من علايل اب روف للمزالق (2-2)

الطيب فراج

تلقيت هذه الرسالة من الطيب فراج الطيب. واتفقت لي من أول وهلة. فهي مذكرات باكرة عن تاريخ حي اب روف الذي هو واحد من أكثر أحيائنا حضانة للحركة الوطنية. وهي الحركة التي قر في ذهني أن الإغضاء عنها، ناهيك عن التبخيس في مثل قولنا إنها أخطأت بطلبها الاستقلال عن الاستعمار الإنجليزي، من وراء نقصنا المعلوم في مادة حب الوطن. فلم ينشأ في السودان الحديث منذ بداية القرن التاسع عشر جيل لم يكن سودانياً محضًا بل عاشقاً دنفاً له. ولم تزايلني هذه العقيدة منذ قرأت في باكر شبابي كتاب المعلم حسن نجيلة “ملامح من المجتمع السوداني”. لم يكن الجيل وطنياً كما هي الصفة فينا، بل “غاوياً” مشى حافياً حالقاً يطوف بأحرامه. آمل أن تكون عبارة الطيب فراج هنا حافزاً لكتاب عن حي اب روف كدين لنا على المدينة في سياق ما اسميته “الحق في المدينة”.

  • رسالة لاستدعاء المخبوء في ذاكرة د. عبد الله علي إبراهيم

اظن ان هذا السرد التاريخي يكفي لإشعال النور في زوايا الذاكرة البعيدة، ونفض الغبار عن تفاصيل مهجورة، ولحفزك حتى تكتب ما لم تأت عليه من احداث ووقائع موصولة بابي روف إن لم تكن في القلب منه.

ابوروف حيث حوش آل سليمان المطل على النيل أحد اهم مرافئ اليسار في ام درمان بدا بعمنا محمد ثم احمد والحاج سليمان وبقية عقدهم النظيم الحبيب.. فبيني وبينهم رباط وثيق من الود المقيم بحكم الجوار وزمالة المدارس مع ابناء الاسرة..

وعن آل الكد تأسيساً على تاريخ نشاط الاخوين حسن وحسين ( The Kids ) الادبي السياسي في الحركة الوطنية ما قبل الاستقلال، ومن ثم عن طه وخالد حسين الكد وكمال وعثمان حسن الكد.

لقد كان ايضا بين ما تركته خلفي نسخة من مجلة ادبيه كانت تصدر عن السفارة السودانية في واشنطن يقوم على تحريرها الاستاذ عثمان حسن الكد وقد أفدت من محتواها واعدت نشر بعضه.

وليتك وأنت تستدعي تلك الايام ان تمر على بيت عمنا الشيخ الرفاعي الكائن في الطريق بين بيتنا وآل الكد ففيه ايضا من الرفاق من لا يمكن تخطيه دون القاء تحية وأفراد زاوية للحديث.

اما الاستاذ عبد الخالق محجوب ورغم انه ليس من سكان الحي فلا اظن ان الحديث عن كل من ذكرت يكتمل دون حضوره وإن استطعت تجاوزه وانت تحكي عن من أوردناهم آنفا فإن الحديث عن رجل اتشوق لمعرفة بعض ما عندك من سيرته مع الحزب الشيوعي سيحتم عليك أن تأتي على ذكره.. أعنى الاستاذ بابكر احمد موسى ذاك الفارع الطول صاحب الصوت الذي يصنفه اهل الموسيقى بالغليظ (باص) وكان له في المكان رجع صدى إذا تحدث مع حدة في رد الفعل إذا استثير وصراحة بلا مساحيق إذا ابدى رايه في امر ما.

بابكر أحد أنجب تلاميذ الشيخ الطيب السراج وأحد العلماء والشعراء الذين آثروا البعد عن الاضواء فلم يعرف قدره الا من جالسه او قرأ شعره، ولعله من جيل الاستاذ محمد عبد القادر كرف فبينهما صداقة وتلمذة على الشيخ السراج.

امتدت صلة بابكر ببيت السراج فكان من رواد صالون فراج الطيب يشاركه في ذلك استاذ الاجيال الهادي ابو بكر وهو من جلساء الشيخ السراج ولعل الاشارة الى ان د. عبد الله الطيب كان من تلاميذه في المدرسة مهمة وله فضل في تمكينه من استكمال دراسته وفي ذلك واقعة كان قد فصلها في لقاء صحفي معنا منشور في صحيفة (الحياة والناس).

لقد سعيت لا تلمس سيرة الاستاذ بابكر في مظانها إذ كنت مأخوذا بوفائه وحبه العظيم لشيخه السراج الذي يتجلى في انفعاله الصادق إذا عرض ذكره ويتحدث عنه مبجلا، ودهشت عندما علمت انه كان عضوا فاعلا في الحزب الشيوعي رغم أنى لم اسمعه يأتي على سيرته قط بينما يرد اسمه مقترنا مع عوض عبد الرازق عند الإشارة الى الخلاف التاريخي في الحزب وهو مما لم أقف فيه على ما يشفي بعضا من غليلي.

نصحني ابن عمنا الاستاذ عيسى السراج بزيارة صديقه توفيق اسحق فقد أجد عنده ما ابحث عنه ومنها صورته الشخصية لترافق ما كنت أزمع نشره من مكتوباته واشعاره في صحيفة (ألوان). لكن يبدو انني تأخرت حتى لحق به ولا زلت الوم نفسي على تقصيري.

وقد سالت عنه الاستاذ غازي سليمان المحامي عندما التقيته في مأتم العلم الصحفي الابروفي الاستاذ اسماعيل العتباني فبدا متعجبا من سؤالي عنه: (انت من وين بتعرف بابكر؟)، ثم بعد التعارف قال انني ساجد مبتغاي عند شقيقه الاستاذ بدر الدين سليمان، ولم يتيسر لنا لقاء.

ما اذكره للتوثيق ان لبابكر مسرحية مستقاة من التاريخ مطبوعة بعنوان (الفلاح الفصيح) وديوان شعر اسماه (في الظلال) صدر عن المجلس القومي للآداب والفنون في عهد امانة الاستاذ فراج الطيب. بيد انه لم يجد طريقه إلى المكتبات لظروف طرأت على نشاط المجلس اول عهد الانقاذ بينما تسللت نسخ منه الى وراقي الارصفة يبيعونها بسعر زهيد..

في ديوانه قصيدة يمدح فيها العقاد وقد القاها امامه في صالونه الشهير وكان حينذاك في مطالع العشرين يعد نفسه للدراسة بدار العلوم حسبما سمعت.. ُدُهش العقاد لما سمعه من الفتى بيانا ومعنى وقيل ان دمعه ترقرق في عينيه.. كان المطلع:

(هي النفس فأسبر غورها واقد الفكر).. وفيه ما ينبئ عن نضج الفتى حقا.

في مقدمة ديوانه يقول بابكر انه سبق السياب ونازك الملائكة آلي قصيدة التفعيلة، ومثله يُصدق فهو رجل لا يدعي ولا يُحابي ولا يطلب شهرة.

عموما المبادرات والتجارب السودانية غالبها مكبوتة محاصرة بتواضع اهلها ويسبقها في الذيوع ما يأتي من بعدها.

عفوا استاذنا د. عبد الله على تعرجاتي واستطراداتي وتقافزي هنا وهناك مثل ال(Kid ) المرح ولكن ما قلته في بدء مكتوبي هذا أنها تداعيات تعمدت تركها سائبة دون قيد او ضبط خشية ان تتابي علي في التنزل واظني الآن قد بلغت بعض المراد في ما نثرته بين يديك راجياً أن يكون فيه ما يحفزك لتفصيل المجمل كيفما تشاء. ولعل رسالتي هذه مع تعقيبك المأمول عليها يشرعان ابواباً يدخل منها كثر علينا عاصروا تلك الأيام بإفادات تضيء على أسماء واحداث قد لا يطيق حملها كتاب واحد وفي ذلك إثراء للمكتبة السودانية وإغناء لذاكرة اجيال لاحقة ووفاء لأجيال سابقة.

ولنا بحول الله عوده نستكمل فيها عرض مسار الندوة ونسمي حضورها من افذاذ ادباء وشعراء هذا البلد ونبين قيمتها وأثرها على المشهد الثقافي وصداها خارج حدوده وشواهده.

اسال الله الرحمن الرحيم اكرام من رحلوا بحسن القبول والرضا، واتمام العافية والتوفيق على من لايزالون يزينون الساحة بإبداعهم.

واختم بما رأيت انه يوافق فحوى رسالتي اليك عنوانا وهو أول ما تطالعه منها.

كتبها إليه: الطيب فراج

في 28 من رمضان 1447هج الموافق 18 مارس 2026م.

ibrahima@missouri.edu

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

الانقلاب: الزهادة في الديمقراطية الليبرالية

عبد الله علي إبراهيم لا أعرف تكتيكاً سياسياً كمثل الانقلاب العسكري جهلنا أشراطه وبواعثه في …