تأمُلات
كمال الهِدَي
استمعتُ بإصغاء إلى الحوار المطول الذي أجراه مدني عباس مدني مع منصة “بودكاست السودان” قبل أيام.
وقد كان مدني واضحاً وصريحاً في حديثه عن الفترة السابقة واللاحقة لجريمة فض الاعتصام، مروراً بانقلاب 25 أكتوبر، وصولاً إلى الحرب الحالية.
وقد استوقفتني عدة نقاط مما أدلى به؛ لأن بعضها يتفق مع آراء ظللت أكتب عنها إبان فترة الاعتصام، ثم بعد تشكيل حكومة الثورة، دون أن يعيرها كثيرون اهتماماً، بينما وجدت في نقاط أخرى ما حفزني على إعادة طرح أسئلة كنت قد طرحتها آنذاك، ولم تجد هي الأخرى إجابات.
من أهم ما ذكره مدني أنهم في “قحت” لم يكونوا يملكون أي معلومات عن البرهان عندما ظهر مرشحاً بديلاً لابن عوف، وأن ضيق الوقت لم يسعفهم في التحقق من شخصية قدمها البعض بوصفها داعماً محتملاً لخط الثورة. والأهم من ذلك قول مدني إن الشخصيات التي تظهر وتصعد فجأة غالباً ما تكون وراء بروزها جهات بعينها، حددها بأجهزة استخباراتية أو ما شابهها.
وهنا أود أن أطرح على مدني سؤالاً ظل يؤرقني كثيراً: وماذا عن الدكتور عبد الله حمدوك؟ ألم يظهر هذا الرجل فجأة ويصعد سريعاً أيضاً؟
فجميعنا يدرك أن السودانيين لم يسمعوا بحمدوك إلا قبل فترة قصيرة جداً من ترشيح قوى الحرية والتغيير له لرئاسة حكومة الثورة، وذلك عندما رشحته حكومة البشير لتولي منصب وزير المالية، فاعتذر عن قبول المنصب. والعجيب أن اعتذاره لم يكن ذا طابع ثوري، بل جاء في خطاب ودي لم أقرأ فيه عبارة واحدة تعكس موقفه من الثورة أو توضح رأيه في الحكومة التي رفض منصبها.
ثم بعد أشهر قليلة رُشِح لرئاسة حكومة الثورة، وكأن قادة الحراك لم يجدوا أي سوداني كفء ممن كانوا لصيقين بالثورة.
وأتفق مع مدني تماماً في أن الصعود المفاجئ لأي شخصية إلى صدارة المشهد السياسي يثير أسئلة مشروعة. ولهذا كنت، وما زلت، شديد التحفظ على اختيار الدكتور حمدوك لرئاسة حكومة ثورة قدم فيها خيرة شباب السودان دماءهم رخيصة.
كما أن ظهور داليا الروبي إلى جانب حمدوك في أول مؤتمر صحفي له أثار تساؤلي وقتها، ولم أجد له إجابة حتى اليوم. فالاستعانة بشخصية لم يكن السودانيون يعرفونها آنذاك، في ظل وجود إعلاميين كثر شاركوا في الثورة كان أمراً مثيراً للشكوك.
وأتفق مع مدني أيضاً في أن ممثل الاتحاد الأفريقي، ود لبات، لم يكن نزيهاً ولا محايداً. لكن كثيرين لم يتقبلوا وقتذاك انتقادنا لدوره، وكنا نسمع عبارات من قبيل: “من لا يشكر الناس لا يشكر الله، والرجل جاء لمساعدتكم”.
تحدث مدني أيضاً عن الوجود المسلح الكثيف قبل الحرب، وهو أحد نتائج أخطاء “قحت” الفادحة، وأعني بذلك سكوتها عما أراه مؤامرة جوبا، التي مكنت جماعات لم يمكنها سلاحها من هزيمة نظام البشير ودخول العاصمة، ثم منحت بعض قادتها أهم المناصب، رغم أن اتفاق جوبا لم ينص على حصولهم على وزارات بعينها. والغريب أن جبريل إبراهيم حل محل الخبير الدكتور البدوي، ولم نقل شيئاً وقتها، ومررنا الأمر لأن أخطاء حمدوك كانت تُعد مغفورة دائماً.
كيف تسنّى لشخصي الضعيف، الذي لم يدّعِ يوماً أنه سياسي أو مؤهل لقيادة الآخرين، أن يرى ما فات على رؤساء أحزاب وزعماء سياسيين يفوقونني ويفوقونك عمراً وتجربة، يا مدني؟ ألا يثير ذلك الشكوك أيضاً!
وكيف لهؤلاء الزعماء السياسيين، الذين تصدوا لمهمة بحجم ثورة ديسمبر، أن يتحججوا بعدم توفر المعلومات عن شخصية البرهان، وقد كان على وشك تولي أحد أكثر المناصب حساسية؟ ألا يحق لنا أن نقول إن أحد أسباب ضياع أعظم ثورة، وتوريطنا فيما نعيشه اليوم، هو أن قادة الحركة تصرفوا بعقلية ناشطين، لا بعقلية سياسيين كبار؟
وقال مدني إن الحرب لن تتوقف بجهود الآخرين، وإن السبيل الوحيد إلى وقفها هو تشكيل كتلة أكبر من كتلة ديسمبر نفسها، وهو ما أتفق معه تماماً. لكن يبقى السؤال: كيف سيتحقق ذلك، بينما أصرت “صمود” منذ اليوم الأول على التركيز المكثف على العالم الخارجي، وظلت تهمل العمل في الداخل، وكأننا لم نشهد تجاهل المجتمع الدولي لحروب وأزمات بلدان كثيرة غيرنا؟
كيف ستتشكل هذه الكتلة الكبرى مع إصرار من قادوا الثورة على عدم التغيير، حتى في الوجوه، رغم كل أخطاء الماضي التي أشرنا إليها وذكرت أنت بعضها؟ وكيف يتحقق ذلك وبعض المدنيين المؤيدين لـ”صمود” يمارسون النوع نفسه من الإقصاء الذي ثار ضده شعبنا، وإن جاء في صورة أكثر نعومة؟
لقد كان انتقادنا للدكتور حمدوك وحكومته يُصور على أنه تنظير يخدم عودة الكيزان، مع أن أكثر ما خدمهم كان التساهل، والتواطؤ، والخطاب الضعيف الذي كنا نسمعه من وزير إعلام حكومة الثورة، مثل قوله: “القوانين لا تسمح لي بفصل العاملين في القطاع من الخدمة”، أو: “الثورة تطالبني بأمور لست مستعداً لها بحكم شخصيتي”، وغيرها من تصريحات وممارسات عديدٍ من وزراء حكومة حمدوك، بالإضافة إلى صمت حمدوك نفسه على وجود الفلول داخل مكتبه.
واليوم، إذا انتقدت “صمود”، فأنت، في نظر البعض، تحارب المدنيين، ويقال لك إنه لا بديل عن حمدوك ومجموعته إذا كنا نؤمن بالدولة المدنية.
ومثل هذه المواقف لا تساعد في تشكيل الكتلة الوطنية الكبرى المطلوبة. وطالما أن المستنيرين والمثقفين قد استسلموا لهذا المنطق، ولم يعودوا يرون في هذا السودان الواسع رجلاً غير حمدوك، فنحن أمام معضلة لا أعرف شخصياً طريق الخروج منها.
إن الجبهة المدنية العريضة تتطلب جدية من مجموعة “صمود” نفسها، وتوجيه عملها نحو الداخل بدلاً من هذا التركيز المكثف على الاتصالات الخارجية التي لم تُجدِ نفعاً، ولا يبدو أنها ستجدي، فضلاً عن التنازل عن كثير من المواقف التي تمنع السودانيين من التوافق على رؤية وطنية واحدة.
فمن يخطئ مرة، ثم يعترف بخطئه، ينبغي أن يصححه عملياً، لا أن يكتفي بالاعتراف النظري. وأقل ما يمكن فعله هو إحداث تغيير في الوجوه التي تتصدر المشهد. فهذا هو السبيل الوحيد لاستعادة من غادروا معسكر الثورة، رغم إيمانهم بالدولة المدنية وحرصهم على التغيير.
أما دون ذلك، فسيبدو الأمر وكأن الجميع مستمتعون بالتنظير، والظهور الإعلامي، والمنشورات العاطفية من قبيل: “حمدوك هرّاي فشفاش الكيزان”، و”سلك مُعذب الكيزان”، بينما المعذب الحقيقي هو المواطن السوداني، ولا أحد غيره.
كم تمنيت أن يتحدث جميع سياسيينا بالتجرد الذي تحدث به مدني عباس مدني، وأن يعترفوا بالأخطاء اعترافاً عملياً، لا شفاهة فقط، وذلك بإعادة ترتيب البيت المدني بعيداً عن هذه النخبوية التي لا تخدم سوى أفراد بعينهم.
لقد بلغ بنا الابتعاد عن التوافق العام، والتركيز على الأشخاص، أن أصبحت عمرة حنان حسن، التي أدتها تقرباً إلى الله، قضية تشغل المؤيدين والمعارضين على حد سواء. فكيف يمكن أن نصل إلى الخلاص مما نحن فيه؟
متى سنعترف بأن المشكلة تكمن فينا جميعاً، لا في تنظيم أو جماعة أو حكومة؟ فنحن، رغم ما قدمه شبابنا من تضحيات جسام خلال الثورة، لا نزال نعجز عن مساعدة أنفسنا.
في السياسة، ننتظر الخلاص على يد فرد أو مجموعة محدودة. وفي الرياضة، نسلم أنديتنا لمن لا صلة لهم بها، ثم ننتظر منهم تحقيق إنجازات مستحيلة. وفي الإعلام والفن، نتذمر من هيمنة المتكسبين واتساع نفوذهم، بينما نروج لهم بأيدينا ونساهم في انتشارهم. وعلى الصعيد الاجتماعي، نشكو من إساءات البعض وبذاءاتهم عبر وسائل التواصل، ثم لا نتوقف عن إعادة تدويرها ومنحها مزيداً من الانتشار.
ومع كل ذلك، نردد أن الثورة مستمرة، وأن السودان سيعود أقوى مما كان. فإن لم يكن هذا وهماً، فكيف يكون الوهم يا أهلنا؟
kamalalhidai@hotmail.com
