علاء خيراوي
■ لم تكن واقعة استاد الخرطوم حدثاً عابراً، ولا ظهوراً جماهيرياً عادياً لعبد الفتاح البرهان؛ بل جاءت في لحظة سياسية شديدة الحساسية، بعد أيام من أزمة التأشيرة الأمريكية، وفي وقت كانت فيه واشنطن ترفع سقف خطابها تجاه طرفي الحرب وتشكك في شرعية الحكم القائم، بينما ظلت مسألة مشاركة البرهان في اجتماعات الأمم المتحدة وما أحاط بها من تعقيدات واشتراطات موضع جدل سياسي واسع. وفي الداخل، حاول أنصاره يوم الجمعة إنتاج مشهد جماهيري ضخم يرد على هذا الضغط الخارجي، ويهوّن عليهم من وقع الإحباط والمرارة التي خلّفتها أزمة التأشيرة وما حملته من إحساس بالإهانة السياسية، عبر الإيحاء بأن الرجل، وإن ضاقت به العواصم، ما يزال محاطاً بحاضنة شعبية واسعة في الداخل. لكن تلك التعبئة، مهما جرى تضخيمها في الإعلام الموالي، لم تنجح في صناعة الصورة الكاسحة التي كان معسكر البرهان يريدها؛ صورة القائد الذي تحاصره واشنطن بينما يحتشد الشارع السوداني خلفه. ويبدو أن خيبة مشهد مسيرات الجمعة دفعته في اليوم التالي إلى البحث عن منصة أكثر امتلاءً، وأكثر شباباً، وأكثر قابلية للتصوير والتسويق. وهنا وجد ضالته في استاد الخرطوم، الذي كان مكتظاً بالجمهور عند انطلاق مبادرة “ما نسيناكم” التي أطلقها صناع محتوى ورياضيون تضامناً ودعماً للقطاع الصحي، وسط فعالية شبابية واسعة جذبت آلاف الحاضرين. لم يكن ذلك حشداً سياسياً دُعي لتأييد البرهان، ولم يجتمع الناس هناك لسماع خطابه أو لمنحه تفويضاً؛ لكنه ظهر وسط هذا الجمهور الكبير، محاولاً أن يحوّل كثافة الحضور إلى منصة سياسية جديدة. وهكذا، بعد العرديب والبوش والقهوة وصور القرب المصطنع من الناس، انتقل البرهان هذه المرة إلى مدرجات ممتلئة سلفاً؛ حشد جاهز، وكاميرات جاهزة، وشباب بالآلاف، ومشهد يصلح تماماً لإنتاج صورة دعائية تقول إن الرجل ما يزال محاطاً بالجماهير. ومن فوق هذه المنصة أعاد شعاراته المألوفة عن “السيادة” و”عدم الانحناء” و”رفض الابتزاز”، ثم ذهب مباشرة إلى جرح الأيام السابقة، معلناً؛ “ما عاوزين تأشيرة من دولة ولا إذن من أحد”. والمفارقة هنا ثقيلة؛ فبحسب ما يتداول مقربون ومتابعون للملف، كانت ترتيبات سفره إلى نيويورك قد مضت بعيداً، بل إن جواز سفره، وفق هذه الروايات، لا يزال لدى السفارة الأمريكية بالقاهرة، فيما كانت الاستعدادات للرحلة قد قطعت شوطاً متقدماً. لذلك بدت عبارته في الاستاد أقرب إلى محاولة لقلب الإحراج إلى تحدٍّ، والحرمان من التأشيرة إلى قرار إرادي بالاستغناء عنها.
■ والأشد مفارقة أن الرجل الذي يقول اليوم إنه لا يريد تأشيرة ولا إذناً من أحد، كان قد تصرف قبل ذلك وكأنه ذاهب إلى نيويورك في زيارة سياسية كبرى؛ تجهيز وفد، واستعدادات بروتوكولية، وترتيبات سفر، وكل ما يحيط عادة بمثل هذه الرحلات. ثم، بعد أن تبدلت المعطيات، عاد إلى جمهوره بخطاب السيادة نفسه، كأن شيئاً لم يكن. هذه ليست قوة سياسية؛ بل محاولة لإعادة كتابة القصة بعد وقوعها، وتحويل الخسارة إلى بطولة خطابية. وحين يصبح الحاكم محتاجاً إلى إقناع الناس بأنه لم يكن يريد ما سعى إليه، فإن المشكلة لم تعد في التأشيرة وحدها، بل في صدقية الخطاب كله. ثم جاءت المفارقة الأشد قسوة على البرهان؛ فبحسب شهادات مباشرة من أشخاص كانوا داخل الاستاد، تعالت هتافات مناوئة له من بين الجمهور نفسه. وهنا انقلب المشهد الذي كان يفترض أن يرمم صورته بعد أزمة التأشيرة إلى صورة أخرى تماماً؛ الرجل الذي ذهب إلى الاستاد بحثاً عن حشد يملأ خلفية الكاميرا، وجد أصواتاً من داخل الحشد ترفض أن تتحول إلى ديكور سياسي. وبذلك اجتمعت في لحظة واحدة صورة الضغط الخارجي وهتافات الرفض الداخلي؛ واشنطن تضغط، والشارع الذي يُراد تقديمه باعتباره مؤيداً لا يسلّم بهذه الصورة بسهولة. والأخطر من ذلك أن البرهان لم يأتِ إلى الناس بخطاب جديد، ولا بمخرج للحرب، بل أعاد الأسطوانة نفسها؛ السيادة، والكرامة، والصمود، ورفض الضغوط، بينما يتمترس حول حرب يرفض استمرارها معظم السودانيين، وتتمسك بها قوى الإسلاميين باعتبارها آخر أبواب عودتهم إلى السلطة. وبينما ينتظر الناس خبراً عن وقف النار، وعن الطعام، والدواء، والعودة إلى البيوت، يعيد البرهان تدوير خطاب لا يغني ولا يسمن من جوع. عجباً لزمانٍ يصبح فيه الفشل انتصاراً، ورفض التأشيرة سيادة، وجمهور الآخرين شعبية، واستمرار الحرب بطولة.
■ وما يفعله البرهان اليوم يستدعي بصورة لافتة سنوات عمر البشير الأخيرة؛ ذلك الإصرار على مطاردة الحشود والمنصات، ورفع الصوت كلما ضاقت الخيارات، والبحث عن مشهد جماهيري يعوض ما يتراجع في السياسة. البشير فعل ذلك قبل سقوطه؛ كان يخطب، ويتحدى، ويرقص أحياناً فوق المنصات، بينما كانت الأرض السياسية تتحرك من تحته، وكانت ثورة ديسمبر تتشكل في وعي الناس قبل أن تنفجر في الشوارع. واليوم يبدو البرهان كأنه يعيد إنتاج الوهم نفسه؛ أن كثرة الظهور تعني كثرة التأييد، وأن الهتاف الرسمي يمكن أن يمحو الغضب المتراكم. لكن الثورة التي أطاحت بالبشير لم تكن لحظة عابرة حتى تُدفن بانقلاب أو حرب؛ إنها ما تزال تشتغل في قلوب أبطالها، وفي ذاكرة جيل عرف طريق الشارع ودفع ثمنه، ولن ينسى من انقلب على حلمه في الدولة المدنية. والخطر على البرهان ليس فقط أنه يشبه البشير في الخطاب؛ بل أنه يكرر خطأه الأكبر؛ الاعتقاد بأن السلطة تستطيع أن تهزم ذاكرة شعب. ثم يقول البرهان؛ “نقعد معاكم هنا نموت معاكم في البلد دي”. وهي عبارة قد تبدو عاطفية لمن يسمعها خارج سياق السنوات الماضية، لكنها تصبح ثقيلة حين تُقال لشعب جرّب الحرب والنزوح والجوع والموت. السودانيون لا يحتاجون من يعدهم بأن يموت معهم؛ يحتاجون من يمنع استمرار موتهم، ومن يشاركهم الحياة. ولا يحتاجون من يحول الفشل السياسي إلى بطولة لغوية، والضغط الدولي إلى معركة كرامة، والعزلة إلى قصة صمود. وظيفة القائد ليست أن يتغنى بالموت مع شعبه؛ بل أن يحمي حياة شعبه، ويوقف الحرب، ويعيد الدولة إلى طريقها الطبيعي.
■ وأزمة البرهان اليوم أكبر من تأشيرة، وأكبر من استاد، وأكبر من خطاب. أزمته أن سلطته نفسها ما تزال موضع نزاع، وأنه منذ انقلاب ٢٥ أكتوبر، ثم حرب ١٥ أبريل، ظل يراكم فوق أزمته أزمة؛ من فقدان الثقة داخلياً إلى الضغوط الخارجية، ومن الانهيار الاقتصادي إلى الكارثة الإنسانية. ولذلك يمكن فهم هذا الاندفاع نحو المنابر الجماهيرية بوصفه محاولة لتعويض خسارة السياسة بصورة شعبية. لكن الشرعية لا تُنتزع من المدرجات، ولا تصنعها كاميرا، ولا يمنحها جمهور جاء لمبادرة إنسانية أو فعالية شبابية. الشرعية إما أن تأتي من إرادة الناس في نظام دستوري مدني حر، أو تظل سلطة أمر واقع مهما علت الخطب وكثرت المنصات. أما السؤال الأهم بعد أزمة التأشيرة وخطاب البرهان المتحدي فهو؛ ماذا نتوقع من واشنطن الآن؟ المؤشرات المتاحة تقول إن الولايات المتحدة انتقلت من مرحلة المناشدات التقليدية إلى مرحلة رفع كلفة الرفض؛ وكلما استمر البرهان في مقاومة مسارات وقف الحرب والتسوية السياسية، يصبح من المرجح أن نرى مزيداً من العزل الدبلوماسي، والضغط على شبكات التمويل والدعم، وربما توسيع القيود والعقوبات على الأفراد والجهات التي تغذي الحرب. وليس من الدقة القفز إلى القول إن واشنطن قررت إسقاطه أو تغيير النظام بالقوة؛ لكن الواضح أن التعامل معه بوصفه شريكاً لا غنى عنه لم يعد أمراً مسلّماً به، وأن الولايات المتحدة تحاول تحويل رفض التسوية من موقف بلا ثمن إلى موقف تترتب عليه كلفة سياسية ودبلوماسية متصاعدة.
■ ولذلك فإن واقعة الاستاد لا يمكن فصلها عن أزمة التأشيرة، ولا عن تعبئة يوم الجمعة؛ فهذه كلها حلقات في قصة واحدة عنوانها بحث البرهان المتزايد عن شرعية تتهاوى. كلما اشتد الضغط الخارجي ارتفعت نبرة الحديث عن السيادة، وكلما اهتزت صورة الاعتراف السياسي ازدادت الحاجة إلى الحشود والصور والمنصات، وكلما فشلت محاولة في إنتاج مشهد تأييد جرى البحث عن مشهد آخر. لكن ما لا تستطيع أي كاميرا إصلاحه هو أن الشرعية ليست استاداً ممتلئاً، ولا شارعاً مزدحماً، ولا ظهوراً مفاجئاً وسط جمهور لم يأتِ من أجلك؛ الشرعية تنبع من رضا الناس، ومن مؤسسات وقواعد دستورية وإرادة حرة، لا من استعارة الحشود ثم إعادة تقديمها باعتبارها تأييداً سياسياً. وما لم يفهمه البرهان حتى الآن هو أن المشكلة ليست في قلة الأماكن التي يخطب منها، بل في أن الخطاب نفسه قد استُهلك، وأن السودانيين سمعوا كثيراً عن الكرامة والسيادة والانتصار، بينما رأوا بلادهم تنهار أمام أعينهم. ولذلك فإن مطاردة الجماهير لن تحل أزمة الشرعية، تماماً كما لم تنقذ البشير في سنواته الأخيرة. ومن فشل حشود الجمعة، إلى مدرجات استاد الخرطوم، إلى خطاب التأشيرة والكرامة، تتكرر القصة نفسها؛ رجل يبحث عن صورة تأييد، بينما أصل الأزمة أعمق من كل الصور. فالشرعية التي تضيع في الشارع وفي السياسة لا تُسترد من مدرجات امتلأت من أجل آخرين، ومن يعجز عن إقناع شعبه بمشروعه لن تمنحه الكاميرا تفويضاً لم يمنحه له الناس. أما ثورة ديسمبر، التي ظن البعض أنها انتهت، فما تزال حية في ذاكرة أصحابها، وما يزال حلم الدولة المدنية أقوى من كل محاولات استبدال الشرعية بصورة، والوطن بخطاب، والشعب بحشد عابر.
