من حق أي سوداني يحسبه المصريون صعيديا أن يفخر بذلك لأن الصعايدة هم الوجه الاخر للعملة السودانية وكذلك السودانيون هم الوجه الاخر للعملة الصعيدية وكلاهما يحملان أنبل الصفات وارفع الأخلاقيات والمشتركات بينهما في كثير من المزايا تعد ولا تحصر !!..
ومناسبة هذا المقال أن أحد اخوتنا المصريين وهو يقدم لنا التهنئة بالعيد السعيد عقب الصلاة وقد رآني اعتمر ( شالا مزركشا ) مع الجلباب العريض الفضفاض فاخذني علي اساس أنني صعيدي فقلت له :
( من لايتمني أن يكون صعيديا مثل هؤلاء القوم الشرفاء الانقياء الأتقياء الذين جبلوا علي الصدق والتدين عندهم واضح ولسانهم دائما يلهج بالدعاء والذكر والتسبيح وهم دائما علي أهبة الاستعداد لتقديم أي عون يطلب منهم بكل أريحية وكرم وجمال نفس وطيب قلب ) !!..
وقفت مرة أمام بائع موز في سوق السيدة عائشة الذي يشبه سوق حي الشهداء بام درمان ومعظم الباعة فيه من الصعايدة وتحتل فيه الخضر والفاكهة مساحات واسعة وقد اشتهروا بسعة الصدر وقمة التعامل السمح الراقي مع الزبائن … قلت للبائع وهو يعرض علي الجمهور اجود انواع هذه الفاكهة الشعبية زهيدة الثمن وفي نفس الوقت عالية التغذية وبها من العناصر المفيدة للجسم الكثير ويحبها الكبار والصغار … قلت له من اين تجلبون هذه السلعة التي تساوي وزنها ذهبا ؟؟
رد علي قائلا وهو يعتقد أنني من الصعيد :
( من عندكو من الصعيد ) !!..
قلت له علي الفور أنا من جنوب الوادي من بلدكم الشقيق السودان وكم تمنيت أن اكون صعيديا فهؤلاء القوم ( جدعان وفرسان ) يحبون البساطة والريف مثلنا ويفلحون الأرض بكل عشق وجدية وينتجون الكثير والكثير للاكتفاء الذاتي والتصدير ويهتمون بالانعام ويرعونها وكأنها أفراد من العائلة وتكفي حاجتهم من الألبان ومشتقاتها واللحوم وغيرها من المنتجات الجانبية !!..
هؤلاء القوم منهم من يحرس الأرض في الريف ولا يطيق فراقها ولو للحظة واحدة وكثير منهم ينزلون الي المدن للعمل في مهن مختلفة في المطاعم والأسواق والمخابز وفي وسائل المواصلات يقودون حافلات النقل العام وعربات الأجرة بمختلف مسمياتها ومنهم من يقود قطارات المترو والقطارات السريعة بين المحافظات وقد عرف عنهم قوة التحمل والصبر والإخلاص في العمل وسمو الاخلاق والتواضع والكلام الحلو والقفشة الحاضرة !!..
والدليل علي حبهم العميق لقراهم وريفهم الجميل فإنهم بمجرد أن تعلن إجازة العيد يطيرون علي جناح السرعة للقاء الأهل والأحبة وتصبح المدن الكبري خالية تخف فيها الحركة ويعمها السكون الي أن تنتهي العطلة ويعود أهل البلد من الصعايدة وغيرهم ممن ارتبطوا بالزرع والضرع والحياة النقية والهواء العليل النظيف الخالي من التلوث المليء بالبركة والألفة والتفاف الجميع هنالك كاسرة واحدة علي قمة من التعاون والتعاضد الذي ليس له مثيل !!..
وكلمة الصعيد عندنا في السودان تعني ( الجنوب ) كما أن كلمة السافل تعني ( الشمال ) !!..
ومن الطريف أن ( ود الصعيد ) و ( ود السافل ) كانا من المبدعين الذين اشتهرا ( بالمجادعة بالدوبيت ) علي مسرح قطارات السودان خاصة في الدرجة الشعبية الدرجة الرابعة واصلا كانا يبيعان الشاي لجمهور المسافرين داخل القطار ويضيفان بأن يرفهان عنهما بهذه ( الرميات) الذكية الشجية المليئة بالعاطفة والرجولة والفروسية ولكل منهما مشجعوه في هذا التنافس الشريف المفعم بالمرح والفرح وتقضية اجمل الاوقات لكسر رتابة السفر الذي يصفه البعض بأنه قطعة من النار !!..
وقد كان جميلا من إدارة السكة الحديد أنها كانت من الذكاء بمكان بحيث لم تمنعهما من مزاولة عملهما علي قطاراتها وهما يتجولون بحرية كاملة وسط المسافرين يحملان الكفتيرة الكبيرة ومن تحتها مربوط بأحكام الكانون وفيه من الجمر مايكفي لجعل الشاي يقدم حارا لزوم اكمال الكيف … الكفتيرة في يد وفي اليد الأخري الكبابي وهي تكشكش مثل الودع كافية لإيقاظ الذين يغطون في نوم عميق !!..
تحية لأهلنا الصعايدة سواء كانوا في مصر أو كانوا في صعيدنا جنوب الخرطوم وفي سنار التي احتضنت مملكة سنار التي كتب عنها الكاتب الأمريكي الكبير ( جاي اسمولدنق ) مؤلفه القيم ( عصر البطولة في سنار ) هذه المملكة التي أسسها في العام ١٥٠٤ عمارة دنقس ) .
ومنطقة سنار التي تم فيها انشاء خزان سنار الذي يمد مشروع الجزيرة بالري بصورة انسيابية غاية في الدقة والجمال !!..
وقالوا إن منطقة سنار كانت عبارة عن قري كانت أكثر فيها الخلاوي لتدريس وتحفيظ القرآن الكريم وفي الليل تكون الإضاءة لهذه الخلاوي بإيقاد الحطب ويكون اللهب هو مصدر الإضاءة للطلاب لمواصلة دراسة القران في سهولة ويسر ولذلك أطلقوا علي المنطقة سن النار وهم يقصدون هذه ( التقاية) التي ربما تكون موجودة حتي الآن في بعض أنحاء السودان لتسهيل الدراسة القرآنية عندما يدخل الليل !!..
نختم بهذه الطرفة وقد سأل الأستاذ تلميذه ؛
( لماذا سميت سنار بستار ) ؟!
فأجاب التلميذ العبقري من غير أن يطرف له جفن :
( سميت بستار لأن خزان سنار تم انشائه بها ) !!..
حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم .
ghamedalneil@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم