية وإقليمية مؤمنة، وسجلات دخول وخروج، وفصل بين المسؤولية عن الحيازة والمسؤولية عن التدقيق، وجرد دوري مستقل، وأنظمة إنذار وحماية، وخطط للتعامل مع الذخائر غير المستقرة والخطرة.

ويضع المقال التدمير في نهاية سلسلة موثقة لا في بدايتها. فالسلاح الذي يجب تدميره ينبغي أولاً تعريفه وتسجيله وتصويره والتحقق من ملكيته وحالته، ثم نقله بطريقة آمنة، ثم تدميره وفق إجراءات تمنع استعادته أو إعادة استخدامه، ثم توثيق عملية التدمير. أما الأسلحة الصالحة التي تحتاج إليها الدولة فينبغي ألا تدخل برنامج التدمير لمجرد أنها جُمعت، وإنما تُنقل إلى منظومة المخزون النظامي إذا كانت ملكيتها واستخدامها مشروعين ومبررين وتخضع لرقابة مدنية.

ويؤكد المقال أن السيطرة المدنية يجب أن تكون المبدأ الحاكم لإدارة السلاح بعد الحرب. فالجرد والتخزين والجمع والتدمير لا ينبغي أن تصبح عملية عسكرية مغلقة، وإنما يجب أن تخضع لمؤسسات مدنية وقانونية ورقابية، مع وجود رقابة برلمانية وقضائية ومالية، وتحديد واضح لصلاحيات القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية، ومنع استخدام المؤسسات الأمنية لإعادة بناء شبكات سياسية أو اقتصادية مسلحة. كما ينبغي أن يكون الهدف النهائي هو احتكار الدولة المشروع لا احتكار فصيل أو حزب أو جماعة للسلاح.

ويتناول المقال بصورة مستقلة الأساطير والشائعات والمعلومات المضللة المرتبطة بالموضوع. وأهمها الادعاء بوجود رقم دقيق معروف حالياً لكل أسلحة السودان، أو الادعاء بأن كل رقم تاريخي لملايين الأسلحة يمثل المخزون الحالي، أو أن عدد الطرازات التي ظهرت في الحرب يساوي عدد القطع، أو أن كل سلاح يحمل منشأ دولة معينة يعني أن تلك الدولة زودت به مباشرة، أو أن كل الأسلحة الموجودة في أيدي المدنيين هي أسلحة استخدمت في الحرب، أو أن كل الأسلحة جاءت من الخارج، أو أن كل الأسلحة التي فقدتها القوات النظامية ما زالت موجودة داخل السودان، أو أن جمع الأسلحة من المواطنين وحده كافٍ لإنهاء ظاهرة الانتشار المسلح. ويبيّن المقال أن كل هذه الاستنتاجات تتجاوز ما تسمح به الأدلة المتاحة.

كما يحذر من الخلط بين عدد الأسلحة وعدد الذخائر. فوجود ملايين الطلقات لا يعني وجود ملايين البنادق، ووجود آلاف القذائف لا يعني وجود آلاف المدافع، ووجود صور لأسلحة معينة لا يسمح بحساب مخزونها الوطني. كما يحذر من جمع أرقام صادرة عن مصادر مختلفة وفي سنوات مختلفة وكأنها أجزاء من قاعدة بيانات واحدة. فالرقم الذي يمثل ما تم جمعه في حملة معينة لا يمكن إضافته آلياً إلى تقدير للأسلحة الموجودة في منطقة أخرى، كما أن الرقم الذي يمثل أسلحة صادرتها جهة أمنية لا يمثل بالضرورة كل الأسلحة التي كانت موجودة لدى الجماعة المستهدفة.

ويصل المقال إلى أن السؤال الأكثر واقعية بالنسبة للسودان بعد الحرب ليس «كم سلاحاً يوجد بالضبط؟» وإنما «كيف نصل خلال فترة محددة إلى معرفة موثوقة ومتزايدة الدقة بالمخزون، ثم نقلل بصورة قابلة للقياس عدد الأسلحة غير المشروعة والأسلحة الزائدة ومخاطر الذخائر؟». ومن هنا يقترح إنشاء برنامج وطني متعدد المراحل يبدأ بالتشريع والمؤسسات، ثم الجرد، ثم جمع الأسلحة، ثم التخزين والتدقيق، ثم التدمير أو الإدماج النظامي، ثم الرقابة المستمرة.

وتبدأ المرحلة الأولى بوضع إطار قانوني وطني واضح يحدد تعريفات الأسلحة وأنواعها، والجهات التي يجوز لها امتلاكها، وشروط الترخيص، وقواعد التسليم الطوعي، والعقوبات، وضمانات حماية المشاركين في عمليات التسليم، وقواعد التعامل مع الأدلة الجنائية، وآليات الرقابة المدنية. ويجب أن يكون القانون موحداً على المستوى الوطني مع مراعاة الواقع الفيدرالي والمحلي، وألا تترك عمليات الجمع لقرارات محلية متباينة يمكن أن تنتج مناطق آمنة للسلاح غير المشروع.

وتتضمن المرحلة الثانية جرد مخزونات الدولة والجماعات المسلحة. ويجب أن تبدأ العملية بالمخازن العسكرية والشرطية ومخازن الأجهزة الأمنية والمواقع التي جرى الاستيلاء عليها أثناء الحرب، ثم حصر المركبات والأسلحة الثقيلة والذخائر والمسيّرات ومنظومات الدفاع الجوي، ثم الانتقال إلى الأسلحة الصغيرة والخفيفة. ويجب مقارنة السجلات القديمة بالموجود فعلياً، وتحديد الفاقد والمستولى عليه والمدمر والمنقول.

وتتضمن المرحلة الثالثة برنامجاً وطنياً لجمع الأسلحة من المدنيين والجماعات المحلية، مع تقسيم السودان إلى مناطق تنفيذية، وبدء البرامج في المناطق التي تتوافر فيها ضمانات أمنية حقيقية. ويجب أن تُستخدم حملات إعلامية موحدة تشرح للمواطنين ما الذي سيحدث للسلاح عند تسليمه، وما هي المدة، وما هي الحوافز، وما هي الضمانات، وما هي الإجراءات التي ستتخذ بحق الأسلحة التي لا تُسلّم بعد انتهاء الفترة القانونية.

أما المرحلة الرابعة فتتعلق بنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج للمقاتلين السابقين. ويجب ألا يقتصر ذلك على تسليم السلاح، بل يشمل التحقق من هوية المقاتلين، وتحديد أوضاعهم القانونية، وإتاحة التدريب والعمل والخدمات الأساسية، ودعم العودة إلى المجتمعات المحلية، مع توفير برامج خاصة للفئات الأكثر عرضة لإعادة التجنيد. ويجب في الوقت نفسه ألا تتحول برامج إعادة الإدماج إلى وسيلة لإبقاء تشكيلات مسلحة خارج الدولة تحت مسميات مدنية.

وتتعلق المرحلة الخامسة بالحدود والأسواق. فحتى لو نجحت عملية جمع داخل السودان، فإن تدفق الأسلحة عبر الحدود يمكن أن يعيد المشكلة بسرعة. ولذلك يجب تقوية الجمارك وحرس الحدود والشرطة، وتبادل المعلومات مع الدول المجاورة، ومراقبة تجارة الأسلحة والذخائر والسلع المدنية القابلة للتحويل، وتتبع الشحنات المشبوهة، ومراقبة الأسواق المعروفة بتداول الأسلحة، مع التمييز بين التجارة القانونية والتجارة غير المشروعة.

ويؤكد المقال أن قياس النجاح يجب أن يتجاوز عدد البنادق التي جرى جمعها. فالمؤشرات الأفضل تشمل نسبة المخازن التي تم جردها، ونسبة الأسلحة التي أصبحت مرتبطة بسجلات رقمية، ونسبة الأسلحة المفقودة التي تم تحديد مصيرها، وعدد الأسلحة التي تم جمعها حسب النوع والمنطقة، ونسبة الذخائر التي تم تأمينها، وعدد الأسواق غير القانونية التي تم تفكيكها، وانخفاض حوادث إطلاق النار، وانخفاض معدلات العنف المجتمعي، ونسبة المقاتلين الذين أكملوا برامج إعادة الإدماج، ودرجة ثقة المجتمعات في الشرطة والمؤسسات المدنية.

ويؤكد المقال أن الشفافية عنصر أساسي في منع التلاعب بالأرقام. فمن الضروري نشر تقارير دورية توضح ما جرى جمعه حسب الفئة والمنطقة، وما جرى تدميره وما جرى إدخاله إلى المخزون النظامي، مع حماية المعلومات العملياتية الحساسة. ويجب أن يكون هناك تدقيق مستقل للبيانات حتى لا يتحول برنامج جمع السلاح إلى مصدر جديد للفساد أو لإخفاء إعادة توزيع الأسلحة بين مؤسسات الدولة أو الجماعات السياسية.

وتنتهي الدراسة إلى أن السودان لا يحتاج إلى «رقم سحري» للأسلحة، بل إلى نظام وطني قادر على إنتاج الرقم الصحيح بصورة تدريجية وقابلة للتحقق. فالبيانات التاريخية تؤكد أن انتشار الأسلحة في السودان كان واسعاً قبل الحرب، والحرب أضافت إليه طبقات جديدة من الأسلحة والمعدات والذخائر عبر الاستيراد والتهريب والنهب والاستيلاء وإعادة التوزيع. لكن الأدلة المتاحة حتى عام 2026 لا تسمح بتحديد العدد الإجمالي الحالي لجميع الأسلحة أو العدد الإجمالي لكل نوع منها بدرجة من الثقة العلمية تبرر إعلان رقم وطني واحد.

والخلاصة العملية هي أن الرقم الوطني الحالي يجب أن يظل مصنفاً باعتباره «غير معروف بصورة موثوقة» إلى أن يتم إجراء جرد شامل، بينما يمكن استخدام الأرقام التاريخية والبيانات الميدانية الحديثة كخطوط أساس وأدلة جزئية لا كبديل عن الجرد. وتبقى الأولوية بعد الحرب هي بناء احتكار مدني وقانوني للسلاح، جمع الأسلحة غير المشروعة والزائدة، تأمين المخازن، تدمير الأسلحة والذخائر التي لا حاجة إليها أو التي تشكل خطراً، حفظ الأسلحة المرتبطة بالجرائم كأدلة، إعادة دمج المقاتلين، ضبط الحدود والأسواق، وإقامة منظومة دائمة للرقابة والتتبع. وبذلك يصبح هدف السياسة العامة ليس مجرد «جمع أكبر عدد ممكن من البنادق»، وإنما الانتقال من بيئة ينتشر فيها السلاح خارج مؤسسات الدولة إلى دولة تستطيع معرفة ما لديها، ومن يملكه، وأين يوجد، وكيف انتقل، ومتى جرى جمعه أو تدميره، مع ضمان ألا يؤدي نزع السلاح إلى خلق فراغ أمني يعيد إنتاج الحرب.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: الرقم الذي لا يمكن إثباته أخطر من غياب الرقم

يمثل السلاح أحد أصعب موروثات الحرب السودانية الراهنة وأكثرها حساسية؛ لأن انتهاء العمليات العسكرية لا يعني انتهاء دورة السلاح. فالأسلحة التي دخلت السودان قبل 15 أبريل 2023، والأسلحة التي استوردتها أطراف الحرب أثناءها، والأسلحة التي استولت عليها القوات المتحاربة من مخازن بعضها بعضاً، والأسلحة التي جرى توزيعها على حلفاء وميليشيات وقوات مساندة، والأسلحة التي نهبت من مخازن الدولة والمقار العسكرية والشرطة، والأسلحة التي أخفيت في المنازل والمزارع والمخازن والأسواق، جميعها يمكن أن تتحول بعد الحرب من أدوات حرب منظمة إلى مصادر للجريمة والعنف الأهلي والانتقام السياسي والتهريب وإعادة إنتاج التمرد.

وتكمن المشكلة العلمية الأولى في أنه لا توجد حتى 16 سبتمبر 2026 جردة وطنية مستقلة وشاملة وحديثة للأسلحة الموجودة في جمهورية السودان تسمح بإعطاء رقم إجمالي دقيق يمكن الدفاع عنه علمياً. ولذلك فإن أي رقم متداول من قبيل «مليون» أو «ملايين» الأسلحة الموجودة حالياً في السودان ينبغي التعامل معه بحذر شديد ما لم يكن مستنداً إلى مسح ميداني وطني قابل للتدقيق. وهذه ليست مجرد فجوة إحصائية، بل نتيجة مباشرة لطبيعة الحرب نفسها: مخزونات عسكرية نُهبت أو استولى عليها طرف من طرف آخر، أسلحة أعيد توزيعها، أسلحة دمرت في المعارك، أسلحة عبرت الحدود، أسلحة بقيت في مخازن يصعب الوصول إليها، وأسلحة جديدة دخلت البلاد خلال سنوات الحرب. ولذلك لا يمكن حساب المخزون الحالي بمجرد إضافة واردات الحرب إلى تقديرات ما قبلها وطرح الأسلحة التي أعلنت السلطات عن جمعها، لأن كل واحدة من هذه الكميات تنتمي إلى مجتمع إحصائي مختلف وقد يحدث بينها تداخل كبير.

أما أفضل خط أساس تاريخي متاح، فيشير إلى أن المسح الدولي للأسلحة الصغيرة قدّر في ديسمبر 2009 وجود نحو 2.7 مليون سلاح صغير وخفيف في السودان آنذاك، أي في السودان قبل انفصال جنوب السودان، وكان أكثر من ثلثيها خارج مخزونات الدولة الخاضعة للسيطرة المباشرة (Small Arms Survey, 2009). كما قدرت دراسة أسبق نطاق الأسلحة النارية في السودان بنحو 1.9 إلى 3.2 مليون قطعة، مع التأكيد على أن هذا التقدير كان يتعلق أساساً بالأسلحة النارية السودانية، وأن الأسلحة الخفيفة الأخرى مثل قاذفات القنابل والهاونات والرشاشات الثقيلة ومنظومات الدفاع الجوي المحمولة لم يكن بالإمكان تقدير أعدادها بصورة منهجية (Small Arms Survey, 2007).

وتتيح بيانات عام 2009 تفصيلاً مهماً: فقد قُدرت الأسلحة النارية المدنية في شمال السودان آنذاك بنحو 1.24 مليون قطعة، اعتماداً على تقدير أربعة أسلحة لكل مائة من السكان في شمال السودان، بينما قُدرت الأسلحة لدى السكان المدنيين في جنوب السودان بنحو 720 ألف قطعة. كما قدرت الدراسة أن قوات الحكومة الرسمية كانت تمتلك نحو 470 ألف سلاح صغير وخفيف. لكن هذه الأرقام لا يجوز تحويلها إلى تقدير حالي للسودان؛ فهي نقطة أساس تاريخية سبقت انفصال جنوب السودان بأقل من عامين، وسبقت أكثر من عقد ونصف من إعادة التسلح والحروب والتغييرات الديموغرافية والأمنية، وسبقت حرب 15 أبريل 2023 بسنوات طويلة (Small Arms Survey, 2009).

وفي دارفور تحديداً، أشار فريق خبراء الأمم المتحدة في 2021 إلى تقديرات تراوحت بين 700 ألف و1.7 مليون سلاح غير مشروع، في حين أفادت الحكومة السودانية بأن أكثر من 107 آلاف سلاح جُمعت على المستوى الوطني بحلول مارس 2018، منها نحو 67 ألفاً في دارفور، إضافة إلى نحو 200 ألف سلاح جرى جمعها من ميليشيات كانت مرتبطة بالحكومة السابقة أو بقوات الدفاع الشعبي. وقد اعتبر فريق الخبراء أن هذه الكميات كانت صغيرة نسبياً مقارنة بتقديرات انتشار الأسلحة غير المشروعة في دارفور (United Nations Panel of Experts, 2021).

وتتضاعف أهمية هذه المقارنة عندما نعلم أن الحكومة أبلغت في 2022 عن جمع نحو 350 ألف سلاح في إطار مراحل مختلفة من برامج جمع الأسلحة، لكن فريق خبراء الأمم المتحدة كان قد أكد في الوقت نفسه أن الفريق لم يتمكن من الحصول على معلومات ووثائق وإحصاءات شاملة بشأن جمع الأسلحة على المستوى الاتحادي أو الولائي، ولذلك لا يمكن التعامل مع الرقم الحكومي باعتباره جرداً وطنياً مستقلاً (Government of Sudan, 2022; United Nations Panel of Experts, 2021).

وتصبح الصورة أكثر تعقيداً بعد حرب 2023، إذ لم تعد المسألة مقتصرة على البنادق والمسدسات، بل تشمل المدافع الرشاشة الثقيلة، وقاذفات الصواريخ، ومدافع الهاون، والمدفعية، والأسلحة المضادة للدروع، ومنظومات الدفاع الجوي المحمولة، والطائرات المسيّرة المسلحة، ومعدات التشويش، والذخائر بمختلف أنواعها، فضلاً عن المتفجرات ومخلفات الحرب غير المنفجرة. وقد وثقت التحقيقات الحديثة وجود أسلحة أجنبية حديثة في أيدي أطراف الحرب، في حين وثقت الأمم المتحدة انتقال أسلحة من مخزونات سودانية إلى أسواق سوداء وإلى دول الجوار (Amnesty International, 2024; United Nations Panel of Experts, 2024; United Nations Panel of Experts, 2025).

ومن ثم فإن السؤال العلمي الصحيح ليس «كم بندقية توجد في السودان؟» فحسب، وإنما: ما حجم كل فئة من الأسلحة؟ وما الذي يمكن إثباته؟ وما الذي لا يمكن تقديره؟ ومن يسيطر عليه؟ وأين يوجد؟ وكيف دخل البلاد؟ وكيف انتقل بين الأطراف؟ وما الذي جرى تدميره؟ وما الذي جرى تهريبه؟ وما الذي بقي مخفياً؟ وكيف يمكن أن تمنع الدولة إعادة إنتاج مخزون حرب جديد؟

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها أي برنامج سوداني لجمع السلاح: عدم اختلاق رقم وطني غير موجود، وإنما بناء جرد وطني يجعل معرفة الرقم ممكنة للمرة الأولى.

الفصل الأول: ماذا نعرف عن حجم ترسانة السودان، وماذا لا نعرف، ولماذا يستحيل علمياً إعطاء رقم حالي واحد؟

إن السؤال عن «حجم السلاح» يحتاج إلى التفريق بين أربعة مجتمعات مختلفة: المخزون القانوني للدولة، والأسلحة الموجودة لدى القوات النظامية وشبه النظامية، والأسلحة الموجودة لدى الجماعات المسلحة، والأسلحة الموجودة لدى المدنيين والأسواق غير المشروعة. ولا يجوز جمع هذه الفئات حسابياً اعتماداً على مصادر مختلفة وفترات زمنية مختلفة ثم تقديم الناتج باعتباره حجم السلاح الحالي.

قبل الحرب الحالية، كان السودان بالفعل من أكثر البيئات تسلحاً في المنطقة. وقد قدر المسح الدولي للأسلحة الصغيرة في عام 2009 وجود نحو 2.7 مليون سلاح صغير وخفيف في السودان آنذاك، مع التأكيد على أن التقدير كان يشمل السودان قبل انفصال جنوب السودان، ولذلك لا يجوز إسقاطه مباشرة على جمهورية السودان الحالية أو على الوضع بعد 2023 (Small Arms Survey, 2009). وتشير بيانات المسح نفسه إلى أن ما يقرب من مليوني سلاح كانت خارج سيطرة الحكومة في ذلك الوقت، مع اختلاف تعريف «خارج السيطرة» عن تعريف «غير قانوني»؛ فالسلاح الموجود لدى مدني ليس بالضرورة سلاحاً غير مشروع، والسلاح الموجود لدى جماعة مسلحة ليس بالضرورة مدرجاً في قاعدة بيانات الجريمة، ولذلك فإن مساواة «السلاح خارج الدولة» بـ«السلاح غير القانوني» خطأ منهجي.

وفي دراسة سابقة، قُدر نطاق الأسلحة النارية في السودان بين 1.9 و3.2 مليون قطعة. وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة لأنها أوضحت أن التقدير يشمل المسدسات والبنادق والبنادق الملساء وبنادق الرشاشات والأسلحة الرشاشة الخفيفة والمتوسطة، لكنه لا يشمل بصورة قابلة للتقدير المنهجي قاذفات القنابل والهاونات والرشاشات الثقيلة ومنظومات الدفاع الجوي المحمولة، رغم وجود هذه الأنظمة فعلياً في السودان (Small Arms Survey, 2007). ولذلك فإن تحويل نطاق 1.9–3.2 مليون إلى «إجمالي كل الأسلحة» هو تضخيم غير مبرر، لأن الرقم يتعلق أساساً بالأسلحة النارية وليس بكل منظومات الأسلحة الصغيرة والخفيفة والأسلحة الأكبر.

وتوضح جداول عام 2009 أن تقدير 2.7 مليون لم يكن رقماً عشوائياً؛ فقد بني من تقديرات مختلفة للقوات الحكومية والسكان المدنيين والقوات غير الحكومية، واشتمل على السودان القديم قبل الانفصال. فقد قدر المسح آنذاك قوات القوات المسلحة السودانية، باستثناء الوحدات المشتركة، بنحو 310 آلاف سلاح صغير، والوحدات المشتركة بنحو 19 ألفاً، والشرطة الوطنية بنحو 110 آلاف، وقوات الدفاع الشعبي بنحو 10 آلاف، مع أسلحة لدى بعثات حفظ السلام وغيرها. كما قدر الأسلحة المدنية في شمال السودان بنحو 1.24 مليون وفي جنوب السودان بنحو 720 ألفاً. وهذه التفاصيل توضح لماذا لا يجوز استخدام 2.7 مليون باعتباره «عدد البنادق الموجودة حالياً في السودان» (Small Arms Survey, 2009).

والأهم من ذلك أن هذه التقديرات لا تمثل نقطة الصفر التي بدأت منها حرب 2023. فمنذ 2009 حدث انفصال جنوب السودان عام 2011، واندلعت أو استمرت نزاعات جنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور، وتوسع دور قوات الدعم السريع، واستمرت عمليات الاستيراد والتصنيع والتحويل، ثم حدثت حرب أبريل 2023 وما صاحبها من انهيار مخازن عسكرية ونهبها والاستيلاء عليها وتدفق أسلحة جديدة. ولذلك فإن تقدير 2009 لا يمثل «المخزون الحالي»، وإنما خط أساس تاريخي يمكن استخدامه لفهم حجم المشكلة وليس لحسابها في عام 2026.

وفي دارفور، كانت المشكلة أصغر ظاهرياً من حيث البيانات لكنها أكثر وضوحاً من حيث انتشار السلاح. فقد أشار فريق خبراء الأمم المتحدة إلى أن تقديرات الأسلحة غير المشروعة تراوحت بين 700 ألف و1.7 مليون، وأن عمليات الجمع السابقة لم تكن قريبة من إزالة المخزون المنتشر (United Nations Panel of Experts, 2021). وتظهر أهمية هذا الرقم لا باعتباره «الحجم الحالي»، وإنما باعتباره دليلاً على أن مخزون السلاح في دارفور كان قبل حرب 2023 كبيراً جداً، وأن حرب 2023 لم تبدأ من بيئة منزوعة السلاح، بل من منطقة كانت تحتوي بالفعل على سوق سلاح راسخ وشبكات توريد عابرة للحدود.

وتوجد مشكلة إضافية هي تعدد العدّ. فالبندقية التي استولت عليها قوات الدعم السريع من قاعدة للجيش قد تكون موجودة في إحصاء سابق ضمن مخزون القوات المسلحة، ثم تظهر في تصوير ميداني باعتبارها في يد الدعم السريع، ثم تدخل السوق السوداء، ثم تعبر إلى جنوب السودان. إذا أضيفت كل مرحلة باعتبارها «سلاحاً جديداً»، فسيتم عد البندقية نفسها عدة مرات. لذلك فإن المنهج الحديث لتتبع الأسلحة يقوم على الرقم التسلسلي والعلامات والسمات الفنية وسجل الحيازة، لا على جمع أرقام الاستيلاء والتوريد والمصادرة بطريقة حسابية بسيطة (Small Arms Survey, 2009; Conflict Armament Research, 2024).

وبناء على ذلك، يمكن تقسيم المعرفة الحالية إلى ثلاث طبقات. الطبقة الأولى هي أرقام تاريخية موثوقة نسبياً، مثل تقدير 2.7 مليون سلاح صغير وخفيف في السودان القديم عام 2009. الطبقة الثانية هي أرقام جزئية حديثة، مثل أعداد شحنات أو نماذج أو أسلحة مصادرة أو أنواع موثقة بصرياً. والطبقة الثالثة هي المخزون الكلي الحالي، وهو غير معروف ولا توجد حتى الآن جردة وطنية تسمح بتقديره علمياً. وهذه الطبقة الثالثة هي التي يجب ألا تُملأ بالتخمين.

الفصل الثاني: الحرب ضاعفت تعقيد الترسانة السودانية، لكنها لم تنتج رقماً يمكن جمعه حسابياً

أنتجت الحرب الحالية عدة مصادر متزامنة لتراكم السلاح، وأهمها المخزونات السابقة للحرب، والاستيراد الخارجي، والاستيلاء على مخزونات الخصم، والنهب من المخازن والمقار الحكومية والعسكرية والشرطية، وإعادة توزيع السلاح على قوات حليفة، والتهريب عبر الحدود.

المصدر الأول هو المخزونات السابقة للحرب لدى القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية والقوات شبه النظامية والحركات المسلحة والميليشيات والقوات القبلية والأفراد. وهذه المخزونات نفسها لم تكن ثابتة؛ إذ كانت تتجدد باستمرار عبر المشتريات والتصنيع والتحويلات والاستيلاء في المعارك.

المصدر الثاني هو الاستيراد الخارجي أثناء الحرب. فقد حللت منظمة العفو الدولية أكثر من 1900 سجل لشحنات أسلحة باستخدام بيانات تجارية على مستوى الشحنة، إلى جانب نحو 2000 صورة وفيديو جرى التحقق منها، ومقابلات مع 17 خبيراً إقليمياً في الأسلحة والسودان خلال فبراير ومارس 2024. ووثقت المنظمة أسلحة وذخائر حديثة أو حديثة النقل من الصين وروسيا وصربيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة واليمن، إضافة إلى معدات متقدمة للتشويش على الطائرات المسيّرة ومدافع هاون وبنادق مضادة للعتاد وناقلات جنود مدرعة (Amnesty International, 2024).

لكن عدد الشحنات لا يساوي عدد الأسلحة. فسجل الشحنة قد يكون لقطع غيار أو ذخائر أو مئات القطع، وقد تكون بعض الشحنات مكررة في قواعد البيانات التجارية أو لا تمثل انتقالاً فعلياً إلى مستخدم نهائي داخل السودان. ولذلك يجب استخدام بيانات التجارة لتقدير التدفقات وليس لتحويلها مباشرة إلى مخزون.

وتكشف بيانات منظمة العفو الدولية عن أمثلة محددة يمكن قياسها دون تعميم غير مشروع. فقد أظهرت بيانات الشحنات أن شركة تركية صدرت 250 بندقية من طراز «برغ 55» إلى السودان في عامي 2022 و2023، كما أظهرت البيانات تصدير نحو 650 بندقية من طراز «إف دي-63» في عامي 2022 و2023. كما استوردت شركة «الشجرة» ما لا يقل عن 2400 مسدس صوتي أو سلاح فارغ من تركيا بين 2019 و2023 مع 200 ألف طلقة صوتية، بينما استورد متجر «البيرق» في الخرطوم ما لا يقل عن 5.1 ملايين طلقة صوتية بين 2020 و2023 (Amnesty International, 2024). وهذه الأرقام لا تعني أن 250 أو 650 قطعة ما زالت موجودة في السودان عام 2026؛ بعضها قد يكون دُمر أو استولى عليه طرف آخر أو خرج من البلاد، كما أن أعداد الطلقات ليست أعداد أسلحة. لكنها تكشف حجم بعض قنوات التدفق التي كانت قائمة قبل الحرب وأثناء بدايتها.

المصدر الثالث هو الاستيلاء على مخزونات الخصم. وقد كان هذا مهماً بصورة خاصة بعد سقوط قواعد ومقار عسكرية كبيرة، لأن السيطرة على قاعدة عسكرية قد تعني الاستيلاء ليس على البنادق فقط، بل على الذخائر والمدافع والآليات والصواريخ ومعدات الاتصال والطائرات المسيّرة ومخازن الإمداد. وقد وثق فريق خبراء الأمم المتحدة في 2024 سيطرة قوات الدعم السريع على قواعد رئيسية للقوات المسلحة في نيالا وزالنجي وأردمتا والضعين، إضافة إلى قواعد ومواقع أخرى في دارفور، ثم استخدام أنواع من الأسلحة الثقيلة والمعقدة، بما في ذلك الطائرات القتالية غير المأهولة ومدافع الهاوتزر وقاذفات الصواريخ المتعددة والأسلحة المضادة للطائرات ومنظومات الدفاع الجوي المحمولة (United Nations Panel of Experts, 2024).

المصدر الرابع هو النهب من المخازن والمقار الحكومية والعسكرية والشرطية، وهو مصدر يصعب قياسه بسبب غياب سجلات ما قبل الحرب في مناطق كثيرة وتدمير السجلات أو فقدانها. والمشكلة أن المخزون الذي فُقد من مخزن حكومي لا يظهر تلقائياً في قاعدة بيانات طرف آخر، ولذلك تحتاج الدولة بعد الحرب إلى مطابقة سجلات ما قبل الحرب مع سجلات المصادرة والاستيلاء والتدمير.

المصدر الخامس هو إعادة توزيع السلاح على قوات حليفة. وتظهر الأدلة أن الحرب لم تكن مواجهة ثنائية بسيطة بين مؤسستين، وإنما اشتملت على شبكات من القوات المساندة والحركات المسلحة والمقاومات المحلية والميليشيات والقوات القبلية، وهو ما يزيد من صعوبة معرفة المستخدم النهائي للسلاح بعد انتهاء الحرب.

المصدر السادس هو التهريب عبر الحدود. فقد وثقت الأمم المتحدة مسارات مرتبطة بتشاد وليبيا وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى وغيرها. وفي 2025 أفاد فريق خبراء جنوب السودان بأن أسلحة مدنية المنشأ، منها بنادق تركية حديثة وبنادق من طرازات مرتبطة بالسوق المدنية، ظهرت في أيدي مدنيين ومسلحين في جنوب السودان، ورجح الفريق أن معظم العينات التي فحصها جاءت من مخزونات نُهبت في الخرطوم من قبل قوات الدعم السريع (United Nations Panel of Experts, 2025).

ويضاف إلى ذلك السلاح الذي يخرج من السودان ثم يعود إليه. فالحدود ليست مجرد خط يمنع حركة السلاح، وإنما شبكة اقتصادية واجتماعية مترابطة. وقد وثق فريق خبراء الأمم المتحدة في 2025 نقل ذخائر هاون عيار 81 و120 مليمتراً وقذائف صاروخية من ليبيا نحو دارفور، كما وثق وجود أسواق سلاح في نيالا تحصل على أسلحة من التحويلات والاستيلاء ومخزونات جرى نقلها من الخرطوم ومن جبهات أخرى (United Nations Panel of Experts, 2025).

ومن ثم فإن مخزون السلاح الحالي ليس حاصل معادلة بسيطة من نوع «مخزون 2009 + واردات 2010–2026 – الأسلحة المجموعة». إنه مخزون ديناميكي تحكمه عمليات الاستيراد والاستيلاء والتدمير والتهريب وإعادة التوزيع والتحويل والسوق السوداء.

الفصل الثالث: كم يوجد الآن من كل نوع؟ الإجابة العلمية: ما يمكن عده محدود، وما لا يمكن عده يجب ألا يُختلق

أهم إضافة مطلوبة إلى أي دراسة عن السلاح السوداني هي الفصل بين التقدير الكمي القابل للدفاع عنه والوجود الموثق دون إمكانية تقدير الحجم. وحتى سبتمبر 2026 لا توجد قاعدة بيانات وطنية أو دولية موثوقة توفر جدولاً يقول إن السودان يمتلك، مثلاً، عدداً محدداً من البنادق الهجومية، وعدداً محدداً من المسدسات، وعدداً محدداً من الرشاشات، وعدداً محدداً من قاذفات «آر بي جي»، وعدداً محدداً من الهاونات، وعدداً محدداً من المدفعية، وعدداً محدداً من الطائرات المسيّرة. وأي جدول يضع أرقاماً دقيقة لهذه الفئات من دون منهجية جرد ميداني سيكون اختلاقاً للبيانات لا تقديراً علمياً.

ومع ذلك، يمكن بناء خريطة كمية للمعرفة الحالية.

بالنسبة إلى إجمالي الأسلحة الصغيرة والخفيفة، فإن أفضل رقم تاريخي واسع التغطية هو نحو 2.7 مليون قطعة في السودان القديم عام 2009، وأكثر من ثلثيها خارج سيطرة الدولة المباشرة (Small Arms Survey, 2009). أما الرقم الحالي لجمهورية السودان وحدها فلا يمكن إثباته من المصادر المتاحة. ويمكن استخدام تقدير 2.7 مليون بوصفه خط أساس تاريخياً، لا بوصفه تقديراً لعام 2026.

وبالنسبة إلى الأسلحة النارية، فإن النطاق التاريخي 1.9–3.2 مليون يمثل أفضل نطاق واسع منشور قبل الانفصال، لكنه لا يمثل الوضع الحالي ولا يشمل جميع فئات الأسلحة الخفيفة (Small Arms Survey, 2007). ومن ثم لا توجد قيمة حالية موثوقة يمكن وضعها مكان هذا النطاق.

وبالنسبة إلى الأسلحة المدنية، فإن تقدير 1.24 مليون سلاح ناري بين سكان شمال السودان عام 2009 هو أهم تقدير تاريخي خاص بالإقليم الذي أصبح لاحقاً جمهورية السودان، لكنه لا يمكن تحديثه حسابياً إلى 2026 من دون مسح وطني جديد، لأن الحرب والنمو السكاني والنزوح والتهجير والتسليح والتحويلات والتدمير غيرت جميع المتغيرات التي بُني عليها التقدير القديم (Small Arms Survey, 2009).

وبالنسبة إلى الأسلحة الحكومية الصغيرة والخفيفة، فقد كان التقدير التاريخي نحو 470 ألف قطعة لقوات الأمن الحكومية في عام 2009، لكنه لا يمثل مخزون القوات المسلحة الحالية أو الشرطة الحالية. فالقوات تغيرت، وأضيفت تشكيلات، وفُقدت مخزونات، واستُعيدت مخزونات، وحدثت عمليات شراء وتصنيع واستيلاء واسعة. وبالتالي لا يمكن تقديم رقم 470 ألف باعتباره الرقم الحالي.

وبالنسبة إلى البنادق الهجومية، فإن وجودها واسع ومؤكد، وتشمل الأدلة بنادق من نمط «كلاشينكوف» وبنادق «إف إن فال» وبنادق «جي 3» وبنادق حديثة من تركيا وروسيا وصربيا وغيرها، لكن لا توجد جردة تسمح بتحويل هذا الانتشار إلى عدد وطني. وقد وثق المسح الدولي للأسلحة الصغيرة وجود بنادق من نمط كلاشينكوف والرشاشات العامة وقاذفات «آر بي جي» والرشاشات الثقيلة عيار 12.7 مليمتراً بكميات كبيرة في مخزونات جماعات مسلحة في السودان والمناطق المحيطة، لكنه لم يقدم تعداداً وطنياً لكل نوع (Small Arms Survey, 2009).

وبالنسبة إلى المسدسات، فإنها موجودة لدى القوات النظامية والجماعات المسلحة والمدنيين والأسواق، لكن لا يوجد رقم وطني حديث. وتوثيق وجودها لا يساوي القدرة على عدها.

وبالنسبة إلى البنادق الملساء وبنادق الصيد والبنادق المدنية شبه العسكرية، توجد أدلة كمية أفضل على بعض خطوط الإمداد الحديثة، منها 650 بندقية من طراز «إف دي-63» في واردات 2022–2023 و250 بندقية «برغ 55» في 2022–2023، إلى جانب كميات أخرى من بنادق الصيد والأسلحة المدنية من تركيا وروسيا. لكن هذه الأرقام تمثل واردات محددة، لا المخزون الموجود الآن (Amnesty International, 2024).

وبالنسبة إلى الأسلحة الفارغة أو الصوتية التي يمكن تحويل بعضها إلى أسلحة قاتلة، فقد وثقت منظمة العفو الدولية 2400 قطعة على الأقل من الواردات إلى «الشجرة» و5.1 ملايين طلقة صوتية إلى متجر «البيرق»، وهي أرقام مهمة لأنها تكشف قناة محتملة لتحويل السوق المدنية إلى مصدر سلاح، لكنها لا تسمح بتقدير عدد الأسلحة التي تحولت فعلاً إلى أسلحة قاتلة، ولا عدد ما بقي أو دُمر أو خرج من البلاد (Amnesty International, 2024).

وبالنسبة إلى الرشاشات الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، فالوجود موثق على نطاق واسع، بما في ذلك رشاشات عيار 12.7 مليمتراً، لكن لا يوجد تقدير وطني حديث لعدد القطع. والأمر نفسه ينطبق على قاذفات الصواريخ المحمولة والأسلحة المضادة للدروع، بما في ذلك قاذفات «آر بي جي»، حيث توجد أدلة ميدانية متكررة لكنها لا توفر جرداً وطنياً.

وبالنسبة إلى الهاونات، فإن وجودها مؤكد لدى أطراف الحرب، وقد وثقت الأمم المتحدة شحنات تحتوي على ثماني صناديق من قذائف هاون شديدة الانفجار عيار 81 مليمتراً و11 صندوقاً من قذائف هاون عيار 120 مليمتراً كانت متجهة من جنوب ليبيا إلى دارفور، إضافة إلى كمية غير محددة من ذخائر قاذفات «آر بي جي» عيار 75 مليمتراً (United Nations Panel of Experts, 2025). وهذه أرقام للذخائر التي ضُبطت في حادثة محددة، وليست تقديراً لكل مخزون الهاونات في السودان.

وبالنسبة إلى المدفعية الميدانية ومدافع الهاوتزر وقاذفات الصواريخ المتعددة، فقد وثقت الأمم المتحدة استخدامها وانتقالها بين الأطراف، بما في ذلك الهاوتزر وقاذفات الصواريخ المتعددة، كما وثقت منظمة العفو الدولية أنظمة مدفعية صينية حديثة عيار 155 مليمتراً في سياق الحرب (United Nations Panel of Experts, 2024; Amnesty International, 2025). لكن عدد المدافع نفسها على المستوى الوطني غير معروف.

وبالنسبة إلى منظومات الدفاع الجوي المحمولة، أصبحت المعلومات أحدث وأكثر أهمية. ففي يونيو 2026 وثق المسح الدولي للأسلحة الصغيرة وجود ثمانية نماذج على الأقل من منظومات الدفاع الجوي المحمولة لدى قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب، بينها أنظمة من أجيال حديثة لم تكن موثقة سابقاً خارج السيطرة الحكومية. لكن «ثمانية نماذج» لا تعني ثماني منظومات؛ فهي عدد الأنواع أو الطرازات، وليس عدد القطع. ولذلك لا يمكن تحويل الرقم إلى «ثماني منظومات» أو «ثمانمائة منظومة» دون بيانات إضافية (Schroeder, 2026).

وبالنسبة إلى الطائرات المسيّرة، فإن الحرب شهدت توسعاً كبيراً في استخدامها من الطرفين، ووثقت تقارير الأمم المتحدة في 2026 زيادة كبيرة في استخدام الطائرات المسيّرة، بما في ذلك ضربات استهدفت مناطق مدنية وبنية تحتية. لكن عدد الطائرات المسيّرة الموجودة في السودان غير معروف، لأن هذا المجال يتغير بسرعة، ولأن الطائرة الواحدة قد تكون مصنعة محلياً أو مستوردة أو معدلة من طائرة تجارية، كما أن كثيراً من الأنظمة لا يندرج في البيانات التقليدية للأسلحة (Security Council Report, 2026).

وبالنسبة إلى معدات التشويش على الطائرات المسيّرة، فقد وثقت منظمة العفو الدولية أنظمة صينية متقدمة للتشويش في أم درمان، بما في ذلك أجهزة مرتبطة بشركة صينية وأنظمة متعددة النطاقات (Amnesty International, 2024). لكن لا يوجد تعداد وطني لهذه الأجهزة.

وبالنسبة إلى الذخائر، لا توجد إمكانية علمية لتحويل عدد الأسلحة إلى عدد الطلقات أو القذائف، لأن مخزون الذخيرة قد يفوق عدد الأسلحة بأضعاف كبيرة، ولأن كثيراً من الذخائر استهلك أثناء الحرب. لذلك يجب أن يكون للسودان جرد مستقل للذخيرة، لا أن يضع تقديراً للذخيرة باعتبارها نسبة ثابتة من عدد البنادق.

وبالنسبة إلى مخلفات الحرب المتفجرة والذخائر غير المنفجرة، فإن المشكلة مختلفة تماماً. فقد أشارت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام إلى أن السودان واجه بحلول 2025 تلوثاً واسعاً بالذخائر المتفجرة نتيجة الحرب، وأن هذه الذخائر توجد في المنازل والساحات والمدارس والمستشفيات والشوارع. وأشارت بيانات الدائرة إلى إزالة أكثر من 10 آلاف قطعة من الذخائر المتفجرة في السودان، بينها 16 لغماً مضاداً للأفراد، وثمانية ألغام مضادة للدبابات، و991 قطعة متفجرة غير منفجرة، وأكثر من 9 آلاف قطعة من ذخائر الأسلحة الصغيرة؛ وهذه أرقام ما أزيل وليست تقديراً لما بقي (UNMAS, 2025; UNMAS, 2026).

وعليه فإن الإجابة العلمية على سؤال «كم يوجد الآن من كل نوع؟» هي الآتية: لا توجد حتى سبتمبر 2026 أرقام وطنية موثوقة لكل نوع من أنواع السلاح في السودان. الرقم الإجمالي الحالي غير معروف، وعدد البنادق والمسدسات والرشاشات وقاذفات الصواريخ والهاونات والمدفعية ومنظومات الدفاع الجوي المحمولة والطائرات المسيّرة غير معروف على المستوى الوطني. الموجود هو خط أساس تاريخي قوي، وأرقام جزئية موثقة للتدفقات والمصادرات والأنواع والمخزونات في مواقع محددة. وأي رقم وطني دقيق لكل فئة دون جرد ميداني مستقل ينبغي اعتباره تقديراً غير موثوق، مهما بدا دقيقاً.

الفصل الرابع: خريطة الترسانة السودانية بعد الحرب — من البندقية المدنية إلى منظومة الدفاع الجوي والطائرة المسيّرة

لا ينبغي أن تضع الدولة برنامجاً واحداً لجميع الأسلحة. فالترسانة السودانية بعد الحرب ينبغي تصنيفها إلى فئات مختلفة، لكل منها نظام جمع وتخزين وتدمير مختلف.

الأسلحة الصغيرة

تشمل المسدسات والبنادق وبنادق الصيد والبنادق الهجومية، وتمثل أكبر خطر على الحياة اليومية لأنها الأسهل في الإخفاء والنقل والبيع والاستخدام الفردي. وتشمل الأدلة المتاحة بنادق «كلاشينكوف»، وبنادق «إف إن فال»، وبنادق مدنية ذات تصميمات قريبة من «إيه آر-15»، ومسدسات وبنادق متعددة المنشأ. ووثق تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة في 2025 وجود أسواق سوداء تعرض بنادق «إف إن فال» وبنادق «كلاشينكوف» وبنادق «توكاريف» وبنادق أخرى، إضافة إلى رشاشات ثقيلة (United Nations Panel of Experts, 2025).

وتظهر أهمية الأسلحة المدنية تحديداً لأن الحرب لم تقتصر على الأسلحة التي تصنفها التجارة الدولية باعتبارها عسكرية. فقد وثقت منظمة العفو الدولية تحويل أو احتمال تحويل أسلحة مدنية إلى ساحة الحرب، بما في ذلك بنادق صيد وبنادق رياضية من تركيا وروسيا، وأظهرت أن بعض الأسلحة التي تسوق للمدنيين ظهرت في أيدي القوات المسلحة وقوات الدعم السريع (Amnesty International, 2024).

الرشاشات والأسلحة الخفيفة

تشمل الرشاشات المتوسطة والثقيلة، ومنها الرشاشات عيار 12.7 مليمتراً. وتختلف هذه الأسلحة عن البندقية الفردية في ضرورة وجود نظام أكثر صرامة لجردها وتخزينها وتدميرها، لأنها يمكن أن تمنح مجموعة صغيرة قدرة نارية تفوق قدرة الشرطة المحلية.

قاذفات الصواريخ والأسلحة المضادة للدروع

تشمل قاذفات «آر بي جي» وأنظمة موجهة مضادة للدروع. وتكتسب هذه الفئة أهمية خاصة لأنها يمكن أن تنتقل من جماعة مسلحة إلى أخرى وتعيد تشكيل ميزان القوة المحلي حتى بعد توقف الحرب. ولا توجد جردة وطنية حالية لعددها، لكن وجودها موثق منذ الحروب السابقة وحتى الحرب الحالية.

المدافع والهاونات والمدفعية

تحتاج هذه الفئة إلى جرد منفصل، وتوثيق الحالة الفنية، وتحديد موقع التخزين، وتسجيل الذخائر المرتبطة بها. وقد وثقت منظمة العفو الدولية وجود مدافع «إيه إتش-4» عيار 155 مليمتراً في سياق الحرب، كما وثقت أدلة على استخدام ذخائر ومدفعية حديثة (Amnesty International, 2025). وتظهر تقارير الأمم المتحدة أن أطراف الحرب استخدمت الهاوتزر وقاذفات الصواريخ المتعددة وأنواعاً مختلفة من المدفعية (United Nations Panel of Experts, 2024).

منظومات الدفاع الجوي المحمولة

تمثل هذه الفئة خطراً استثنائياً. فقد وثق المسح الدولي للأسلحة الصغيرة في يونيو 2026 وجود ما لا يقل عن ثمانية نماذج من منظومات الدفاع الجوي المحمولة لدى قوات الدعم السريع، بما فيها أنظمة حديثة لم تكن معروفة سابقاً خارج سيطرة الحكومات في بعض الحالات (Schroeder, 2026).

وتظهر أهمية ذلك لأن منظومة دفاع جوي محمولة واحدة لا تعادل بندقية واحدة من حيث التأثير الاستراتيجي؛ فوجود عدد محدود من هذه المنظومات في أيدي جماعة غير حكومية قد يغير قدرة الطيران على العمل في منطقة واسعة. ولهذا يجب أن يكون جمعها مركزياً وتحت رقابة دولية وفنية صارمة.

الطائرات المسيّرة ومعدات التشويش

أصبحت الطائرات المسيّرة جزءاً مركزياً من الحرب الحديثة في السودان. وقد وثقت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش طائرات مسيّرة مسلحة ومعدات تشويش وأنظمة مرتبطة بها لدى أطراف الحرب (Amnesty International, 2024; Human Rights Watch, 2024). وفي 2026 أشار مجلس الأمن إلى تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المتقدمة في الحرب، بما يزيد مخاطر الهجمات على السكان والبنية التحتية المدنية (Security Council Report, 2026).

ولا ينبغي النظر إلى المسيّرة باعتبارها «سلاحاً واحداً»، بل باعتبارها منظومة تشمل الطائرة والحمولة ونظام التحكم والاتصالات والبرمجيات ومعدات الملاحة والتشويش. لذلك يجب أن تشمل سياسة ما بعد الحرب أيضاً المكونات والبرمجيات ومعدات التحكم والتخزين والاتصالات.

الذخائر والمتفجرات

التركيز على السلاح من دون الذخيرة خطأ جوهري. فقد تكون البندقية غير خطرة نسبياً إذا لم تتوافر لها الذخيرة، بينما يمكن أن تكون آلاف القذائف والطلقات المخزنة في مواقع غير آمنة مصدراً مستمراً للانفجارات والسرقة وإعادة التسليح.

ويجب أن تشمل الجردة الوطنية ذخائر الأسلحة الصغيرة، وقذائف الهاون، وقذائف المدفعية، والصواريخ، والقنابل، والمتفجرات، والمواد اللازمة لصناعة العبوات.

مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة

هذه ليست جزءاً من «جمع السلاح» التقليدي فقط، بل من إدارة مخلفات الحرب المتفجرة. وقد ساهمت عمليات الأمم المتحدة في دارفور في مسح وتدمير الذخائر غير المنفجرة، بينما أدى القتال منذ 2023 إلى طبقات جديدة من التلوث المتفجر. وفي أبريل 2025 حذرت الأمم المتحدة من انتشار الذخائر غير المنفجرة في المنازل والساحات والمدارس والمستشفيات والشوارع، وربطت ذلك مباشرة بعودة السكان إلى الخرطوم وود مدني ومناطق أخرى (UNMAS, 2025).

وفي بيانات أحدث، أفادت دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام بأنها أزالت في السودان أكثر من 10,244 قطعة من الذخائر المتفجرة، من بينها ألغام وذخائر غير منفجرة وذخائر أسلحة صغيرة، مع مسح ملايين الأمتار المربعة من المناطق الخطرة. وهذه النتائج تعكس حجم العمل المنجز، لكنها لا تمثل تقديراً للحجم المتبقي (UNMAS, 2026).

الفصل الخامس: أين توجد الأسلحة، ولماذا كان جمع السلاح السابق محدود النتائج؟

لا ينبغي افتراض أن السلاح يوجد فقط في «المعسكرات». بل يجب أن تتعامل الجردة الوطنية مع سبعة مواقع محتملة على الأقل: مخازن القوات النظامية؛ مخازن القوات والحركات المسلحة؛ القواعد والمقار التي تم الاستيلاء عليها أثناء الحرب؛ المنازل والمزارع؛ الأسواق السوداء؛ الطرق والممرات الحدودية؛ ومواقع القتال والمباني المدمرة.

وتؤكد خبرة حملة 2017–2018 خطورة تجاهل هذا البعد. فقد أشار فريق خبراء الأمم المتحدة إلى أن كثيراً من الأفراد والجماعات المسلحة لجأوا إلى إخفاء الأسلحة بدلاً من تسليمها، وأن بعض الأسلحة نُقلت مؤقتاً إلى دول مجاورة لتفادي الحملة، بينما لم تستهدف الحملة بعض الجماعات بصورة متساوية (United Nations Panel of Experts, 2019).

ولهذا فإن «عدد الأسلحة التي سُلّمت» ليس مقياساً كافياً لنجاح البرنامج. المقياس الأهم هو نسبة الأسلحة غير المشروعة التي بقيت خارج النظام بعد انتهاء الحملة، وهي نسبة لا يمكن معرفتها من دون مسح مستقل.

وقد أظهر تقرير الأمم المتحدة لعام 2021 أن الفريق لم يتمكن من الحصول على معلومات شاملة حول جمع الأسلحة، وأن الحكومة السابقة جمعت أكثر من 107 آلاف قطعة بحلول مارس 2018، إضافة إلى 200 ألف قطعة من ميليشيات سابقة، بينما تراوحت تقديرات الأسلحة غير المشروعة في دارفور بين 700 ألف و1.7 مليون (United Nations Panel of Experts, 2021). وهذا يوضح أن جمع مئات الآلاف من الأسلحة يمكن أن يكون إنجازاً إدارياً كبيراً لكنه لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح منزوع السلاح.

وفي جنوب دارفور مثلاً، نقلت تقارير محلية عام 2017 أن حملة جمع السلاح واجهت مقاومة بسبب النزاعات القبلية حول المياه والمراعي، وأن السلطات سجلت 17 ألف قطعة في إحدى عمليات الحصر، بينما لم يتجاوز التسليم الطوعي في يوم معين 179 قطعة. كما أشير إلى أن الحكومة كانت قد سلحت قبائل في فترات سابقة لمواجهة التمرد (Sudan Tribune, 2017). وتوضح هذه الحالة أن السلاح ليس دائماً «قرار فرد»، بل قد يكون جزءاً من معادلة أمن جماعية: إذا سلمت مجموعة سلاحها بينما احتفظت المجموعة المنافسة به، فقد تصبح المجموعة الأولى أكثر تعرضاً للخطر.

ومن هنا تظهر المعضلة الأمنية: كل مجموعة تفضل الاحتفاظ بالسلاح طالما لا تثق بأن الآخرين سيسلمونه أيضاً. ولذلك يكون جمع السلاح أكثر نجاحاً عندما يسبق أو يرافقه اتفاق أمني محلي، وضمانات متبادلة، ووجود شرطة محلية موثوقة، وآلية لتسوية النزاعات على الأرض والمياه والثروة الحيوانية، وخطة واضحة لحماية الأشخاص بعد تسليم أسلحتهم.

التاريخ السوداني يقدم درساً بالغ الأهمية: جمع السلاح بالقوة وحده لا يخلق مجتمعاً منزوع السلاح. وإذا كانت الدولة نفسها أو إحدى القوات المتحاربة قد استخدمت السلاح لتسليح مجموعات محلية في الماضي، فإن مطالبة تلك المجموعات بتسليمه من دون ضمانات أمنية وعدالة متساوية يمكن أن تُفهم باعتبارها إعادة توزيع للقوة لا بناءً لنظام أمني محايد.

الفصل السادس: من «نزع السلاح» إلى إدارة دورة حياة السلاح والذخيرة — النموذج الدولي الذي ينبغي تكييفه للسودان

الممارسة الدولية الحديثة لا تعتبر نزع السلاح عملية منفصلة. فالمعايير المتكاملة للأمم المتحدة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج تقسم عملية نزع السلاح إلى التخطيط، وجمع الأسلحة، وإدارة المخزونات، والتخلص من المواد المجموعة، مع اشتراط أن تكون العملية قائمة على الأدلة وشاملة ومستجيبة للنوع الاجتماعي وآمنة فنياً (United Nations Inter-Agency Working Group on DDR, 2019).

وأصبح مفهوم إدارة الأسلحة والذخائر محوراً أساسياً في حالات ما بعد الحرب، لأنه يتعامل مع المرحلة التي لا يكون فيها نزع السلاح الكامل ممكناً فوراً. وفي هذه المرحلة يمكن إنشاء مخازن انتقالية آمنة، وإعادة ترقيم الأسلحة، وتسجيل المستخدمين، وتأمين الذخائر، ومنع التحويل غير المشروع، إلى أن يتم الوصول إلى تسوية أمنية نهائية (United Nations Inter-Agency Working Group on DDR, 2020; United Nations Institute for Disarmament Research, 2019).

وتكتسب هذه المقاربة أهمية استثنائية للسودان، لأن تسريح جميع المسلحين فوراً قبل بناء مؤسسات أمنية موثوقة قد يخلق فراغاً أمنياً، بينما إبقاء الأسلحة خارج سيطرة الدولة بعد الحرب يحول الاتفاق السياسي إلى هدنة مؤقتة.

ينبغي أن تبدأ العملية السودانية بـ الجرد الوطني للسلاح والذخيرة لا بجمع عشوائي. ويجب إنشاء سجل وطني موحد يضم، قدر الإمكان، نوع السلاح، الشركة المصنعة، بلد المنشأ، الرقم التسلسلي، العيار، الحالة الفنية، الجهة الحائزة، الموقع، تاريخ الإدخال إلى السودان، تاريخ التسليم، وطريقة التخلص النهائي منه. وعند غياب الرقم التسلسلي يمكن استخدام بصمة تقنية للسلاح تشمل النوع والطراز والعيار والعلامات والمكونات المميزة.

ولا يعني ذلك نشر قاعدة البيانات للعامة؛ بل إنشاء قاعدة محمية تخضع لرقابة مدنية وقضائية وبرلمانية مستقلة.

بعد الجرد تأتي مرحلة الاحتواء. فالأسلحة التي يتعذر جمعها فوراً ينبغي نقلها إلى مخازن انتقالية مؤمنة، وليس تركها لدى الفصائل بحجة أن «الاتفاق لم يكتمل». وينبغي استخدام معايير الأمم المتحدة الدولية للأسلحة الصغيرة والذخائر والإدارة الآمنة للمخزونات (United Nations Institute for Disarmament Research, 2024).

ثم تأتي عملية التسليم المنظم، على أن تسبقها فترة قانونية واضحة للعفو عن حيازة السلاح غير المشروع في الحالات غير المرتبطة بجرائم جسيمة، مع عدم منح حصانة عن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو القتل والتعذيب والعنف الجنسي.

بعد ذلك تأتي مرحلة التحقق: لا يكفي أن تقول جماعة مسلحة إنها سلمت أسلحتها؛ بل ينبغي مطابقة قوائم الأفراد مع قوائم الأسلحة، والتحقق من عدم وجود مخزونات سرية، وإجراء عمليات تفتيش مستقلة وفق شروط قانونية.

ثم تأتي مرحلة التدمير. وينبغي ألا تُعاد الأسلحة التي تقرر عدم الحاجة إليها إلى السوق أو إلى قوات أخرى. ويجب توثيق عملية التدمير بالصور والسجلات والشهود المستقلين، مع إصدار تقارير دورية عن الأعداد والأنواع.

ويجب أن تشمل السياسة الوطنية دورة الحياة كاملة: الاستيراد، والتصنيع، والتسجيل، والتخزين، والنقل، والاستخدام، والصيانة، والإعارة، والاستيلاء، والتسليم، والتدمير (United Nations Institute for Disarmament Research, 2024). وهذا التحول مهم لأنه يعالج مصدر السلاح قبل أن يصل إلى مرحلة «الجمع» أصلاً.

الفصل السابع: لا يمكن جمع السلاح من المجتمع بينما توجد جيوش متعددة واقتصادات حرب متعددة

لا تعني عملية جمع السلاح «نزع السلاح من الدولة»، وإنما إعادة احتكار الدولة المشروع والمنضبط للسلاح. والفارق جوهري بين السلاح الموجود في مخزن تابع للجيش وفق سجل رسمي، والسلاح الموجود لدى مقاتل سابق أو جماعة قبلية أو قوة سياسية.

لذلك ينبغي تقسيم السلاح إلى أربع فئات: سلاح حكومي قانوني ومسجل ومطابق للاحتياجات الأمنية؛ سلاح حكومي موجود لكنه غير مسجل أو خارج المخزون الرسمي؛ سلاح جماعات مسلحة يمكن أن يدخل مؤقتاً في ترتيبات أمنية انتقالية؛ وسلاح غير مشروع يجب جمعه وتدميره.

ولا ينبغي أن تتحول عملية «إعادة بناء الجيش» إلى إعادة تدوير كل الأسلحة الموجودة في البلاد إلى قوات الدولة. فالدمج يجب أن يخضع لإصلاح القطاع الأمني، والتدقيق في الأفراد، والرقابة المدنية، والسجل المهني، والاحتياجات الفعلية للدفاع والشرطة.

وهذه النقطة أكثر أهمية من جمع أسلحة المدنيين. فالهدف النهائي يجب أن يكون جيشاً وطنياً واحداً وشرطة وطنية واحدة وأجهزة أمنية خاضعة للسلطة المدنية، لا تعدد الجيوش تحت أسماء مختلفة.

وتتطلب هذه العملية قوائم أفراد موثقة، وفحصاً أمنياً وحقوقياً، وتحديد الرتب، وتقييم الأعمار والقدرات، وبرامج تدريب موحدة، وفصل من يثبت تورطه في جرائم جسيمة، ثم إدماج عدد محدد وفق حاجة المؤسسة، وإعادة إدماج الباقين في الحياة المدنية.

ويجب ألا يتحول «الدمج» إلى آلية لمنح الرتب العسكرية مقابل عدد المقاتلين؛ لأن ذلك يحول الدولة إلى سوق للرتب ويخلق حوافز لإبقاء التشكيلات المسلحة كبيرة.

وتؤكد خبرة الأمم المتحدة أن نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج لا يعمل بصورة مستدامة إذا انفصل عن إصلاح القطاع الأمني، والعدالة الانتقالية، وإدارة الموارد الطبيعية، ومنع الجريمة المنظمة (United Nations Inter-Agency Working Group on DDR, 2019).

أما بالنسبة إلى المدنيين، فمن الضروري التمييز بين حيازة سلاح مرخص وفق القانون وبين السلاح غير المشروع. فقانون الأسلحة والذخيرة والمفرقعات السوداني لسنة 1986 يجعل الحيازة والاستعمال والحمل خاضعة للترخيص، ويجرّم التصنيع أو التعديل غير المرخص (Republic of Sudan, 1986).

لكن البيئة التي خلفتها الحرب تتطلب مراجعة شاملة للنظام القانوني والتنفيذي، لأن مجرد وجود قانون لا يعني وجود قدرة فعلية على إنفاذه.

والسياسة الأكثر قابلية للتنفيذ بعد الحرب ليست بالضرورة منع كل حيازة مدنية بصورة فورية، وإنما إنشاء نظام واضح يميز بين الأسلحة المحظورة، والأسلحة العسكرية التي لا يجوز للأفراد حيازتها، والأسلحة المدنية المرخصة، وأسلحة الصيد، والأسلحة الموروثة التي تحتاج إلى تسجيل، والأسلحة غير المرخصة، والذخائر، والأجزاء والمكونات القابلة للتحويل إلى أسلحة.

ويجب أن يرتبط الترخيص بفحص الهوية، والسجل الجنائي، والتدريب، والتخزين الآمن، والتجديد الدوري، وعمليات التفتيش، والتسجيل الإلكتروني.

الفصل الثامن: التعويض والأمن المجتمعي والحدود — لماذا لا يكفي دفع المال مقابل السلاح؟

يمكن أن يكون التعويض جزءاً من البرنامج، لكنه ليس حلاً منفرداً. وتظهر الخبرة الدولية أن برامج جمع الأسلحة يمكن أن تستخدم الحوافز المالية أو العينية، لكنها تكون أكثر فعالية عندما تكون جزءاً من برنامج أوسع للأمن المجتمعي وبناء الثقة، وليس عندما تتحول إلى سوق تشتري فيه الدولة الأسلحة بصورة غير مشروطة (Faltas et al., 2001).

وفي السودان قد يؤدي الدفع المرتفع إلى نتيجة عكسية إذا حفز الأفراد على شراء أسلحة رخيصة من السوق ثم تسليمها للدولة بسعر أعلى، أو إذا أدى إلى إخفاء الأسلحة الأكثر خطورة انتظاراً لرفع قيمة التعويض.

ولهذا يمكن اعتماد نظام حوافز متدرج، بحيث يرتبط التعويض بالتسليم الطوعي المبكر، وبحالة السلاح، وبنوعه، وبإمكان إثبات مصدره، مع منع دفع تعويض عن الأسلحة المرتبطة بجرائم جسيمة أو المسروقة من مخازن الدولة.

والبديل في المناطق ذات النزاعات المجتمعية قد يكون العائد الجماعي، مثل تمويل بئر مياه أو مدرسة أو مركز صحي أو طريق محلي بعد تحقيق أهداف نزع السلاح، بدلاً من دفع مبالغ نقدية للأفراد فقط. وهذا يتفق مع التحول الدولي نحو خفض العنف المجتمعي وربط نزع السلاح بالتنمية المحلية (United Nations Inter-Agency Working Group on DDR, 2019).

أحد أكبر أخطاء حملات نزع السلاح هو التعامل مع المجتمع باعتباره «المشكلة» بدلاً من اعتباره جزءاً من الحل. وينبغي تشكيل لجان أمن مجتمعي محلية تضم النساء والشباب والإدارة الأهلية والشرطة المدنية والسلطات المحلية والمجتمع المدني، بحيث تكون مهمتها تحديد مخاطر السلاح، وتوثيق مواقع التخزين، والتوسط في النزاعات، ومراقبة الالتزام.

وتكتسب النساء أهمية خاصة؛ لأنهن يتحملن جانباً كبيراً من آثار العنف المسلح، بينما غالباً ما يكون وجودهن ضعيفاً في مفاوضات نزع السلاح. كما يجب إشراك الشباب، لأنهم يمثلون في مناطق كثيرة الفئة الأكثر تعرضاً للتجنيد المسلح، مع عدم تحويل لجان المجتمع إلى أجهزة أمنية موازية.

ولا بد أيضاً من إدماج الإدارة الأهلية، ولكن دون منحها سلطة عسكرية أو حصانة خارج القانون. دورها هو بناء الثقة وحل النزاعات المحلية، لا الاحتفاظ بقوات مسلحة مستقلة.

أما الحدود فهي الحلقة التي يمكن أن تفشل عندها العملية كلها. ويمكن أن يجمع السودان ملايين القطع من السلاح داخل المدن، ثم يعيد السوق الإقليمي إدخال كميات جديدة عبر الحدود.

وقد وثقت الأمم المتحدة وجود انتقال للسلاح من السودان إلى جنوب السودان، كما وثقت أسلحة ومخزونات مرتبطة بالحرب في ليبيا وتشاد ومسارات أخرى (United Nations Panel of Experts, 2025).

لذلك يجب أن تتضمن الخطة الوطنية مراقبة المعابر الرسمية، وتعزيز الرقابة على المطارات والموانئ، وتتبع الشحنات عالية المخاطر، وتبادل بيانات الأسلحة مع تشاد وليبيا ومصر وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا، واستخدام قواعد بيانات التتبع الدولية، وتدريب الجمارك وحرس الحدود، ومراقبة الوسطاء وشركات النقل، وإنشاء وحدات متخصصة في تتبع الأسلحة والذخائر.

وهنا يمكن الاستفادة من منهجية «آي ترايس» التابعة لمنظمة أبحاث تسليح النزاعات، التي تعتمد على توثيق السلاح في نقطة الاستخدام وربطه بسلسلة الإمداد ومصدره ومسار انتقاله (Conflict Armament Research, 2026). والهدف ليس فقط معرفة «من يملك السلاح؟» وإنما معرفة كيف وصل إليه، ومن أين جاء، ومن نقله، ومن دفع ثمنه، وإلى أين انتقل بعد ذلك.

الفصل التاسع: المركز الوطني لتتبع السلاح والتدمير الآمن وإغلاق دورة التسرب

من أفضل الابتكارات التي يحتاجها السودان بعد الحرب إنشاء المركز الوطني السوداني لتتبع الأسلحة والذخائر، على أن يكون مستقلاً فنياً وخاضعاً للرقابة المدنية.

ويجب أن يجمع المركز بين الشرطة والقضاء والجمارك والجيش والجهات الفنية المدنية، مع مشاركة تقنية دولية، وأن يقوم بتصوير كل سلاح مضبوط، وتسجيل الرقم التسلسلي والعلامات، وتحديد الشركة وبلد التصنيع، وتحليل الذخائر، ومطابقة الأسلحة مع قواعد البيانات الدولية، وتحديد ما إذا كان السلاح من مخزون حكومي أو مستورداً أو مسروقاً أو مستولى عليه، وتتبع السلاح الذي يظهر في جرائم متعددة، ونشر تقارير إحصائية دورية من دون كشف المعلومات الحساسة.

وهذه الخطوة يمكن أن تحول جمع السلاح من عملية كمية إلى عملية استخبارات جنائية قائمة على الأدلة.

ويجب أن يكون المركز قادراً على التمييز بين ثلاثة أنواع من الأدلة: السلاح نفسه، والذخيرة، وسلسلة الحيازة. فإذا عُثر على بندقية من دون رقم تسلسلي، يمكن أن تساعد السمات الفنية والعيار والعلامات والمكونات في تحديد مصدرها. وإذا عُثر على ذخيرة ذات علامات مصنع، يمكن أن تساعد في تتبع خط الإنتاج. وإذا ظهر السلاح في صور أو فيديوهات سابقة، يمكن مطابقة السمات المرئية لتحديد انتقاله.

كما يجب أن يدمج المركز قاعدة بيانات وطنية للذخائر، لأن تتبع الذخيرة قد يكون أكثر فائدة في بعض الجرائم من تتبع السلاح. ويمكن أن يكشف نمط الذخيرة عن وحدة أو مخزن أو خط توريد أو فترة زمنية.

ولا ينبغي أن تُعاد الأسلحة التي تقرر عدم الحاجة إليها إلى السوق أو إلى قوات أخرى. ويجب توثيق عملية التدمير بالصور والسجلات والشهود المستقلين، مع إصدار تقارير دورية عن الأعداد والأنواع.

وتُظهر الخبرة في أبيي أن إدارة الأمم المتحدة للأسلحة والذخائر تمكنت حتى أبريل 2026 من تدمير 493 سلاحاً و25,082 طلقة من ذخائر الأسلحة الصغيرة صادرتها قوة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي، وهو مثال محدود جغرافياً لكنه يوضح إمكان إنشاء سلسلة موثقة من المصادرة إلى التدمير (UNMAS, 2026).

ويجب أن تشمل الإصلاحات السودانية تسجيل المخزون الحكومي، وترقيم الأسلحة غير المرقمة، وجرداً سنوياً مستقلاً، ونظاماً إلكترونياً لتسجيل النقل والتسليم، وفصل مخازن الذخيرة عن أماكن التدريب والإقامة، ورقابة مستقلة على المخازن، وإجراءات صارمة بشأن الأسلحة المفقودة، وتحقيقاً جنائياً في كل فقدان كبير للسلاح أو الذخيرة، وتدمير الأسلحة غير اللازمة بدلاً من إعادة توزيعها.

كما يجب ألا تكون المؤسسة التي تستخدم السلاح هي نفسها التي تسجل المخزون وتحقق في فقدانه وتراقب نفسها. وينبغي الفصل المؤسسي بين الجهة التي تستخدم السلاح، والجهة التي تسجل السلاح، والجهة التي تحقق في فقدانه، والجهة التي تراقب البرنامج.

الفصل العاشر: الخرطوم ودارفور والمدن الخارجة من الحرب — كيف يتحول السلاح المخفي إلى خطر ما بعد الحرب؟

الخرطوم مثال واضح على طبيعة المشكلة. فحتى بعد استعادة السيطرة على أجزاء كبيرة من العاصمة، ظلت عمليات اكتشاف الأسلحة والمخازن والمواقع العسكرية مستمرة. وقد كشفت عمليات لاحقة عن أسلحة ومعدات عسكرية مخبأة في مبانٍ ومواقع مدنية وعسكرية، ما يؤكد أن انتهاء السيطرة العسكرية لا يعني اختفاء مخزونات السلاح.

وفي دارفور، وثق فريق خبراء الأمم المتحدة نمو أسواق السلاح السوداء في نيالا وغيرها، وذكر أن الأسلحة جاءت من التحويلات والاستيلاء ومخزونات جرى نقلها من الخرطوم ومن جبهات القتال (United Nations Panel of Experts, 2025). وهذا يعني أن السوق نفسها أصبحت آلية لإعادة توزيع السلاح حتى عندما يتغير خط الجبهة.

ولهذا فإن المدن الخارجة من الحرب تحتاج إلى برنامج تطهير أمني مدني طويل الأمد يشمل إخلاء المباني من الأسلحة، ومسح المستشفيات والمدارس والمصانع والمخازن، وتفتيش المواقع العسكرية السابقة، والبحث عن مخازن الذخيرة، وإزالة المتفجرات، وفحص المركبات، وجمع الأسلحة من الأسواق، وإطلاق خط ساخن سري للإبلاغ عن مخازن السلاح.

لكن هذا البرنامج يجب ألا يتحول إلى عمليات تفتيش عشوائية أو عقاب جماعي. ينبغي أن تكون عمليات التفتيش محددة الهدف، قائمة على معلومات استخباراتية قابلة للتحقق، وتحت أمر قضائي أو إطار قانوني واضح، مع حماية المدنيين من الابتزاز والرشوة والتمييز.

وفي المناطق التي عانت من تطهير عرقي أو نزوح جماعي، يجب أن يكون جمع السلاح متزامناً مع عودة السكان الآمنة. فمن غير المنطقي أن تطلب الدولة من مجموعة نازحة أن تسلم وسائل الدفاع عن النفس في الوقت الذي لا تضمن فيه حمايتها من جماعة مسلحة أخرى. ولهذا فإن الأمن المتزامن أهم من «نزع السلاح أولاً ثم الأمن لاحقاً».

كما يجب أن تكون إزالة الذخائر غير المنفجرة جزءاً من إعادة الإعمار. فالسلاح المخفي ليس الخطر الوحيد؛ قد تكون قذيفة مدفعية أو صاروخ أو عبوة لم تنفجر أكثر خطراً على المدنيين من بندقية معروفة الموقع. وقد أكدت الأمم المتحدة أن التلوث المتفجر أصبح عائقاً أمام عودة السكان والوصول إلى المدارس والمستشفيات والخدمات الأساسية (UNMAS, 2025).

الفصل الحادي عشر: اقتصاد السلاح، الأساطير والشائعات والمعلومات المضللة، وما الذي يجب ألا يفعله السودان

السلاح بعد الحرب يمكن أن يصبح سلعة. وقد وثق فريق خبراء الأمم المتحدة في 2025 ظهور أسواق سوداء للأسلحة في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، مع انتقال أسلحة من مخزونات جرى الاستيلاء عليها في الخرطوم ومناطق أخرى (United Nations Panel of Experts, 2025). وتؤدي الحرب الطويلة إلى نشوء اقتصاد كامل حول السلاح: التهريب، والنقل، والحماية، والذخيرة، والوقود، والمعادن، والذهب، والمركبات، والاتصالات، والمرتزقة.

لذلك فإن جمع السلاح من دون تفكيك اقتصاد الحرب يمكن أن يدفع تجار السلاح إلى البحث عن أسواق جديدة، أو نقل المخزون إلى دولة مجاورة، أو تحويله إلى سلع أخرى. وينبغي بالتالي ربط برنامج الأسلحة ببرنامج مكافحة غسل الأموال، ومراقبة الذهب، والجمارك، والحدود، والشركات، والمركبات، والتحويلات المالية، والشبكات التجارية التي ترتبط بالجماعات المسلحة.

الأسطورة الأولى: «يوجد رقم دقيق معروف لعدد الأسلحة في السودان»

لا توجد جردة وطنية حالية تسمح بهذا الاستنتاج. الأرقام التاريخية المتاحة هي تقديرات أو أرقام برامج جمع محددة أو أرقام حكومية معلنة، وليست تعداداً شاملاً للسلاح الموجود بعد حرب 2023–2026. ولذلك فإن أي رقم إجمالي حديث يجب أن يقدم مع مصدره ومنهجيته وحدوده.

الأسطورة الثانية: «السودان يمتلك ملايين الأسلحة حالياً، وهذا رقم مثبت»

وجود تقديرات تاريخية بالملايين لا يثبت أن الرقم نفسه هو حجم المخزون الحالي. تقدير 2.7 مليون سلاح صغير وخفيف يعود إلى السودان قبل انفصال جنوب السودان، بينما تقدير 700 ألف–1.7 مليون يتعلق بالأسلحة غير المشروعة في دارفور في فترة مختلفة. خلط الرقمين معاً ثم إسقاطهما على السودان الحالي خطأ منهجي (Small Arms Survey, 2009; United Nations Panel of Experts, 2021).

الأسطورة الثالثة: «350 ألف سلاح جُمعت، إذن المشكلة انتهت»

هذا استنتاج غير صحيح. الرقم ورد بوصفه رقماً أبلغت به الحكومة، بينما كانت الأمم المتحدة قد أشارت إلى نقص المعلومات الشاملة حول عمليات الجمع، وإلى أن التقديرات السابقة للأسلحة غير المشروعة كانت أكبر بكثير (Government of Sudan, 2022; United Nations Panel of Experts, 2021).

الأسطورة الرابعة: «كل السلاح الموجود في السودان سلاح قديم»

الأدلة الحديثة تناقض ذلك. فقد وثقت منظمة العفو الدولية أسلحة ومعدات حديثة الصنع أو حديثة النقل، بما في ذلك الطائرات المسيّرة ومعدات التشويش والذخائر والأسلحة الصغيرة الحديثة (Amnesty International, 2024).

الأسطورة الخامسة: «المشكلة هي البنادق فقط»

الواقع أكثر تعقيداً؛ فالسودان يضم منظومات مدفعية وصواريخ وطائرات مسيّرة وأنظمة دفاع جوي وذخائر ومتفجرات، وبعضها يمثل مخاطر استراتيجية أكبر بكثير من البندقية الفردية (Schroeder, 2026; United Nations Panel of Experts, 2024).

الأسطورة السادسة: «جمع السلاح من المدنيين يكفي»

التجربة السودانية نفسها تشير إلى عكس ذلك. فالسلاح قد يكون في مخازن القوات والحركات والميليشيات والأسواق والممرات الحدودية. كما أن استمرار التهديد الأمني يجعل المدنيين أقل استعداداً للتخلي عن السلاح.

الأسطورة السابعة: «يمكن للدولة أن تستخدم القوة وتجمع كل السلاح بسرعة»

القوة قد تنتزع بعض الأسلحة، لكنها يمكن أن تدفع أسلحة أخرى إلى التخزين السري أو التهريب. وقد وثقت الأمم المتحدة سابقاً إخفاء أسلحة ونقلها إلى خارج مناطق الحملة لتجنب المصادرة (United Nations Panel of Experts, 2019).

الأسطورة الثامنة: «كل سلاح يُضبط هو سلاح مدني»

هذا خطأ تحليلي خطير. فقد تكون الأسلحة المضبوطة من مخازن عسكرية منهوبة، أو من جماعات مسلحة، أو من أسواق تجارية، أو من مصادر خارجية.

الأسطورة التاسعة: «مصدر كل الأسلحة جهة خارجية واحدة»

الأدلة المتاحة تشير إلى تعدد مصادر السلاح وتعدد مساراته. وقد وثقت التحقيقات أسلحة مرتبطة بعدد كبير من الدول ومصادر مختلفة، كما أن بعض السلاح ينتقل من طرف إلى آخر عبر الاستيلاء في ساحة المعركة (Amnesty International, 2024; United Nations Panel of Experts, 2024).

الأسطورة العاشرة: «انتهاء الحرب يعني اختفاء السلاح»

العكس هو الصحيح في كثير من حالات ما بعد الحرب: السلاح هو أحد أكثر مخلفات الحرب قابلية للبقاء، وقد يصبح سبباً لإعادة إنتاج العنف بعد سنوات إذا لم تتم إدارته.

ويجب إضافة أسطورة حادية عشرة شديدة الخطورة: «يمكن معرفة العدد الحالي للسلاح بجمع كل الأرقام المنشورة في التقارير». وهذا خطأ لأن التقارير تعد أشياء مختلفة وفي فترات مختلفة؛ فقد يكون أحدها قد عد الشحنات، وآخر قد عد المخزون، وثالث قد عد المصادرات، ورابع قد عد نماذج السلاح، وخامس قد عد الأسلحة التي شاهدها الباحثون في الصور. جمعها حسابياً ينتج رقماً زائفاً.

والأسطورة الثانية عشرة هي «عدد النماذج يساوي عدد الأسلحة». فإذا وثق بحث وجود ثمانية نماذج من منظومات الدفاع الجوي المحمولة، فهذا لا يعني وجود ثماني منظومات فقط. إنه يعني وجود ثمانية طرازات أو نماذج مختلفة في الأدلة المتاحة (Schroeder, 2026).

والأسطورة الثالثة عشرة هي «عدد الأسلحة التي دمرتها الأمم المتحدة يساوي حجم مخزون الحرب». فقد دمرت الأمم المتحدة في أبيي 493 سلاحاً و25,082 طلقة حتى أبريل 2026، لكن هذه الأرقام تخص برنامجاً محدداً في منطقة محددة ولا تمثل مخزون السودان كله (UNMAS, 2026).

ولا ينبغي للسودان أيضاً أن يستخدم الأرقام المبالغ فيها لتبرير سياسات غير متساوية. لا ينبغي إعلان أرقام ضخمة بلا منهجية، ولا جمع السلاح دون تسجيله، ولا تخزين السلاح المصادَر في مخازن غير مؤمنة، ولا إعادة توزيع السلاح المصادَر على قوات أخرى من دون سجل قانوني، ولا منح حصانات عن الجرائم الجسيمة مقابل تسليم السلاح، ولا استخدام جمع السلاح كأداة لمعاقبة جماعة إثنية أو سياسية بعينها، ولا أن تقوم قوة متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة بجمع السلاح من خصومها وحدهم، ولا أن يتحول التعويض المالي إلى سوق للسلاح، ولا أن يُفصل جمع السلاح عن إعادة الإدماج الاقتصادي.

الفصل الثاني عشر: خطة وطنية سودانية قابلة للقياس — من الجرد إلى التدمير، ومن احتكار القوة إلى إغلاق دورة السلاح

حتى سبتمبر 2026، ما زال حظر الأسلحة الدولي المفروض في إطار نظام العقوبات الخاص بالسودان يركز على دارفور، وليس على كامل السودان. وفي 11 سبتمبر 2026 اعتمد مجلس الأمن القرار 2828، الذي مدد تدابير نظام العقوبات لمدة شهر واحد حتى 9 أكتوبر 2026، في وقت كانت فيه المفاوضات مستمرة بشأن احتمال توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل السودان (United Nations Security Council, 2026).

وتكشف هذه التطورات عن نقطة مهمة لمرحلة ما بعد الحرب: الرقابة الدولية على تدفقات السلاح لن تكون بديلاً عن نظام سوداني وطني فعال لإدارة الأسلحة والذخائر. فحتى الحظر الدولي يحتاج إلى سلطات وطنية قادرة على ضبط الحدود، وتسجيل الشحنات، والتحقق من المستخدم النهائي، وتتبع السلاح بعد دخوله البلاد.

كما أن استمرار انتقال السلاح عبر الحدود السودانية والإقليمية يعني أن سياسة نزع السلاح السودانية يجب أن تكون إقليمية أيضاً، لأن سوق السلاح لا يعترف بالحدود السياسية إذا بقيت الحدود غير محكمة.

ولذلك ينبغي ألا يبدأ السودان بعملية جمع شاملة في اليوم الأول. الأفضل هو برنامج مرحلي متكامل.

المرحلة الأولى: أول 90 يوماً

تجميد حركة الأسلحة غير الضرورية، وحصر مخازن الدولة، وتأمين مخازن الذخيرة، وتسجيل الوحدات المسلحة، وإصدار أوامر بمنع حمل السلاح في المدن، وفتح قنوات سرية للإبلاغ عن المخازن، وبدء مسح للمخلفات المتفجرة، وإنشاء سجل أولي للمخازن العسكرية التي يمكن الوصول إليها.

والهدف في هذه المرحلة ليس معرفة كل قطعة سلاح، بل منع فقدان المزيد من السلاح.

المرحلة الثانية: من ثلاثة إلى ستة أشهر

إجراء الجرد الوطني، وإنشاء قاعدة بيانات الأسلحة، وبدء التسجيل والترقيم، وإنشاء مخازن انتقالية، وجمع الأسلحة من الجماعات التي وقعت اتفاقات أمنية، وبدء برامج الأمن المجتمعي، وإنشاء المركز الوطني لتتبع الأسلحة والذخائر.

وفي هذه المرحلة ينبغي تنفيذ مسح وطني لعينة من الأسر لقياس انتشار الأسلحة المدنية. وهذا هو الأسلوب الذي يمكن أن يسمح للمرة الأولى بتحديث تقديرات عام 2009 بدلاً من إسقاطها على عام 2026. ويمكن استخدام أساليب المسح الحديثة لتقدير ملكية السلاح المدني، مع عدم مطالبة الأسر بكشف مواقع الأسلحة غير المشروعة بطريقة قد تعرضها للخطر.

المرحلة الثالثة: من ستة إلى 18 شهراً

تنفيذ برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وجمع الأسلحة المدنية غير المشروعة، وتدمير الأسلحة الزائدة، وإصلاح مخازن الدولة، وتشغيل مركز تتبع الأسلحة، وبدء التعاون الحدودي، وإطلاق برنامج خاص لمنظومات الدفاع الجوي المحمولة والصواريخ والأسلحة الثقيلة.

ويجب أن يكون جمع الأسلحة الثقيلة منفصلاً عن جمع البنادق المدنية، لأن مخاطرها الفنية والسياسية مختلفة.

المرحلة الرابعة: من 18 إلى 36 شهراً

استكمال إصلاح القطاع الأمني، ودمج المؤهلين فقط، وإعادة إدماج المسرحين، ومراجعة قانون الأسلحة، وإنشاء نظام ترخيص إلكتروني، وإجراء مسح وطني مستقل لتقدير ما تبقى من الأسلحة غير المشروعة.

وهنا ينبغي أن يتحول السودان من «حملة جمع» إلى نظام دائم لإدارة الأسلحة.

المرحلة الخامسة: بعد ثلاث سنوات

إجراء تدقيق مستقل كل عام، وربط نتائج جمع السلاح بمؤشرات الجريمة والعنف القبلي والقتل المسلح والتهريب والنزاعات المحلية، ونشر تقرير وطني سنوي عن الأسلحة والذخائر.

ولا ينبغي قياس النجاح بعدد الأسلحة التي جُمعت فقط. والأفضل إنشاء لوحة مؤشرات وطنية تشمل نسبة المخزون الحكومي الذي تم جرده، ونسبة الأسلحة التي تحمل أرقاماً تعريفية، ونسبة الأسلحة المسلمة التي تم التحقق من مصدرها، ونسبة الأسلحة التي تم تدميرها، وزمن التخلص من السلاح بعد ضبطه، وعدد حالات تسرب السلاح من المخازن، وعدد الأسلحة التي جرى تتبعها في الجرائم، ومعدل جرائم الأسلحة النارية، وعدد النزاعات المحلية المسلحة، وعدد عمليات التهريب المضبوطة، ونسبة المقاتلين السابقين الذين أعيد إدماجهم اقتصادياً، ونسبة السكان الذين يشعرون بالأمان في مناطقهم.

والأهم أن تكون البيانات مفتوحة جزئياً للجمهور، بحيث تنشر الدولة أعداداً إجمالية دورية، من دون كشف المعلومات العملياتية التي يمكن أن تعرض الأمن للخطر.

ويحتاج السودان إلى هيئة وطنية مستقلة لإدارة الأسلحة والذخائر ونزع السلاح، لكنها لا ينبغي أن تكون جهازاً عسكرياً. ويجب أن تضم الهيئة ممثلين عن الحكومة المدنية، والشرطة، والقضاء، والجمارك، والجهات الفنية، مع رقابة برلمانية وقضائية، ومشاركة من الولايات والمجتمعات المحلية، ودعم فني من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية والمنظمات المتخصصة.

ويجب الفصل المؤسسي بين الجهة التي تستخدم السلاح، والجهة التي تسجل السلاح، والجهة التي تحقق في فقدانه، والجهة التي تراقب البرنامج.

منهجية ترتيب المقال وفق أفضل الممارسات العلمية

تم ترتيب المادة منطقياً وفق تسلسل سببي يبدأ بتحديد ما يمكن معرفته وما لا يمكن معرفته، ثم ينتقل إلى الخط الأساس التاريخي، ثم إلى مصادر التراكم الجديدة التي أحدثتها الحرب، ثم إلى أنواع السلاح وما يمكن تقديره لكل نوع، ثم إلى الجغرافيا والمخزونات والأسواق، ثم إلى تفسير محدودية برامج الجمع السابقة، ثم إلى المعيار الدولي الحديث لإدارة الأسلحة والذخائر ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، ثم إلى إصلاح القطاع الأمني والأمن المجتمعي والحدود، ثم إلى التتبع والتدمير ومكافحة اقتصاد الحرب والمعلومات المضللة، وأخيراً إلى نموذج وطني مرحلي قابل للقياس. وهذا الترتيب يحول المقال من قائمة موضوعات منفصلة إلى سلسلة تحليلية: حجم المشكلة ← مصادرها ← أنواعها ← أماكنها ← لماذا فشلت الحلول السابقة ← ما النموذج الحديث ← كيف يطبق في السودان ← كيف يقاس نجاحه.

الخاتمة النقدية

تكشف الأدلة المتاحة أن السودان يدخل مرحلة ما بعد الحرب وهو يحمل تركة سلاح لا يمكن اختزالها في رقم واحد موثوق. توجد تقديرات تاريخية كبيرة للأسلحة في السودان ودارفور، كما توجد أرقام موثقة لعمليات جمع سابقة، لكن لا توجد جردة وطنية مستقلة تحدد حجم المخزون الذي خلفته حرب 2023–2026. ولذلك فإن الادعاء بمعرفة عدد الأسلحة الموجودة حالياً في السودان بدقة هو في حد ذاته شكل من أشكال المعلومات المضللة ما لم يستند إلى مسح وطني قابل للتحقق.

والثابت بالأدلة أن نوعية السلاح تغيرت أيضاً. فإلى جانب الكلاشينكوف والمسدسات والرشاشات، توجد مدافع وقاذفات صواريخ وهاونات ومدفعية وأنظمة مضادة للدروع ومنظومات دفاع جوي محمولة وطائرات مسيّرة ومعدات تشويش وكميات كبيرة من الذخائر والمتفجرات. كما أن الحرب خلقت مصادر جديدة للسلاح من خلال الاستيراد والاستيلاء والنهب وإعادة التوزيع والتهريب.

أما السؤال الأكثر حساسية، وهو «كم يوجد الآن من كل نوع؟»، فلا يمكن الإجابة عنه بأرقام وطنية دقيقة اعتماداً على الأدلة المنشورة حتى 16 سبتمبر 2026. أفضل تقدير إجمالي تاريخي واسع هو نحو 2.7 مليون سلاح صغير وخفيف في السودان القديم عام 2009، بينما كان نطاق الأسلحة النارية في دراسة سابقة 1.9–3.2 مليون؛ أما عدد الأسلحة في جمهورية السودان الحالية بعد حرب 2023 فلا توجد له قيمة وطنية موثوقة. وبالمثل لا توجد أرقام حالية موثوقة لعدد البنادق الهجومية أو المسدسات أو الرشاشات أو قاذفات الصواريخ أو الهاونات أو المدفعية أو منظومات الدفاع الجوي المحمولة أو الطائرات المسيّرة. الموجود هو أرقام جزئية قابلة للتحقق، مثل 250 بندقية «برغ 55» في شحنات محددة، و650 بندقية «إف دي-63»، و2400 سلاح صوتي مستورد إلى جهة محددة، و5.1 ملايين طلقة صوتية، وثمانية نماذج موثقة على الأقل من منظومات الدفاع الجوي المحمولة لدى قوات الدعم السريع، و493 سلاحاً دمرتها عملية أممية في أبيي؛ لكن لا يجوز جمع هذه الأرقام أو تحويلها إلى تقدير وطني للمخزون (Amnesty International, 2024; Schroeder, 2026; UNMAS, 2026).

وتشير التجربة السودانية السابقة إلى أن الحملة الأمنية المنفردة لا تكفي. فقد جمعت حملات سابقة أعداداً كبيرة، لكنها لم تمنع استمرار انتشار السلاح، كما أن ضعف الثقة وعدم المساواة في التنفيذ والنزاعات المجتمعية والتهريب الحدودي حدّت من النتائج المستدامة.

أما النموذج الأكثر اتساقاً مع الأدلة والممارسات الدولية الحديثة فهو الانتقال من مفهوم «جمع السلاح» إلى نظام وطني لإدارة دورة حياة الأسلحة والذخائر يجمع بين الجرد، والترقيم، والتتبع، والتخزين الآمن، ونزع السلاح، والتسريح، وإعادة الإدماج، وإصلاح القطاع الأمني، وخفض العنف المجتمعي، وإدارة الحدود، والعدالة الانتقالية.

والأهم أن السلاح لا ينبغي أن يُعامل باعتباره مشكلة أمنية فقط. فهو في السودان مشكلة سياسية واقتصادية واجتماعية وقانونية وإقليمية. والسلاح الذي يبقى خارج الدولة بعد الحرب يمكن أن يتحول إلى جريمة منظمة أو نزاع قبلي أو اقتصاد تهريب أو تمرد جديد؛ بينما الدولة التي تجمع السلاح دون بناء مؤسسات أمنية وقضائية شرعية قد تنتقل من تعدد مراكز القوة إلى احتكار أمني غير خاضع للمساءلة.

ولهذا فإن الهدف النهائي ينبغي أن يكون واضحاً: ليس «جمع أكبر عدد ممكن من البنادق»، وإنما إنهاء اقتصاد السلاح خارج الدولة، ومنع إعادة تسليح الجماعات المسلحة، وإنشاء احتكار مدني وقانوني وقابل للمساءلة لاستخدام القوة، وتحويل السلاح من أصل سياسي واقتصادي في يد الجماعات إلى مادة مسجلة ومراقبة ومحدودة الاستخدام داخل مؤسسات الدولة الشرعية.

وبذلك يصبح المعيار الحقيقي لنجاح سودان ما بعد الحرب ليس عدد الأسلحة التي تظهر أمام الكاميرات أثناء مراسم التسليم، بل عدد الأسلحة التي يمكن للدولة أن تثبت مصدرها وموقعها ومستخدمها، وعدد الأسلحة التي أُزيلت نهائياً من دورة العنف، وانخفاض تدفق السلاح عبر الحدود، وانخفاض الجريمة المسلحة، وتراجع قدرة الجماعات على إعادة التسليح، وارتفاع ثقة المواطنين بأن تسليم السلاح لا يجعلهم أكثر عرضة للخطر.

إن أول خطوة صحيحة ليست إعلان رقم؛ وإنما إنشاء نظام يجعل الرقم قابلاً للمعرفة. وبعد معرفة الرقم، يصبح جمع السلاح ممكناً؛ وبعد جمعه، يصبح التحقق من تدميره ممكناً؛ وبعد إغلاق طرق إعادة دخوله، يصبح بناء احتكار الدولة للسلاح قابلاً للاستدامة. ولهذا فإن الدرس الأهم من تجربة السودان السابقة والحرب الحالية هو أن لا يكفي أن نوقف إطلاق النار؛ يجب أن نغلق دورة السلاح التي جعلت الحرب ممكنة وقابلة للتكرار.المراجع

  1. Amnesty International. New weapons fuelling the Sudan conflict: expanding existing arms embargo across Sudan to protect civilians. London: Amnesty International; 2024.
  2. Amnesty International. Sudan: French-manufactured weapons system identified in conflict. London: Amnesty International; 2024.
  3. Amnesty International. Sudan: advanced Chinese weaponry provided by UAE identified in breach of arms embargo. London: Amnesty International; 2025.
  4. Conflict Armament Research. Sudan: arms and ammunition tracing and regional diversion. London: Conflict Armament Research; 2024.
  5. Faltas S, McDonald G, Waszink C. Removing small arms from society: a review of weapons collection and destruction programmes. Geneva: Small Arms Survey; 2001.
  6. Government of Sudan. Implementation of disarmament, demobilization and reintegration and weapons collection measures in Sudan. Khartoum: Government of Sudan; 2022.
  7. Human Rights Watch. Fanning the flames: Sudanese warring parties’ access to new foreign-made weapons and equipment. New York: Human Rights Watch; 2024.
  8. Kahl M. The challenge of managing state-owned small arms and light weapons in South Sudan. Bonn: Bonn International Centre for Conflict Studies; 2011.
  9. Lewis M. Supply and demand: arms flows and holdings in Sudan. Geneva: Small Arms Survey; 2009.
  10. Republic of Sudan. The Arms, Ammunition and Explosives Act, 1986. Khartoum: Government of Sudan; 1986.
  11. Schroeder M. Arsenal upgrades: MANPADS, the RSF, and the war in Sudan. Geneva: Small Arms Survey; 2026.
  12. Small Arms Survey. Estimated firearm holdings in Sudan. Geneva: Small Arms Survey; 2007.
  13. Small Arms Survey. Militarization of Sudan: a preliminary review of arms flows and holdings. Geneva: Small Arms Survey; 2007.
  14. Small Arms Survey. Supply and demand: arms flows and holdings in Sudan. Geneva: Small Arms Survey; 2009.
  15. Small Arms Survey. Arms and ammunition tracing desk: Sudan and South Sudan. Geneva: Small Arms Survey; 2014.
  16. Sudan Tribune. Weapons collection in South Darfur remains unsuccessful in its second day. Khartoum: Sudan Tribune; 2017.
  17. United Nations Development Programme. Disarmament, demobilization and reintegration. New York: United Nations Development Programme; 2024.
  18. United Nations Institute for Disarmament Research. The role of weapon and ammunition management in preventing conflict and supporting security transitions. Geneva: UNIDIR; 2019.
  19. United Nations Institute for Disarmament Research. Weapons and ammunition management in Africa insight: 2024 update. Geneva: UNIDIR; 2024.
  20. United Nations Inter-Agency Working Group on DDR. Integrated disarmament, demobilization and reintegration standards. New York: United Nations; 2019.
  21. United Nations Inter-Agency Working Group on DDR. The DDR bulletin: weapons and ammunition management in a changing DDR context. New York: United Nations; 2020.
  22. United Nations Mine Action Service. Sudan: explosive ordnance crisis and humanitarian mine action. New York: United Nations; 2025.
  23. United Nations Mine Action Service. Sudan: weapons and ammunition management and explosive ordnance action. New York: United Nations; 2026.
  24. United Nations Panel of Experts on the Sudan. Final report of the Panel of Experts on the Sudan. New York: United Nations Security Council; 2019.
  25. United Nations Panel of Experts on the Sudan. Final report of the Panel of Experts on the Sudan. New York: United Nations Security Council; 2021.
  26. United Nations Panel of Experts on the Sudan. Final report of the Panel of Experts on the Sudan. New York: United Nations Security Council; 2024.
  27. United Nations Panel of Experts on the Sudan. Final report of the Panel of Experts on the Sudan. New York: United Nations Security Council; 2025.
  28. United Nations Panel of Experts on South Sudan. Final report of the Panel of Experts on South Sudan. New York: United Nations Security Council; 2025.
  29. United Nations Security Council. Resolution 2791 (2025): sanctions concerning the Sudan. New York: United Nations; 2025.
  30. United Nations Security Council. Resolution 2828 (2026): sanctions concerning the Sudan. New York: United Nations; 2026.
  31. Security Council Report. Sudan, September 2026 monthly forecast. New York: Security Council Report; 2026.
  32. Security Council Report. Sudan sanctions: vote on a draft resolution extending the sanctions regime. New York: Security Council Report; 2026.
  33. Security Council Report. Sudan: informal interactive dialogue. New York: Security Council Report; 2026.
Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الأخبار
الأمين العام للأمم المتحدة يحذر من موجة سفك الدماء والمجاعة في السودان والكونغو الديمقراطية
منشورات غير مصنفة
السودان الجديد .. إسقاط النظام أولاً !! .. بقلم: إسماعيل أحمد محمد (فركش)
الأخبار
تجدد المطالب بإنشاء ميناء جاف بسفاجا للقضاء على تكدس الشاحنات ودعم حركة التجارة مع السودان
منشورات غير مصنفة
سائق سيارة إسعاف ألماني بالرِّيَاض يسلط الضوء على معدلات القتلى واللقطاء بها. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى
منبر الرأي
“وصية الشيخ فرح” ، وهل نحن جاهزون لمقابلة الوفود الاممية الخاصة بالفصل السادس؟ .. بقلم: صلاح الدين حمزة الحسن/باحث

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

خطة “الفراغ الأمني”.. فشلت بوعي الثوار .. بقلم: نورالدين عثمان

نور الدين عثمان
منبر الرأي

إعلان التاسع من يونيو 1969: من البوتقة إلى الخلاف رحمة .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

عام مضي علي الثورة! .. بقلم: محمد عبد الرحمن الناير (بوتشر)

طارق الجزولي
منبر الرأي

الدور المصري في توقيف كل من المقدم بابكر النور والرائد فاروق حمد الله عقب حركة يوليو71 من خلال مذكرات وزير الحربية المصري .. بقلم: أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب

أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss