من شرف المهنة إلى بريق المنصب:
كيف قلبت الانقلابات العسكرية هرم القيم في المجتمع السوداني؟
بقلم الريح عبد القادر
قلّ أن تجداً طبيباً في أمريكا وأوروبا يطمح إلى أن يصبح وزيراً.
فغاية الطبيب هناك طبه، وسيسعد بأن يحصل على جائزة مرموقة في المجال الطبي، ولكنه سينزعج غاية الانزعاج، بعد حصوله على جائزة نوبل، إنْ طُلب منه شغل منصب وزاري!
وفي زمنٍ ما في فرنسا، كان جان بول سارتر أشهر في عالم الفكر والفلسفة من فاليري جيسكار ديستان في عالم السياسة. ولو كان سارتر في السودان لخُيِّر من الوزارات ما يشاء. ولكن لم يكن الرئيس فاليري ديستان ليجرؤ أن يعرض عليه تولي وزارة الثقافة مثلا.
وأتخيل ديستان يقول لسارتر: فرنسا تحتاج إليك وزيراً للثقافة يا مسيو سارتر!
وأتخيل رد سارتر الحاسم: فرنسا أكثر حاجة إلي أن أقول طز للوزارات والوزراء!
وبالفعل رفض سارتر عام 1964 جائزة نوبل في الأدب، معللًا ذلك بأنه يرفض أن يتحول إلى “مؤسسة”، أو أن يُعرَّف من خلال تكريم رسمي. وكان يرى أن الكاتب يجب أن يحتفظ باستقلاله عن الدولة وعن أي سلطة.
في بلاد الغال، نجد أكثر من يتولون المناصب الوزارية هم خريجو المدرسة الوطنية للإدارة. أما في أمريكا فنجد رجال القانون ورجال الأعمال والعسكريين السابقين.
أما عندنا في السودان، فإن أكثر ما يلفت انتباه المراقبين كثرة الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات الذين تركوا مهنهم ليتقلدوا مناصب وزارية أو سياسية في السودان. وغالباً ما يُفسَّر ذلك بحب السياسة، أو بالرغبة في الإصلاح، أو بضعف العائد المادي للمهن، أو بتقاليد العمل النقابي. غير أن هذه التفسيرات، على أهميتها، لا تبدو كافية لتفسير الظاهرة في صورتها الكاملة.
أريد لهذا المقال أن يكون بمثابة دعوة إلى دراسةٍ تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، ربما تكون أكثر عمقاً. فبدلاً من أن نسأل: لماذا دخل الأطباء والمهندسون حلبة السياسة؟ يجب أن يكون السؤال: لماذا أصبحت الوزارة، في الوعي الجمعي، أعلى مكانةً من التفوق في المهنة نفسها؟
وأقترح أن تنطلق هذه الدراسة من فرضية مؤداها أن الانقلابات العسكرية المتكررة لم تقتصر آثارها على تعطيل الديمقراطية أو المساس بمؤسسات الدولة، بل أحدثت تحولاً بطيئا، ولكنه عميقٌ، في منظومة القيم الاجتماعية. فقد أعادت تعريف النجاح، وأعادت ترتيب سلم المكانة، حتى أصبح المنصب التنفيذي والسياسي هو الذروة التي تتطلع إليها النخب المهنية، مهما بلغت درجة تميزها في تخصصاتها.
ففي بلد يؤمن رئيسها جعفر نميري بأن العسكري أفضل من المدني، لأن العسكري “مدني وزيادة”، ويدعو فيها أحد ضباط الصف في التلفزيون إلى تخصيص مقاعد ثابتة في المواصلات العامة للعسكريين لأنهم “ضحوا بأرواحهم من أجل المواطن”، من الطبيعي أن نصل اليوم إلى وضع نجد فيه الأستاذ الجامعي يبيع الخضار في سوق الملجة، ونجد النوادي العسكرية أشبه بالفنادق من فئة خمس نجوم، بينما المدارس أشبه بـ”زرايب الغنم”.
إذن فليتزاحم الأستاذ الجامعي والطبيب والمهندس، مع سعادة العقيد والعميد واللواء، لشغل وزارة، ولو ليوم واحد، بدلاً من أن يجد الواحد منهم نفسه يبيع الخضار في “سوق الله أكبر”.
في المجتمعات التي ترسخت فيها المؤسسات، يُقاس الطبيب بما يقدمه لمرضاه، ويُقاس المهندس بما يبتكره، ويُقاس الأستاذ الجامعي بما ينتجه من علم، ويُعد انتقالهم إلى السياسة استثناءً لا قاعدة. أما حين تصبح السلطة التنفيذية والسياسية هي المصدر الأعلى للمكانة الاجتماعية، فإن المهنة قد تتحول من رسالة مستقلة إلى وسيلة للعبور نحو المنصب.
ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه لا يغير طموحات الأفراد فحسب، بل يغير أيضاً نظرة المجتمع إليهم. فبدلاً من أن يُسأل الطبيب: كم مريضاً أنقذت؟ يصبح السؤال: هل أصبحت وزيراً؟ وبدلاً من أن يُقاس الأستاذ الجامعي بما أضافه إلى المعرفة، يُقاس بعدد المناصب التي تقلدها. وهكذا ينتقل مركز الثقل من الإنجاز إلى الوجاهة، ومن الرسالة إلى السلطة.
ولا نزعم أن كل من قبِل منصباً وزارياً كان مدفوعاً بحب الوجاهة، فالتعميم ظلم لا يليق بالبحث العلمي. ولا ننكر وجود شخصيات تركت بصمات حقيقية في الخدمة العامة. لكننا نعتقد أن البيئة السياسية والاجتماعية التي نشأت في ظل عقود من الانقلابات قد أسهمت في تكوين ثقافة ترى المنصب التنفيذي والسياسي قمة النجاح، حتى أصبح كثير من أصحاب المهن الرفيعة ينظرون إليه بوصفه التتويج الطبيعي لمسيرتهم.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يترك الطبيب سماعته ليصبح وزيراً؟ بل: ما الذي جعل المجتمع كله يعتقد أن منصب الوزير أرفع شأناً من مهنة الطب، وأن السلطة أعلى قيمة من الإتقان؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تساعدنا فقط على فهم انتقال الأطباء والمهندسين إلى السياسة، بل قد تساعدنا أيضاً على فهم تحولات أعمق في الثقافة السياسية السودانية، وعلى إدراك الكيفية التي يمكن أن تعيد بها السلطة تشكيل أحلام الأفراد، ومعايير النجاح، وهرم القيم في المجتمع بأسره.
فوق ذلك، تساعدنا الإجابة على إيجاد أرضية جديدة يقف عليها السودانيون جميعاً، عسكريون ومدنيون، مناهضين لحكم العسكر.
مشروع التواضع الوطني: تواضعٌ على التواضع
elrayahabdelgadir@gmail.com
