من شرعية الثورة إلى دولة القانون: قراءة نقدية لمقال د. عبد الله علي إبراهيم

عبد القادر محمد أحمد / المحامي
aabdoaadvo2019@gmail.com

أعاد الأستاذ الجليل، الكاتب والمفكر د. عبد الله علي إبراهيم، نشر مقاله الصادر في فبراير 2022 تحت عنوانه النقدي: «حسناء في بيئة قانونية قاصرة»، والذي اطّلعتُ عليه الآن للمرة الأولى. وكما تفيد مقدمته، فإن إعادة النشر تأتي في سياق تأكيد الولاء لثورة ديسمبر، ردًا على نفرٍ من جندها ممن يسألونه: لماذا يحمل على قوى الحرية والتغيير في هذا الظرف الحرج؟

ولما كنت أحد الحقوقيين الذين يشكلون تلك «البيئة القانونية القاصرة» المحيطة بـ«الحسناء»، سأرد على النقاط التي أثارها المقال، إسهامًا في نقاش عام يتصل بمسائل تاريخية وآنية في غاية الأهمية.

هناك آراء متطرفة مصحوبة بالتخوين، وهو أمر متوقع في مرحلة مؤقتة تمر بها الثورات عند الانتكاس. لكن الخطورة تكمن في أن يكون التجريح ظاهرة ملازمة للنقاش العام، وكأن الحجة لا تكتمل إلا به. وتزداد هذه الخطورة حين يصدر من أستاذ ومفكر محل احترام وتقدير، فإنه لا يبقى محصورًا في حدود الرأي الشخصي، بل يكتسب سلطة رمزية يستوجب التفكيك، دفاعًا عن سلامة النقاش العام لا عن أشخاصه.

ينطلق انتقاد د. عبد الله لمن يخالفونه الرأي بشأن بعض قرارات لجنة التفكيك من افتراضٍ صاغه بنفسه، مفاده أنهم ينتمون إلى بيئة قانونية قاصرة، ومجرد ممتثلين لحملة الثورة المضادة، بما ينطوي عليه ذلك من تجهيل وعيهم المهني، وأن موقفهم لا يستند إلى نقد فقهي منهجي كافٍ لطبيعة قضاء الإنقاذ بوصفه أداة للنظام.

مع كامل الاحترام لقيمة د. عبد الله الفكرية، فإن المسألة قانونية تخصصية. نعم، يحق له كمفكر وباحث أكاديمي تناولها في أطرها التاريخية أو الدستورية أو الفلسفية، غير أنّ التطبيق المهني للقانون، وتفاصيله الموضوعية والإجرائية، من اختصاص أهله. ولذلك، فإن القطع فيها مع التغليظ على المختصين يُعد وصايةً ومصادرة، لأن القانون يُناقَش بنصوصه وسوابقه ومنهجه، لا بالانطباع ولا بتبخيس المخالف.

النقطة محل الجدل: هل يجوز دستورًا أو قانونًا للجنة التفكيك مصادرة الأموال، أم لا بد من حكم قضائي؟ يرفض كثيرون حسم هذا الجدل بطرح هذا السؤال، ويعدّونه نوعًا من «الرومانسية» في التعامل مع من استباحوا الدولة. أما د. عبد الله فقد تجاوز هذا التوصيف إلى اتهام أصحاب السؤال بالقصور المهني والامتثال لفرية اللصوص، فدخل المعركة بسلاح الاستفزاز و«ريتا كروندول».

لقد انتهت الشرعية الثورية بمعناها المطلق يوم أُجيزت الوثيقة الدستورية، التي قيّدتها بنصوص الدستور الانتقالي والقوانين. فيبقى طرحُ المسألة خارج هذا الإطار دعوةً إلى الفوضى، وهي السلاح الذي يجيد استخدامه من استباحوا الدولة. أما السلاح الذي يخيفهم فهو سيادة القانون، فالثورة لم تسقطهم إلا لأنها حملت سلاح السلمية في مواجهة الآلة العسكرية.

أفهم دوافع د. عبد الله في نقد قوى الحرية والتغيير، وحرصه على تفادي تكرار الأخطاء حتى تحقق الثورة أهدافها في مرحلة حتمًا قادمة. لكنني لا أتفهّم حرصه على نفي تهمة معاداة الثورة، بكيل التهم جزافًا على الآخرين. فالتحدي الحقيقي الذي يواجهنا جميعًا يتجاوز الدفاع عن الذات، إلى الحرص على بناء دولة القانون، بما يقتضيه ذلك من الاحتكام إلى الدستور وسيادة القانون، لا إعادة إنتاج دولة الإنقاذ باسم الثورة.

أعلم أن هذا الحديث ممقوت في وقت لا يزال يقدم فيه الإسلاميون أسوأ العروض، لكن إذا كان قدرنا أن نكون ممقوتين ونحن في اتجاه إنجاز الهدف، فليكن.
نواصل…

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …