من رحم الحرب – مركز الدراية لتشكيل السودان القادم
From the Womb of the War –
The Cognizance Centre for Shaping Future Sudan
بروفيسور/ مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي – مركز مأمون بحيري، الخرطوم
في معظم الأنظمة السياسية، توجد قوة استقرار تُسمى “المؤسسةEstablishment – “، تحمي الدولة من تقلبات الصراع السياسي. ففي الديمقراطيات الغربية، غالباً ما يؤدي هذا الدور رأس المال والمؤسسات التكنوقراطية مثل القضاء والخدمة المدنية والبنوك المركزية، التي تعمل خارج نطاق الصراعات الحزبية. وفي الصين، يعمل الحزب الشيوعي كحارس للوحدة الوطنية. وفي مصر، تتولى مؤسسة الجيش هذا الدور. وفي دول الخليج، تتولى الأنظمة الملكية (Monarchies) هذا الدور “المؤسسي”، حيث تعمل كحارس للدولة، بمستويات متفاوتة من الشرعية الشعبية. ومثل غيرها من المؤسسات، تتطور هذه الأنظمة باستمرار للحفاظ على أهميتها في عالم سريع التغير.
وعلى النقيض من ذلك، يجد السودان نفسه في فراغ خطير. فمنذ ثورة ديسمبر وما تلاها من تفكك لعملية التحول الديمقراطي، افتقر السودان إلى مركز ثقل شرعي. حيث فقدت المؤسسة العسكرية، المنقسمة والمتورطة بشدة في الحرب الأهلية الدائرة، الكثير من شرعيتها الشعبية. أما الفاعلون السياسيون المدنيون فهم متشرذمون وضعفاء، يكافحون لتقديم رؤية موحدة أو قيادة موثوقة. وشهدت السلطات التقليدية – زعماء القبائل، وشيوخ الصوفية، وغيرهم من الفاعلين المجتمعيين – تآكل نفوذها نتيجة عقود من التلاعب والتهميش.
وفي زمن تتآكل فيه مؤسسات الدولة، وتغيب المرجعية الوطنية الجامعة، يبرز سؤال جوهري: من يحرس السودان من التفتت؟ في معظم دول العالم، تنهض “المؤسسة”، أيَّاً كان شكلها، بدور الحامي من الفوضى. أما في السودان، فثمة فراغ قاتل. من هنا، تنطلق مبادرة مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية (Cognizance Centre for Strategic Studies – CCSS) ككيان غير ربحي لبناء نواة فكرية ومدنية مستقلة، تؤسس لرؤية وطنية تتجاوز الحرب والانقسام، وتساهم في بلورة ما يمكن أن يصبح لاحقاً “المؤسسة السودانية” كمرجعية مستقلة تنبع من ضمير الشعب وعقله الجمعي. ويقودها سودانيون مستقلون من أصحاب الخبرة والمعرفة، داخل الوطن وخارجه.
يهدف المركز إلى إنتاج معرفة استراتيجية مستقلة، ومرتبطة بالسياق السوداني، لتغذية جهود السلام وإعادة البناء والتحول المدني العادل. وهو يسعى لأن يكون منصة تفكير وطني تعمل بعيداً عن الاصطفافات الحزبية، وتستند إلى التراكم الأكاديمي والمعرفي، دون الانفصال عن الواقع المعاش. ويطمح مركز الدراية يكون نواة لتأسيس المؤسسة السودانية (Sudanese Establishment) حيث يلعب دوراً مزدوجاً: منصةً للقيادة الفكرية، وحافزاً للتنسيق الشعبي. وهذا يعني تجاوز العمل التقليدي لمراكز الفكر (Think Tanks) إلى بناء منظومة جديدة من الأفكار والجهات الفاعلة والمؤسسات القادرة على تصور وبناء سودان ما بعد الحرب.
وتقوم رؤية مركز الدراية على أن تجاوز الأزمة السودانية يتطلب إعادة بناء أدوات الفهم والتحليل، والربط بين الخبرات البحثية والمجتمعية، لتقديم استراتيجيات بناء دولة مدنية ديمقراطية مستقرة، بحيث يكون المركز المرتكز الفكري والمدني الذي يرسخ تحول السودان من خلال تشكيل مؤسسة وطنية (Establishment) متجذرة في الشمول والنزاهة والفكر.
ويركز المركز على ستة مجالات رئيسية:
- السلام العادل والتحول المدني: تحليل مسارات النزاع وآفاق الحلول المستدامة.
- الحوكمة والمؤسسات: دراسة سبل إصلاح الدولة وإعادة تأسيس العقد الاجتماعي.
- الاقتصاد السياسي والتنمية: مقاربة واقعية لاقتصاد ما بعد الحرب.
- القضايا المجتمعية والثقافية: فهم تعقيدات النسيج الاجتماعي السوداني.
- العلاقات الإقليمية والدولية: موقع السودان في محيطه وتوازناته العالمية.
- تأسيس المؤسسة السودانية (Sudanese Establishment) لتقوم بدور الحامي من الفوضى والانقسام.
ويؤكد المؤسسون المركز أن “مركز الدراية” لن يكون امتداداً لأي تيار سياسي، بل منصة مدنية بحثية فكريَّة تتفاعل مع الجميع دون تبعية لأي جهة. ويفتح المركز أبوابه للتعاون مع الجامعات، مراكز الفكر، مؤسسات المجتمع المدني، والجهات الدولية المعنية بدعم السلام والاستقرار في السودان.
ومن المقرر أن يبدأ مركز الدراية انطلاقته الواعدة رسمياً خلال عام 2025 من مقره المؤقت في المملكة المتحدة، بالتعاون مع مع شبكة من الباحثين والمستشارين في الداخل والخارج، على أن تكون أولويته المباشرة هي توفير أوراق تحليلية وبيانات سياسات تدعم جهود وقف الحرب، وحماية المدنيين، وبناء سيناريوهات للانتقال الديمقراطي، بحيث يكون نواة لتأسيس المؤسسة السودانية (Sudanese Establishment) كمنصةٍ للقيادة الفكرية، وحافزٍ للتنسيق القاعدي الشعبي.
ويدعو مركز الدراية المفكرين، الباحثين، والخبراء السودانيين من كل الخلفيات الفكرية والمهنية غير المسيَّسة إلى المساهمة في تأسيس هذا المشروع الوطني المستقل، سواء من خلال البحث، الحوار، أو الدعم المؤسسي والمعنوي.
للمزيد من المعلومات أو للتواصل:
melshibly@hotmail.com
رابط الموقع (قيد الإنشاء)
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم