من ركام الحرب إلى درع للوطن: نداء لبناء “كورنيش الحياة” على ضفاف النيل الأبيض

د. حسن المهدي البشرى الغبشاوي
hassanemelbushra@gmail.com
أرسل لي أحد الأصدقاء مقالا مطولا يدعو إلى ضرورة وضع خطة إخلاء عاجلة قابلة للتنفيذ في حال انهيار سد النهضة ترتكز على التحذير المبكر، الإجلاء السريع، وتأمين الملاجئ الآمنة. تبدأ بإطلاق إنذار شعبي فوري عبر المآذن والإذاعة والهواتف ومكبرات الصوت لتحذير السكان القريبين من النيل في الروصيرص، سنار، الجزيرة، الخرطوم والنيل الأبيض. تليها عملية هروب جماعي نحو المرتفعات والجبال دون انتظار للممتلكات أو عبور الكباري. بعد 12 ساعة، تُقام نقاط إيواء مؤقتة في المدارس والمساجد والمباني العامة بالمناطق المرتفعة مثل شمال الجزيرة وجبل أولياء وشرق النيل. بعد اليوم الثالث، يُركّز على منع الأوبئة ودفن الجثث وتأمين النساء والأطفال وفتح ممرات إنسانية. الخطر الأكبر يهدد ولايات النيل الأزرق وسنار والجزيرة والخرطوم والنيل الأبيض. القاعدة الذهبية هي: “إذا كنت ترى النيل فأنت في خطر”. الخطة تنجح فقط إذا بادر المجتمع المحلي بالتجهيز والتدريب والإنذار الذاتي دون انتظار للدولة.
و أنا أقرأ ذلك المقال الذي كتب بعناية فائقة عرضت صور الدمار الأخيرة التي أصاب العاصمة المثلثة. ففي قلب الخرطوم، المدينة التي كانت يومًا نابضة بالأمل، تقف الأبنية المهدّمة كشواهد صامتة على مأساة عصفت بالوطن. جدران منهارة، نوافذ خالية، حجارة مبعثرة، وشوارع تغرق في صمت ثقيل. المدينة لا تزال تنزف بصمت، وكأنها كائن جريح لم يُمنح فرصة التعافي. كل زاوية في الخرطوم تهمس بقصص الفقد، والركام الذي تراكم فوق روحها ليس مجرد مخلفات حرب، بل عبء ثقيل يرهق البيئة، ويهدد الصحة العامة، ويشل حركة الحياة.
وفي مواجهة هذا الواقع المعتم، تبرز فكرة لا تقل جرأة عن الحلم، ولا تقل واقعية عن الحاجة. لماذا لا نعيد توظيف هذا الركام في مشروع يحمي المدينة ويعيد لها روحها؟ لماذا لا نجعل من الأنقاض جدارًا واقيًا، من الألم أملًا، ومن الحطام بنية تحتية جديدة تمسّ حياة الناس، وتحمل رمزية نهوض وطن من بين الرماد؟
الفكرة التي نطرحها ليست مجرّد مقترح هندسي، بل رؤية متكاملة تنطلق من عمق الأزمة وتستشرف المستقبل. هي دعوة لتحويل أنقاض المباني المدمّرة إلى “كورنيش الحياة” على ضفاف النيل الأبيض، يكون حاجزًا واقيًا من الفيضانات الموسمية، وفسحةً حضرية ساحرة، ومساحةً تروي قصة صمود شعب لم ينكسر.
هذا المشروع يقوم على نقل الركام من قلب الأحياء المنكوبة إلى ضفة النيل الأبيض، حيث تُعاد صياغته على هيئة حائط هندسي متدرج، صلب، ومدروس بعناية. لا يُلقى الحطام عشوائيًا، بل يُدمج بعناصر إنشائية أخرى كالخرسانة والحديد، ثم يُكسى بأرصفة ملساء، ومساحات خضراء، وممشى يخترق الزمان والمكان. هكذا يتحول الحاجز من مجرد درع صامت إلى شريان ينبض بالحياة، ويحمل بُعدًا بيئيًا وإنسانيًا وثقافيًا في آنٍ واحد.
تاريخ الفيضانات في النيل الأبيض في السودان حافل بالمعاناة المتكررة التي عاشتها المجتمعات على ضفّته، إذ. تحوّلت هذه الفيضانات إلى كوارث بفعل غياب التخطيط والبنية التحتية. منذ فيضان عام 1946، الذي دمّر قرى بأكملها، وحتى فيضان 1988 الذي أغرق آلاف البيوت، ظلّ السكان يعتمدون على وسائل بدائية للصمود. وعاد المشهد في سنوات مثل 2007 و2013، حيث تهدمت المنازل الطينية، وانتشرت الأمراض في مخيمات النزوح. كان فيضان عام 2020 كان الأشد، إذ تجاوز منسوب النيل الأبيض كل الأرقام المسجلة، وأغرق مدنًا وقرى، وترك عشرات الآلاف بلا مأوى. كشفت هذه الكارثة هشاشة النظام العمراني وضعف الاستجابة الرسمية، رغم الجهود الشعبية والمنظماتية في الإنقاذ. فيضانات النيل الأبيض المتكررة تدعو إلى خطط جادة للتأهب، ومشاريع مستدامة للحماية، واحترام لقوة النهر الذي لا يرحم الإهمال.
النيل الأبيض يمر عبر سهول منبسطة ومنخفضة تبدأ من بحر الغزال ووسط جنوب السودان حتى الخرطوم، ويكاد يكون منسوبه متساويًا على امتداد طويل، مما يجعل الانحدار ضعيفًا جدًا وبالتالي يكون تدفق الماء بطيئًا. أما النيل الأزرق، فينحدر بسرعة من الهضبة الإثيوبية الوعرة والمرتفعة، حيث يبدأ من بحيرة تانا وينزل بعنف نحو السودان، مما يمنحه طاقة اندفاع كبيرة وسرعة عالية. بطء جريان النيل الأبيض مقارنة بـ النيل الأزرق يجعل فيضانات النيل الإزرق ترفع مستوى الماء في النيل الأبيض لعدة كيلومترات قبيل اقترانه بالنيل الأزرق و فيضانه.
تاريخ الفيضانات في النيل الأبيض في السودان حافل بالمعاناة المتكررة التي عاشتها المجتمعات على ضفّته، إذ. تحوّلت هذه الفيضانات إلى كوارث بفعل غياب التخطيط والبنية التحتية. منذ فيضان عام 1946، الذي دمّر قرى بأكملها، وحتى فيضان 1988 الذي أغرق آلاف البيوت، ظلّ السكان يعتمدون على وسائل بدائية للصمود. وعاد المشهد في سنوات مثل 2007 و2013، حيث تهدمت المنازل الطينية، وانتشرت الأمراض في مخيمات النزوح. كان فيضان عام 2020 كان الأشد، إذ تجاوز منسوب النيل الأبيض كل الأرقام المسجلة، وأغرق مدنًا وقرى، وترك عشرات الآلاف بلا مأوى. كشفت هذه الكارثة هشاشة النظام العمراني وضعف الاستجابة الرسمية، رغم الجهود الشعبية والمنظماتية في الإنقاذ. فيضانات النيل الأبيض المتكررة تدعو إلى خطط جادة للتأهب، ومشاريع مستدامة للحماية، واحترام لقوة النهر الذي لا يرحم الإهمال.
النيل الأبيض، برغم هدوئه الظاهري، لا يلبث أن ينقلب سيلًا جارفًا في موسم الأمطار. في عام 2020 فقط، اجتاحت مياهه مناطق الكلاكلات، الشجرة، وأبو آدم، مخلّفة وراءها دمارًا شاسعًا ومآسٍ لا تزال آثارها عالقة في الذاكرة. هذه الطبيعة المتقلبة للنهر تستدعي تفكيرًا استباقيًا، وخيارات لا تعتمد فقط على حلول الطوارئ. فبناء حائط واقٍ باستخدام الأنقاض هو ليس فقط حلاً ذكيًا ومبتكرًا، بل خيارًا واقعيًا في ظل محدودية الإمكانيات، وتراكم كميات ضخمة من الردميات التي لا تجد مخرجًا آمنًا.
“كورنيش الحياة” ليس مشروعًا إنشائيًا جامدًا، بل فضاء متعدد الاستخدامات. في الصباحات، قد يكون ممشى رياضيًا يلامس النهر، وفي المساءات، منصة ثقافية تحتضن الذاكرة الجمعية. يمكن أن يكون حديقة عامة، أو ساحة تأمل، أو حتى معرضًا مفتوحًا لفن النهوض من تحت الأنقاض. يمكن أن يتضمن مسارح مفتوحة، أو زوايا لعرض الصور والوثائق التي توثق الحرب والإعمار، ليصبح شاهدًا على التحول، ومزارًا للأجيال القادمة.
التاريخ يشهد على مشاريع مشابهة، حيث تحوّل الركام إلى عنصر بناء وصمود. تيوفيلسبيرج هي منطقة جذب سياحي تقع في برلين، ألمانيا. إنها تل غير طبيعي، تم إنشاؤه من الأنقاض والمتشابكات من الأنقاض التي نجمت عن الحرب العالمية الثانية وأصبحت لاحقًا موقعًا بيئيًا وثقافيًا. خلال الحرب الباردة، أقام الحلفاء الغربيون محطة تنصت أمريكية هناك، تُعرف باسم فيلد ستيشن برلين (Field Station Berlin). يتكون تيوفيلسبيرج من حوالي 26 مليون متر مكعب من الأنقاض، مما يجعله أكبر تل من الأنقاض في العالم. تم بناء التل على أنقاض كلية عسكرية تقنية نازية غير مكتملة. خلال الحرب الباردة، استخدمه الحلفاء الغربيون كقاعدة مراقبة لجمع المعلومات الاستخباراتية. اليوم، يعتبر تيوفيلسبيرج وجهة سياحية شهيرة توفر إطلالات بانورامية على برلين. كما أنها تحظى بشعبية لدى ممارسي رياضة ركوب الدراجات الجبلية والمتنزهين.
في لاهور، استخدمت السلطات ركام الأبنية في تشييد حائط فيضاني على ضفاف نهر رافي، فصار بعدها ممرًا أخضرًا يقصده الناس. مطار كانساي الدولي في اليابان مبني على جزيرة اصطناعية في خليج أوساكا. تم إنشاء هذه الجزيرة لتلبية الحاجة إلى مساحة إضافية لمطار كبير، حيث أن المنطقة المحيطة بمدينة أوساكا تعاني من ضيق المساحة. وفي رواندا، كان استخدام ركام الحرب في تعبيد الطرق وبناء المدارس أحد مفاتيح الشفاء الوطني.
السودان ليس أقل قدرة على التجاوز. كل ما يلزم هو قرار شجاع، وإرادة تتجاوز الألم، وشراكة تجمع بين الجهات الرسمية والخبرات الهندسية والمجتمع المدني. يمكن البدء بمنطقة تجريبية على امتداد كيلومتر واحد، لقياس الجدوى وتطوير التصميم. التمويل يمكن أن يكون تعاونيًا، مدعومًا بمبادرات شعبية أو شراكات مع منظمات دولية معنية بإعادة الإعمار والتنمية البيئية. ليست الكلفة المادية هي العائق الأكبر، بل الرؤية والعزم.
فليكن “كورنيش الحياة” مشروعًا قوميًّا يعيد كتابة تاريخ الخرطوم بلغة من نور. لنعمل على جعله نصبًا مفتوحًا يتحدى الخراب، ويحمل في تكوينه كل ذرة ركام كانت يومًا منزلًا، أو مكتبًا، أو شارعًا مأهولًا. ليكن الشاهد أن المدينة لم تُهزم، بل أعادت بناء نفسها بأيدي أبنائها، وبما تبقّى من حجارتها.
ليست هذه دعوة هندسية فحسب، بل دعوة للخيال المبدع، والذاكرة الجمعية، والإرادة التي تأبى الانكسار. إنها صيحة نهوض في وجه الردم، وعناقٌ بين الجغرافيا والتاريخ. إن الركام حين يُعاد تشكيله، لا يُدفن، بل ينهض. فتعالوا ننهض به، ونبني به درعًا يحرس ضفافنا، ويُضيء الطريق نحو مدينة تستحق الحياة.
بالطبع لا يمكن التعامل مع مجاري الأنهار وكأنها أرض عادية صالحة للردم والتوسعة دون حساب، فالمياه لا تنسى مجراها القديم، وإن أُجبرت على تغييره، غالبًا ما تعود إليه بثمن باهظ. لقد أثبتت التجارب أن الردم العشوائي للأنهار قد يؤدي إلى تغيّر في سلوك الجريان، وزيادة في سرعته، مما يتسبب في نحر الضفاف الأمامية وتهديد البنى التحتية المجاورة. وما حدث في النيل الأبيض بمنطقة المقرن بعد تنفيذ مشروع السنط، وما تبعه من تأثيرات واضحة على ضفة النيل، مثال لا يُمكن تجاهله. وكذلك الحال في مشروع مشيرب، حيث أدى ردم جزء من النيل الأزرق إلى اختلالات في التوازن الهيدرولوجي. كما أفادني أحد كبار المهندسين الذين طرحت عليهم الفكرة. من هنا، فإن أي مشروع يقترح التوسعة على حساب مجرى النهر – مهما كانت نُبل أهدافه – لا بد أن يسبقه تخطيط علمي صارم ودراسات هندسية وهيدرولوجية متكاملة، تقيّم بدقة الآثار البيئية والمائية المحتملة، وتضع سيناريوهات للمخاطر والحلول.
إن احترامنا للنهر يبدأ من احترام مجراه. وأي تدخل في طبيعته دون علم وخبرة قد يتحول من حلمٍ عمراني إلى كابوس بيئي. لذلك، فإن الدعوة الصادقة اليوم، هي أن نُخضع كل فكرة طموحة لدراسة علمية رصينة، تضمن سلامة الإنسان والطبيعة على حدٍ سواء.
الخطوة الأولى : جمع كل الأنقاض على طول النيل الأبيض حتى تتبلور الفكرة و ترسم الخطط و يتوفر التمويل
د. حسن المهدي البشرى الغبشاوي
hassanemelbushra@gmail.com

عن حسن المهدي البشرى الغبشاوي

حسن المهدي البشرى الغبشاوي