بقلم : عمر المقبول
omernany@gmail.com
لم يكن الدكتور النور عبدالمجيد عابرًا في تاريخ الأكاديميا السودانية.
خريج جامعة الخرطوم، وأكاديمي درّس في جامعة الخرطوم وجامعة الملك سعود وجامعة حائل وجامعة القضارف. مسيرة علمٍ ومعرفة، ومنصّات تدريس، وطلاب تشكّلت عقولهم على يديه.
ثم جاءت الحرب… فقلبت المشهد رأسًا على عقب.
يقول الدكتور النور، وهو يقف وسط الفلفلية والأسود في السوق المركزي بالقضارف:
“أنا متماهي مع المشهد”
جملة قصيرة، لكنها محمّلة بكرامة لا تنكسر، وبصمودٍ لا يساوم. غادر منصة التدريس ليعمل بائع خضار، لا هروبًا من الشرف، بل تمسكًا به. آمن أن الكرامة لا تتبدل بتبدل المواقع، وأن العمل—أيًّا كان شكله—فعل مقاومة، وأن الأمل نورٌ لا تطفئه رياح اليأس مهما اشتدت.
لكن السؤال الأثقل من المشهد نفسه:
ماذا فعلنا نحن بالعلم؟ وماذا فعلت الدولة بقيمها؟
في السودان، تُرفع اليوم القونة—صاحبة الغناء الهابط—إلى مقام “الأستاذة”، تُستقبل في رئاسة الدولة، وتُفتح لها الأبواب، وتُمنح الرعاية.
وفي المقابل، يُترك الدكتور—صاحب السيرة الأكاديمية الرفيعة—ليصارع السوق، لا لأن العمل عيب، بل لأن الإهانة تكمن في قلب الموازين: حين تُكافئ الدولة التلميع وتُهمِّش المعرفة.
المشكلة ليست في الفن، ولا في بيع الخضار؛
المشكلة في وطنٍ خفّ ميزانه،
يرفع السطحية، ويكسر ظهر العلم،
ويطلب من طلابه أن يحلموا… ثم يسألهم: لماذا لا تحلمون؟
كيف تُقنع طالبًا بالذهاب إلى المدرسة،
وهو يرى الدكتور النور عبدالمجيد في سوق الخضار؟
سيجيبك، بلا تردد: “القرا شن عملو؟”
وهنا تكمن الفاجعة: حين يفقد التعليم وعده، وتخون الدولة رسالتها.
هذا ليس رثاءً لشخص، بل مرآة لوطن.
وإن كان الدكتور النور قد اختار الكرامة طريقًا،
فالسؤال الباقي لنا جميعًا:
متى نختار نحن أن نعيد للعلم قدره، وللأستاذ مكانته، وللوطن عقله؟
ياهو ده السودان…
بلدٌ لا يموت،
لكنه ينزف حين يُهان علماؤه.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم