بقلم عادل سيد أحمد
في زيارتي والوالد (رحمه الله) لإنجلترا عام 1986م سخرنا من أنفسنا في كثير من المواقف التي كشفتنا لأنفسنا كناس متخلفين، وعلى قدر حالهم، يواجهون العالم الأول دفعة واحدة.
وفي مرة أبدى الوالد دهشته من انتشار أشجار التفاح، فاكهته المفضلة، في الشوارع، (ذيها وذي أي نيمة)، فما كان مني إلا أن التقطت له صورة تذكارية تحت إحدى تلك الأشجار المحملة بالثمار.
وفي مرة ثانية حاولنا أن نتصل بالكابينة (The callbox) المثبتة في ركن من الأركان، ولكن قطعة النقد اللعينة أبت إلا أن ترتد إلينا دونما تفتح لنا الخط، وفشلنا في معرفة ما الحل، واستبدلنا الاتصال بالعودة بالقطار إلى (هيز) حيث كنا نقيم.
وبعد ذلك بسنوات، عملت في شركة مقاولات كان مديرها الفني، المعتد بذاته، خواجة ألماني الجنسية، وكان مترفعا وساخرا وغاضبا على كل المظاهر الناتجة من الفروقات الحضارية بين عالمينا.
ومعي مشرف، ألماني أيضا، كان يعمل في الموقع برفقتي، وكان يرتاح لوجودي معه لأنني كنت اترجم له: (البسوَى والما بسوَى!).
وكان عملنا ممتدا من سوبا إلى كبري حنتوب، وفي المنتصف كان هناك مطعم ممتاز اسمه (البوادي) إن لم تخني الذاكرة، وكان يقدم المشويات وأنواع اللحوم والأسماك المختلفة، وقد ترددنا عليه كثيرا فعلا.
في يوم طلبنا دجاج مشوي لكل منا، أنا وهو وزميلي أمير والمدير الفني، وما أن توسطت الدجاجات المائدة، حتى امسكت أنا بالشوكة والسكين، وتبعني أمير، وصرنا نجاهد في تقطيع اللحم وأكله، بينما كان المدير يلتقط في صورنا ونحن على هذا الحال.
في اليوم الثاني جاءني المشرف، الرجل البسيط والمهذب وقال لي:
- أريد أن أقول لك شيئا عن وجبة أمس، وألفت انتباهكم لماذا صوركم المدير!
- تفضل…
- الدجاج وبعض الأطعمة الأخرى لا تؤكل بالشوكة والسكين، فهي طعام يدوي (Hand Food)، ولذلك صوركم المدير لأنه كان يسخر من شلاقتكم.
وشكرته كثيرا على المعلومة ولفت النظر.
وأذكر أيضا إنه كان يعاني مع الصفرجي، إذ كان يشرح له، في كل مرة، إنه لا يستطيع التهام الطلب كله، ويوصيه بتقليل عدد قطع اللحم من خمسة إلى ثلاثة، مؤكدا له إنه سيدفع القيمة كاملة، لأنه فقط لا يريد أن يترك (فَضْلَة)، وهذا ما لم يفهمه الصفرجي الذي أصر على إحضار الطلب كاملا على الدوام، معللا ذلك بأنها: - سياسة المحل!
وفي مرة ذهبنا إلى محل للأسماك في الحصاحيصا، فعلق لي المشرف قائلا: - الطعام هنا جيد جدا، ولكن مستوى نظافة المحل هنا لا توجد حتى في ورشة للخُرَدْ في ألمانيا.
وقد فضَّلا، المشرف والمدير، أن يكون فطورهما اليومي هو البيض المسلوق والجبنة اللافاشكيري، بحثا عن النظافة وتجنبا لمخاطر محتملة بسبب الفروقات الحضارية، وشلاقة (ناس متين شافوه!).
amsidahmed@outlook.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم