من سرق بنية كهرباء الخرطوم التحتية؟ (الحلقة الثانية)
من سرق زيت المحولات؟
بقلم/ وليد الريح
في معرض مقالي السابق عن سرقة الكوابل، برز سؤال وجدته طريفًا، وإجابته بديهية، لكنه تكرر في عدد كبير من التعليقات التي وردتني بالتزامن مع المقال عن ظاهرة سرقة كوابل النحاس.
السؤال بسيط في ظاهره، لكنه يكشف عن واقع أكثر تعقيدًا وخطورة:
“هل فعلاً (الدعامة) سرقوا زيوت المحولات وشغّلوا بها عرباتهم؟”
الجواب الصريح: لا.
لكن ما حدث، في الحقيقة، كان أخطر من ذلك بكثير.
ولفهم ما جرى، علينا أن نبدأ أولًا بالتعرّف على زيت المحولات قبل الخوض في تفاصيل الكارثة.
زيت المحولات (Mineral Hydrocarbon-Based Transformer Oil) ليس مجرد سائل في علبة معدنية ملحقة بالمحول، بل هو مادة كهربائية متخصصة تُستخدم في المحولات لتوفير عزل كهربائي داخلي (Dielectric Insulation) وتبريد فعّال في آنٍ واحد.
يُصنَّف هذا الزيت ضمن الزيوت العازلة ذات الأساس المعدني، ويتميّز بخصائص فريدة، مثل:
مقاومة عالية للتأين، ثبات حراري ممتاز، وانخفاض كبير في التوصيل الكهربائي.
تفريغ الزيت من المحول يؤدي إلى:
فقدان القدرة على التبريد.
ارتفاع حرارة الملفات.
حدوث تفريغ كهربائي داخلي (Electrical Arcing).
مما يسبب تدمير العزل، ويؤدي إلى فصل المحول تلقائيًا عن الشبكة. ويُعدّ المحول في هذه الحالة ميتًا تمامًا.
لماذا يُسرق هذا الزيت؟ وفيما يُستخدم؟
عملية تفريغ الزيت لا تتطلب مهارة كبيرة، لكنها تحتاج معرفة دقيقة بتصميم المحولات ومكان برغي التفريغ.
لذلك، من نفّذ أو وجّه هذا التخريب ليس عابر سبيل، بل شخص ملم تمامًا بالبنية الكهربائية — شخص فاهم وعارف، وغالبًا فني كهرباء متمرّس أو مهندس توزيع أو نقل يعي تمامًا ما يفعل.
لكن المفارقة أن الزيت نفسه لم يكن الهدف.
فهو لا يُستخدم كوقود، ولا يصلح أن يُضاف إلى الجازولين أو محركات الديزل — بل يتلفها بسبب لزوجته العالية.
وحتى عند حرقه، يُصدر أبخرة سامة وروائح خانقة تعلق بالملابس والجدران.
إذن، ما الهدف الحقيقي من تفريغ الزيت؟
الهدف هو تعطيل المحول تمهيدًا لسرقة النحاس داخله.
فأسهل طريقة لإخراج المحول من الخدمة دون الحاجة لفصل التيار أو تدخل تقني مباشر، هي تفريغ الزيت منه.
بعدها، تصبح سرقة الكوابل المرتبطة بالمحول ممكنة، دون خوف من صعق كهربائي.
بل تُخلع كل قطعة نحاس في المحول، بينما يُفرغ الزيت على الأرض بجواره!
إنها جريمة مدروسة… تُنفّذ على مراحل:
أولها: تعطيل المحول بالكامل.
ثم: تبدأ عملية “التشليع”.
لم تتوقف السرقات عند المحولات داخل الأحياء، بل امتدت إلى محطات تحويلية كاملة.
كما حدث في محطة ود البشير التحويلية في أم درمان، التي أصبحت بعد السرقة خاوية تمامًا: بلا كوابل، بلا معدات، بلا “نحاسة” واحدة!
ووصل الأذى إلى محطة بحري الحرارية، حيث كوابل المحطات أكبر وأغلظ، يُخرج منها السارق أوزانًا ضخمة من النحاس.
من فعل ذلك، كان يعلم تمامًا: أين يوجد النحاس، كيف يُفصل، وكيف يُهرّب… دون أن يُصدر صوتًا واحدًا.
لم يخشَ الصعق بالكهرباء، ولم يجزع من التعامل مع منظومة معقدة وخطيرة.
وبالتالي، هو ليس مجرد لص… بل مهندس الظلام.
من يقف وراء الجريمة؟
ما جرى في الخرطوم ليس سرقة عشوائية تبادرت لأذهان من عاشوا في مناطق الحرب، وقرروا تسلية أنفسهم بها.
بل جريمة مكتملة الأركان: لها عقل مدبّر، ويد منفذة، وسلطة صامتة. قاتل الخرطوم لم يكن فقط من فرّغ المحولات أو سرق الكوابل، بل هو من:
فكّر وخطّط، موّل وحرّك، شغّل ومكّن تجار الخردة، وجنّد مهندسي الكهرباء وفنييهم.
تم ابتكار طريقة سهلة وبسيطة مكّنت أبسط الناس وأجهلهم من التعامل بثقة مع المحولات وتعطيلها وسرقتها.
انتشرت الفكرة، وتكوّنت شبكة ضخمة من سارقي بنية الكهرباء، انطلقوا في الأرجاء وبدأوا السرقة.
وظهرت شريحة جديدة من عمال النقل، وسائقي الشاحنات، الذين مرّوا من بين حواجز الجيوش المتحاربة دون أي تعقيد!
سافروا على الطرق القومية، وعبروا المنافذ الرسمية والارتكازات الأمنية، بينما النحاس ظاهر في شاحناتهم… دون أن يُسألوا أو يُوقفوا!
وكل هذا جرى تحت أعين موظفي:
وزارات التجارة، بنك السودان، البنوك التجارية، الجمارك،
المواصفات والمقاييس…
وقبلهم:
الجيش، والأمن، والشرطة، إضافة إلى كل أنواع الميليشيات المتعاونة، وكل من هتف أنها حرب كرامة.
وتم كل هذا بعلم وسَمْع وبصر قيادات حكومة بورتسودان، التي لم تكتفِ بالصمت، بل:
باركت، سهّلت، وفّرت الغطاء الكامل لهذه الجريمة، وحلّلتها وقنّنتها، بعدما اعتبرتها تجارة خردة ذاهبة للصادر!
الخرطوم ذُبحت… لا بسكين، بل بشبكة مصالح خالية من الوازع الديني والأخلاقي والوطني.
الخرطوم، بكل أسف وحزن، ستفقد صفة “مدينة” لسنوات.
لقد تدمرت تمامًا، ورفع هذا الدمار سيحتاج إلى:
مال كثير، آلاف المهندسين والعمال، وقت طويل، وصبرٌ أطول.
الأرقام التقديرية الأولية:
دمار أكثر من 100,000 محول في الخرطوم.
حوالي 4,600 طن من النحاس تم تصديرها.
دمار كامل لمنظومة التوزيع والنقل، وأجزاء من التوليد.
الخراب الذي أصاب الشبكات الداخلية للعقارات والمرافق الخاصة والعامة… لا تقديرات له.
المستقبل؟ مرهون بالحظ والدعم الدولي:
فحسب تجارب الدول التي خرجت من حروب دُمّرت فيها البنية التحتية للكهرباء، أقدّر أن الخرطوم قد تتمكن، بكثير من التوفيق الإلهي، من استعادة:
40–50 % من قدرة الامداد الكهربي قبل الحرب خلال سنة إلى سنتين عبر تدخلات طارئة محدودة و معالجات بامكانياتنا.
60–80 % من قدرة الامداد الكهربي قبل الحرب خلال 3–5 سنوات عبر دعم أجنبي قوي .
80–100 % من قدرة الامداد الكهربي خلال 5–8 سنوات عبر مشاركة مؤسسات دولية + إرادة حكومية واضحة وقوية
تكون الكهرباء في رأس أولويات حكومة ما بعد الحرب.
يا أهل الخرطوم، لا تسألوا بعد اليوم:
“من سرق زيت المحولات؟”
ولا تسألوا: “من سرق الكوابل؟”
بل اسألوا:
من قتل الخرطوم، ووقف يتفرج على جثتها؟
من تواطأ؟
من باع؟
من صمت؟
من نَفّذ؟
ومن سيُحاسَب؟
ملاحظة:
أدناه فيديو يوضّح شكل محطة ود البشير التحويلية بعد النهب والتدمير، والتي خرجت أجزاؤها كصادر خردة خارج السودان.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم