الطيب فراج
عبدالله علي إبراهيم
تلقيت هذه الرسالة من الطيب فراج. واتفقت لي من أول وهلة. فهي مذكرات باكرة عن تاريخ حي اب روف الذي هو واحد من أكثر أحيائنا حضانة للحركة الوطنية. وهي الحركة التي قر في ذهني أن الإغضاء عنها، ناهيك عن التبخيس في مثل قولنا إنها أخطأت بطلبها الاستقلال عن الاستعمار الإنجليزي، من وراء نقصنا المعلوم في مادة حب الوطن. فلم ينشأ في السودان الحديث منذ بداية القرن التاسع عشر جيل لم يكن سودانياً محضاً بل عاشقاً دنفاً له. ولم تزايلني هذه العقيدة منذ قرأت في باكر شبابي كتاب المعلم حسن نجيلة “ملامح من المجتمع السوداني”. لم يكن الجيل وطنياً كما هي الصفة فينا، بل من مشى صوفي العشق حافياً حالقاً يطوف بأحرامه. آمل أن تكون عبارة الطيب فراج هنا حافزاً لكتاب عن حي اب روف كدين لنا على المدينة في سياق ما اسميته “الحق في المدينة”.
- رسالة لاستدعاء المخبوء في ذاكرة د. عبد الله علي إبراهيم (1-2)
الاستاذ المحترم د. عبد الله
عليك سلام الله مع التحيات الزاكيات الطيبات، وأساله تعالى ان يواليك بنعمه ظاهرة وباطنه.
اما بعد
اكتب اليك ما يلي كيفما اتفق لي ولن انشغل بالترتيب تقديماً او تأخيراً حتى لا تنفلت مني حالة التداعي هذه إن سعيت لضبطها وتوجيهها، وقد ظللت اتحراها واتربص بها لتتنزل عليّ مخاطبا لك منذ وقت ليس بالقصير آملا استثارة قلمك تعقيباً او تعليقاً حول ما سأورده من اسماء وأحداث، او لعلك تكتب ما هو اشمل وأغنى بالمعلومات عنهم وعنها وتلك غايتنا.
خلال طفولتي الباكرة في حي ابي روف العريق، كان والدي يرسلني إلى صديقه وصفيه طه حسين الكد بين حين وآخر بوريقة، كنت أفردها وأنا في الطريق إليه متلصصاً لأعرف فحواها غير أنى كنت في أول سلك التعليم إن استطعت تهجئة كلمة لا أبلغ معناها.
كان بيت آل الكد عند نهاية شارع بيتنا، اي أنك من بابنا تراه.
كنا نسكن في بيت مستأجر متقن العمارة له فناء واسع يحوي عددا من الأشجار المثمرة مع النيم والحناء تتوسطه نافورة. البيت تعود ملكيته الى آل شرف الدين من اعيان كوستي.
اذكر هيئة الاستاذ طه. كان قمحيا متوسط الطول لعله إلى القصر أقرب، ممتلئ الجسم دون زيادة، فيه عرج بيُن، شعره إلى النعومة أقرب.
كان عهدي بباب بيتهم ان يكون مواربا كلما ذهبت اليه.
اذكر انه كان هناك باب آخر يكون قبالة الداخل الى (الحوش) يوحي انه يفضي لبيت آخر، لاحقا فهمت ان ذلك هو من خصائص البيت الشرعي.
كان مبنيا من الطين اللبن، مكسوا بالزبل. فكنتُ إذا دخلت من الشارع ملت على يساري حيث (الديوان) الذي تفتح نوافذه الخشبية جنوبا ومنها ترى بيتنا. غالبا لا أجد طه وحده فالمكان اشبه بملتقى اصحاب.
كانت عودتي منه اما بوريقة اخرى مكتوبة واما بكتاب.
في ذلك العهد اذكر انني شهدت غير مرة من امام بيتنا عددا من العساكر (لا اذكر شرطة ام جيش) على سقف ديوان آل الكد والناس ينظرون من بعيد وعلى قول محي الدين فارس (يتهامسون يغمغمون): انهم يبحثون عن سلاح مخبأ. ويضيف آخرون: بل يبحثون عن خالد الكد.. خالد هارب مطلوب القبض عليه.
كانت تلك ايام انقلاب هاشم العطا وخالد متهم بالمشاركة فيه. وغضبة نميري على الشيوعيين في اوج استعارها. عقود مرت منذ ذاك و لايزال بين اهل السياسة جدال حول تفاصيل ما جرى في تلك الايام التي حفظناها في ما بعد بأحداث 19 يوليو، ولن يتعداك من اراد افادة شاهد على ما كان من خفاياها.
لقد تفتقت طفولتنا وبواكير وعينا في جغرافيا ومجتمع حي ابي روف العريق حيث غنى الخليل: قدلة يا مولاي حافي حالق بالطريق الشاقي الترام، نحن لم ندرك الترام لكننا أدركنا خصوصية الحي وقيمته الأدبية والسياسية والفنية ايضا مع تدرجنا صعدا في مراحل الحياة وشغف المعرفة.
ولا اشك أن لك معرفة وافرة به ورموزه فقد كان واسطة عقد اليسار إبان فتوته وكنت انت قريبا الى خزانة أسراره.
غير ان أول ما يستدعيني للوقوف عنده مدخلا لتأسيس مقصدي من مكتوبي هذا ولما له من أثر ممتد في اجيال متتالية تبدأ من الحي وتتجاوز حدود السودان الواسع هو (الصالون) او المنتدى الادبي لوالدنا الاستاذ فراج الطيب، ويمكن حسبانه امتدادا لمجلس والده الشيخ الطيب السراج رحمهما الله وفي شأنهما اسهاب مفيد يستوعب اقلاما حصيفة من اهل التنقيب والدراسة الجادة في تاريخ وأثر (الصالونات) الادبية في الحراك الفكري والسياسي في السودان.
تقول والدتنا الاذاعية المخضرمة الأستاذة إنعام النحاس: إن انتظام انعقاد المنتدى بدأ في العام 1967م ولم يكن يغيب عن موعده الا كان رب البيت في سفر او طرا عليه واجب يتعذر تأجيله.
ولان الشيء بالشيء يُذكر.. (أستاذ فراج كان أيضا من مرتادي ندوة عبد الله حامد الأمين وصيتها محفوظ وروادها لا يخطئ سيرتهم سمع أهل الشعر والأدب)..
السيدة إنعام النحاس رائدة اذاعية شاركت في العديد من المسلسلات والبرامج الخاصة بقضايا المرأة والتوجيه الاجتماعي وعاصرت عددا من ريحانات الإذاعة: عفاف صفوت.. سهام المغربي.. سكينة عربي.. عزيزة درويش. الرضية آدم.. مع أخريات كريمات وظل صوتها حاضراً في أثير ام درمان حتى آخر جمعة سبقت العدوان المشؤوم مشاركة في برنامج الاسرة الجميلة مع شادية خليفة وأجيال جديدة من الاذاعيين الشباب.
في 1992م تقريبا توقف المنتدى وانفرط جمعه الذي كان عليه.. اخذ الموت نصيبه وأقعدت العلل البعض عن النشاط الذي عهدوه، وآخرين حجبتهم مشاغل الحياة.
توقف نبض المنتدى وغاب سماره الذين كانوا يعمرونه من بعد صلاة الجمعة حتى حلول الليل.
لقد تعاقبت فيه على مدى عقود ثلاثة تقريبا اسماء ووجوه لشيوخ وكهول وشباب، وبينما احتفظ البعض بمقاعدهم طويلا مر آخرون سراعا، ولا يسع هذا المكتوب حصرهم ذكرا غير أنى سأقف عند اولئك الذين شهدناهم اول وعينا من جيل المؤسسين وحفظنا وجوههم واسماءهم فانطبعوا في وجداننا الى اليوم ولعلك تعرف بعضهم.
كان فيهم طه الكد وخالد ابوالروس الذي يسكن على بعد خطوات منا، ومحمود الصباغ وهو أيضا من الحي وأقرب منه الينا محمد بشير عتيق وان كان يأتي لماما ولا يبقى طويلا.
واذكر جيدا الموسيقي الفنان التاج مصطفى فقد كنا نعبث بإطارات سيارته، يعجبنا صوت افراغ بعض الهواء منها، غفر الله لنا. ولا أنسى عثمان خليل والشاعر الرسام عبد الرحيم المطعني وعبد الرحمن قريب الله سليل آل الشيخ قريب الله، والدرامي محمد خيري احمد. في تلك الايام كان الاستاذ فراج يعد ويقدم الادب العربي والسيرة النبوية في إطار تمثيلي وله في ذلك رصيد كبير في مكتبة الاذاعة ارجو انه خرج سالما من عدوان التتار الجدد.
وهناك أستاذ الأجيال الهادي أبوبكر وفي معيته بابكر أحمد موسى أحد نجباء تلاميذ الشيخ الطيب السراج.. وهذا سنستوقفك عنده لاحقا.
أعود إلى طه الكد وأذكر ان رحيله كان مفاجئا وصادماً لأهل الحي.. توفي وهو الثلاثينيات من عمره. كان رحيله خلال النصف الثاني من عقد سبعينيات القرن الماضي.
وحفظت للرجل في وجداني وذاكرتي مكانا عزيزا كونه صديقا حبيبا لوالدنا.
في اكتوبر 1998م رحل الوالد نسأل الله أن يكرمه برحمته. عندها كان لابد من مراجعة مكتبته ومخطوطاته لتصنيفها وإعدادها للطبع…
كان بينها برامج إذاعية ودراسات أدبية ودواوين شعرية ومقالات ومحاورات نشرتها الصحف والمجلات المحلية والعربية. فاذا بين هذه الاوراق بعض قصاصات المراسلات التي كنت أحملها ولا اعرف فحواها وعدد مقدر من صحيفتي الايام الصحافة.
فعكفت على مطالعتهما وبدا لي ان الوالد حفظهما اهتماما بصفحاتهما الأدبية. وانتبهت أن طه الكد كان هو المشرف المسؤول على ملحق الصحافة ثم الايام بعد ذلك او العكس. عندها تحول طه الكد من صورة وبعض مشاهد في الذاكرة إلى كاتب اديب وشاعر تنبهت اليه متأخرا.
وانا اقرا ما بين يدي فاذا بي امام ناقد جريء حار الانفاس في مساجلاته الأدبية، ينبري للمعارك لا يهابها. و مما وقفت عليه تلك المبارزة النقدية بينه والشاعر (ابو آمنة حامد)..
كتب ابو آمنة ناقدا مقللا من وزن د. عبد الله الطيب شاعرا فانبرى له الكد رادا بمقالين خشنين جعل لهما عنوانا (هِتْر ابي آمنة الهاتر).
ومن بعد تتبعت إنتاجه المنشور في ما وجدته بين أوراق الوالد حتى توفر لدي ما رأيت انه يصلح نواة لكتاب يوثق سيرته ومنتجه الادبي بعد الاستعانة بما قد توفره دار الوثائق والأسرة وشرعت في ذلك فعلا.
قادتني أولى خطاي الى لقاء شقيقته. كانت حفية بي وباهتمامي بطه وبحثي عن آثاره غير أنى عدت اسفا إذ لم يكن معها ما يمكن ضمه إلى ما جمعته.
اجتهدت للقاء ابن عمه اللواء كمال حسن احمد الكد لكن يبدو انني وصلت متأخرا اذ لم يكن في وضع صحي يعينه على التداول في ما نسعى اليه ولم يلبث ان فارق الدنيا رحمه الله.
ولعل ما يسترعي الانتباه انه بينما كان خالد الكد مناهضا لنظام نميري كان ابن عمه كمال من اقوى رجال امنه.
الآن لا اعلم يقينا مصير ما جمعته من اوراق ولا ما آل اليه حال مكتبة الوالد ولا الشيخ الطيب السراج وما هو محفوظ من مقتنياته المادية التي هي بعض لب سيرته التي شغلت الناس، ولا مكتبتنا الخاصة وقد بذلنا في رعايتهم جميعا والحفاظ عليهم اقصى وسعنا من كل شيء.
وقد تتساءل عن مقتنيات شيخ السراج التي أشرت اليها فأقول: كان فيها بضع سيوف ورمحان وقوس يبدو انها في أول عهدها وفتوتها كانت تذكرة بتلك التي كانت للشنفرى الازدي وقد وصفها في لاميته الشهيرة بلامية العرب:
إذا زلّ عنها السمُ حنّت كأنها
مرزُأة ثكلى ترنُّ وتُعْوِلُ.
هذا مع جعبة من الجلد فيها سهام وعصا خيزران ممسكها معقوف وأخرى طويلة بشعبتين اذكر ان عمنا حسن مدثر كان يستند عليها ويقرأ الشعر في ندوة فراج الطيب متمثلا طقوسا إبان حضوره مجلس الشيخ السراج وقد بلغني أنك التقيته وحكى شيئا عن تلك الايام.
لقد اضطررنا الى مغادرة بيوتنا عند هجوم التتار الجدد في رمضان أبريل 2023 حماية لأسرنا وقد اعادوا سيرة ما فعلوه في بغداد مع عديد من المكتبات العامة والخاصة مثلما اعادوه مع اهل كل بقعة دنستها اقدامهم..
ibrahima@missouri.edu
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم