باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 4 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
علاء خيراوي
علاء خيراوي عرض كل المقالات

من قلب أمريكا… شهادتي على ١١ سبتمبر

اخر تحديث: 12 سبتمبر, 2026 10:34 مساءً
شارك

علاء خيراوي
■ هاجرت إلى الولايات المتحدة عام ١٩٩٠، شابًا سودانيًا لم يمض على تخرجه من الجامعة سوى سنوات قليلة، وكانت نيويورك أول مدينة تحتضن غربتي. عشت في بروكلين نحو أربع سنوات، وهناك لحقت بي زوجتي، وهناك أيضًا وُلدت ابنتي الكبرى. كانت نيويورك بالنسبة لي أكثر من مدينة؛ كانت اكتشافًا يوميًا لعالم جديد. كنت مأخوذًا بمانهاتن، بجسورها وطرقها السريعة والاندرقراوند ( subway) وأنهارها وإيقاعها الذي لا يهدأ، وبقسوتها التي كان فيها، رغم كل شيء، شيء من الجمال. وكان وسط مانهاتن، حيث برجا مركز التجارة العالمي، واحدًا من الأماكن التي ارتبطت بها وجدانيًا. كنا نذهب إلى هناك من حين إلى آخر، أنا وزوجتي وابنتي الصغيرة، نمشي طويلًا ثم نجلس قرب الماء عندما يتعبنا السير. لم أكن أعرف أن المكان الذي احتفظت له بكل تلك الذكريات سيصبح بعد سنوات قليلة واحدًا من أكثر الأماكن حزنًا في ذاكرتي.

■ بعد أربع سنوات غادرت نيويورك إلى ولاية نيوهامبشير، في اقصى الشمال الشرقي، لمواصلة دراستي العليا، ثم استقرت حياتي هناك سنوات طويلة. كنت أعمل في شركة أمريكية في مجال تقنية المعلومات بمدينة توكسبري في ولاية ماساتشوستس. وفي صباح يوم الثلاثاء ١١ سبتمبر ٢٠٠١، صعدت إلى كافتيريا الشركة لتناول إفطار متأخر كالعادة، ثم عدت إلى الطابق الذي يقع فيه مكتبي. كان طابقًا كبيرًا، عشرات المكاتب تمتد على جانبي الممر حتى مكتبي في آخره. وما إن دخلته حتى شعرت بأن شيئًا غير طبيعي قد حدث؛ المكاتب فارغة تقريبًا، والناس اختفوا. تابعت السير حتى رأيتهم متجمعين حول شاشات التلفزيون في أحد المكاتب الكبيرة. كان بعضهم يبكي، وبعضهم يحتضن بعضًا، وعلى الوجوه خوف لم أر مثله من قبل. وصلت في اللحظات التي أعقبت اصطدام الطائرة الثانية بالبرج الآخر. عندها لم يعد ما يجري حادثًا؛ أدرك الجميع أن أمريكا تتعرض لهجوم.

■ سألت أحد زملائي؛ ماذا يحدث؟ “What’s going on؟” فنظر إليّ وقال والدموع تملأ عينيه؛ “We are under attack.” نحن نتعرض لهجوم. ولا أنسى تلك الكلمات إلى اليوم. وبينما كنت أنظر إلى الشاشات، قفز إلى رأسي خاطر لم أستطع دفعه؛ يا رب، لا يكون وراء هذا مسلمون. ربما كان ذلك بسبب أنني كنت أعيش في نيويورك عندما استُهدف مركز التجارة العالمي عام ١٩٩٣، وتابعت عن قرب قضية الجماعات التي اتُّهمت بذلك الهجوم وما تلاها من محاكمات. ولذلك، وبينما كان الآخرون يفكرون في البرجين والطائرات والموتى ومن سيهاجم أمريكا بعد ذلك، كنت أفكر أيضًا في شيء آخر؛ ماذا سيحدث للمسلمين في أمريكا إذا ثبت أن منفذي هذا الهجوم مسلمون؟

■ لم يطل الانتظار. خلال ساعات وأيام تحولت الشاشات الأمريكية إلى سيل لا ينقطع من الحديث عن الإرهاب والخلايا النائمة واحتمالات وجود أشخاص بين الناس يستعدون لهجمات أخرى. ولم يكن الأمر مقتصرًا على إعلام يميني متطرف؛ المناخ العام كله كان مشحونًا بالخوف. كانت الرسالة التي يسمعها الأمريكي مرارًا؛ ربما يكون الخطر قريبًا منك؛ ربما يكون جارك، أو زميلك في العمل، أو الرجل الذي تتعامل معه كل يوم. وفي مثل ذلك المناخ لا يحتاج الشك إلى دليل كي ينمو.

■ كنت آنذاك قد أمضيت نحو عامين في الشركة، وترقيت خلالها مرتين، وهو أمر لم يكن معتادًا في تلك الفترة القصيرة. كانت علاقتي بزملائي ممتازة، وكنت مندمجًا في بيئة العمل بصورة كاملة. كانوا يعرفون أنني مسلم، يعرفون أنني أصلي، وأن لدي مكانًا أستخدمه للصلاة، وأنني أخرج يوم الجمعة إلى المسجد. قبل ١١ سبتمبر لم تكن تلك المعلومات تعني لهم شيئًا أكثر من كونها جزءًا من الشخص الذي يعرفونه. بعد ١١ سبتمبر تغير معناها فجأة.

■ بدأ الناس يبتعدون. توقفت الأحاديث العابرة، والزيارات الودية إلى مكتبي، ثم توقف المدير عن إسناد المشروعات إليّ، حتى وجدت نفسي أجلس في مكتبي أيامًا بلا عمل حقيقي. لم أغضب منهم بقدر ما شعرت بالحزن. كنت أرى الخوف يعمل داخلهم، وأعرف من أين يأتي. ذهبت إلى مديري وقلت له إنني أفهم أن المشاعر ملتهبة، وإن الجميع يعيشون صدمة لا سابق لها، وإنني أشعر بما يحدث حولي. وطلبت أن آخذ إجازتي السنوية لبعض الوقت. كان صريحًا معي. قال لي، بمعنى كلماته؛ نحن نثق بك، ولكن اذهب لبعض الوقت حتى تهدأ النفوس ويخف الخوف، ثم عُد وسنرى، ولكن عيناه كانت تقولا شيئًا مختلفاً.

■ ولم يكن ما جرى في الشركة هو المواجهة الوحيدة التي عشتها في تلك الأيام. كنت، إلى جانب عملي في شركة تقنية المعلومات في ماساتشوستس، أدرّس طلاب جامعيين مساءً في إحدى الكليات بمدينة ناشوا في نيوهامبشير، وهي كلية كان معظم طلابها من دارسي الطيران، وكان عليهم ضمن برنامجهم أن يدرسوا بعض مقررات إدارة الأعمال. كنت أدرّس لهم مادة الاقتصاد الإداري، Managerial Economics، من السادسة مساءً حتى العاشرة، ثلاثة أيام في الأسبوع، وكنت أفعل ذلك منذ نحو عامين قبل أحداث ١١ سبتمبر.

■ كانت علاقتي بطلابي طيبة جدًا، مثل علاقتي بزملائي في العمل؛ علاقة أستاذ بطلاب يعرفونه ويعرفهم، وفيها قدر كبير من الاحترام والألفة. لكن بعد الهجمات، وفي حدود الأسبوع الأول أو الثاني، تبدّل كل شيء تقريبًا. كانت أمريكا قد بدأت تتجه نحو الحرب في أفغانستان، والغضب في الشارع بلغ ذروته، وبعض طلابي كانوا قد قرروا التطوع للالتحاق بالقوات المسلحة والمشاركة في الحرب المقبلة. كانوا شبابًا صغار السن، ومشاعرهم مشتعلة، والغضب والخوف والرغبة في الانتقام تختلط كلها في لحظة واحدة.

■ بدأ بعضهم يوجه لي كلامًا شخصيًا قاسيًا، لا باعتباري أستاذهم الذي عرفوه قبل أسبوع، وإنما باعتباري مسلمًا في زمن أصبح فيه كثيرون يخلطون بين الإسلام وبين الذين ارتكبوا الهجمات. ثم قرر سبعة منهم الانسحاب من الكورس دفعة واحدة. كان ذلك مؤلمًا جدًا بالنسبة لي. لم تكن المسألة مجرد سبعة طلاب غادروا مقررًا دراسيًا؛ كانت بالنسبة لي إشارة أخرى إلى السرعة المخيفة التي يستطيع بها الخوف أن يبدل صورة إنسان في أعين من يعرفونه. قبل أيام فقط كنت أستاذهم، يناقشونني في الاقتصاد والإدارة، ويجلسون أمامي أربع ساعات في المساء بلا مشكلة. وفجأة أصبح اسمي وديني جزءًا من المشهد الذي يريدون الابتعاد عنه.

■ ومع ذلك لم أغضب منهم، ولم ألومهم. كنت أرى أعمارهم، وأرى البلاد كلها وهي تعيش صدمة لم تفهم أبعادها بعد، وأدرك أن بعضهم كان يستعد فعلًا للذهاب إلى الحرب. لكن التفهم لا يلغي الألم. كانت تلك من أكثر لحظات تلك الفترة قسوة؛ لأنني شعرت للمرة الثانية خلال أيام قليلة أن علاقة بنتها سنوات يمكن أن تهتز في لحظة واحدة بسبب جريمة لم أرتكبها، ولا أعرف مرتكبيها، ولا أشترك معهم إلا في اسم دين واسع يضم أكثر من مليار إنسان.

■ وكان بين زملائي في العمل رجل اسمه براين ثورنتون. لم يكن مجرد زميل؛ كان صديقًا حقيقيًا. دخلنا دورات مهنية معًا، وكانت مكاتبنا متقاربة، نتناول الغداء معًا، ونخصص يومًا في الأسبوع للخروج إلى أحد المطاعم القريبة. كان يسكن قريبًا من منزلي، متزوجًا من إندونيسية، وكان رجلًا متدينًا يذهب إلى الكنيسة بانتظام. خرجنا مع أطفالنا في رحلات، وتبادلنا الزيارات، ونشأت بين أسرتينا علاقة جميلة. ثم جاء ١١ سبتمبر، وفجأة اختفى براين من حياتي. لم يعد يأتي إلى مكتبي، ولا يتحدث معي كما كان يفعل. تركت له الوقت. وبعد أن هدأت الصدمة قليلًا ذهبت إليه وقلت؛ نحتاج ان نتحدث “We need to talk.” أخذته إلى الغداء وسألته مباشرة عما حدث. عندها قال لي شيئًا ظل عالقًا في ذاكرتي. قال إن القس في كنيسته نصحه بألا يثق بالمسلمين، وألا يقيم صداقات معهم، لأن المسلم، بحسب ما قيل له، إذا أمره أسامة بن لادن يومًا بأن يهاجمك فسيفعل. لم أغضب من براين بقدر ما أحزنني أن سنوات من المعرفة الشخصية والصداقة والطعام المشترك والرحلات والأطفال يمكن أن تهتز في ساعات أمام قوة الخوف.

■ وبالعودة الي الاسبوع الاول من الاحدث، وفي الجمعة ١٤ سبتمبر، قررت أن لا أبقى في منزلي غاضبًا او خائفاً من أمريكا، فعلت شيئًا ربما كان يبدو غريبًا في ذلك الوقت وغير متوقع. استأجرت سيارة واتجهت إلى نيويورك في رحلة ٥ ساعات متواصلة. ذهبت إلى مانهاتن، إلى المكان الذي كنت أعرفه وأحبه، إلى حيث كنت أجلس يومًا مع زوجتي وابنتي قرب البرجين. وصلت إلى مكان البرجين، Ground Zero بينما كانت النيران لا تزال مشتعلة والدخان يملأ المكان. كان أفراد الحرس الوطني ورجال الإطفاء والمتطوعون في كل مكان. تطوعت معهم، وحملت عبوات المياه الباردة على ظهري وبدأت أوزعها على العاملين في الشوارع وبين الأنقاض. التقطت صورًا كثيرة وسجلت فيديوهات ضاعت للأسف بعد سنوات أثناء انتقالنا إلى قطر. لكن الصور الأهم لم تضع؛ بقيت في رأسي.لم أذهب إلى هناك لأثبت لأحد أنني بريء. ذهبت أولًا لأن ذلك المكان كان قطعة من حياتي وذكرياتي، وأردت أن أراه بعيني وأفهم ماذا جرى للمكان الذي كنت أحبه. وذهبت لأنني أردت أن أكون جزءًا من اللحظة التي عاشتها البلاد التي وفرت لي كل سبيل من العيش الكريم، لا مجرد متفرج عليها.

■ ولكن كان هناك سبب ثالث، ربما كان الأكثر شخصية. كانت ابنتي الكبرى وابنة أخي ما تزالان صغيرتين في المدرسة. وكنت أعرف أن أسماء الأطفال المسلمين ووجوههم وعائلاتهم ستصبح فجأة موضع أسئلة ربما لا يفهمونها. وكانت الأخبار تتوالى بالفعل عن مضايقات واعتداءات لفظية وجسدية يتعرض لها مسلمون وأطفال مسلمون في أنحاء البلاد. لذلك عدت من نيويورك ومعي الصور التي التقطتها، وذهبت إلى المدرسة. طلبت مقابلة مشرفة الفصل. شرحت لها الامر وقدمت لها الصور، ثم طلبت أن أتحدث إلى الأطفال. لم أقل لهم؛ أنا مسلم وقد ذهبت لأثبت لكم أن المسلمين ليسوا أشرارًا. لم أكن أريد أن أدخل ذلك المنطق أصلًا. قلت لهم ببساطة إنني كمواطن أمريكي ذهبت إلى نيويورك، ورأيت ما حدث، وتطوعت لمساعدة الذين يعملون هناك. أريتهم الصور، وحكيت لهم ما رأيت، وقدمت للمدرسة حتى الكمامة التي كنت أرتديها وسط الدخان. كان يومًا شديد التأثير؛ وبعده عادت ابنتي وابنة اخي إلى البيت تحكيان لي، بفرحة الأطفال، أنهما أصبحتا في المدرسة مثل النجمتين؛ هذا أبو سارة وعم رؤى الذي ذهب إلى نيويورك وساعد الناس هناك. ربما كانت تلك اللحظة واحدة من أجمل الإجابات التي قدمتها في حياتي على الكراهية والخوف؛ لا بمحاضرة عن الإسلام، ولا بمجادلة أحد حول الإرهاب، وإنما بفعل بسيط يقول إن الألم الإنساني لا يسأل عن اسمك ولا عن دينك قبل أن يطلب منك أن تمد يدك.

■ وفي نيوهامبشير كانت تجربة أخرى تتشكل. في الأسبوع الثاني بعد الهجمات زار مسؤولون في الولاية تتقدمهم حاكمة الولاية وأجهزة الأمن ووسائل اعلام محلية المسجد، وكانت الرسالة واضحة؛ اخرجوا من عزلتكم وتحدثوا إلى المجتمع من حولكم. كانت هناك فجوة حقيقية؛ كثير من المسلمين من الجيل الأول لم يكونوا مندمجين بما يكفي، وكان حاجز اللغة يزيد المسافة بينهم وبين محيطهم.

■ كان التجمع كبيرًا، لكن الجو كان ثقيلًا بصورة يصعب وصفها؛ خوف، وصدمة، وحزن، وتوجس متبادل. وكان بعض جيران المسجد قد أبلغوا الأجهزة الأمنية صراحة أنهم أصبحوا يخافون من المسجد ومن الذين يرتادونه بعد ما حدث. أُعطيت للحضور فرصة للحديث، وفي لحظة من اللحظات قامت امرأة من وسط الجمع وقالت إن لديها شيئًا تريد أن تقوله. كانت تمشي بصعوبة وتستند إلى عكازين. وما زلت أسمع إلى اليوم صوت العكازين وهما يضربان أرض المسجد؛ طق… طق… طق. كانت تتقدم ببطء شديد نحو مكان الحديث، وكل العيون معلقة بها. كان المسجد ساكنًا إلى درجة أنك تكاد تسمع أنفاس الناس. لم يكن أحد يعرف ماذا ستقول، وكان التوتر يومها يجعل كل كلمة محتملة تبدو ثقيلة قبل أن تُقال. وصلت أخيرًا، ووقفت أمامنا والدموع في عينيها. حاولت أن تتحدث، لكن الكلمات كانت تخرج بصعوبة من شدة تأثرها. قالت إنها جارة للمسجد، وإنها ظلت سنوات ترانا نأتي إلى الصلاة يوم الجمعة، وأحيانًا في المساء، بملابسنا وأزيائنا الملونة، وإنها كانت تنظر إلى ذلك المشهد بألفة واطمئنان. ثم قالت؛ بعد ١١ سبتمبر تغيّر كل شيء في داخلها. كانت تعيش وحدها، وبدأ الخوف يطاردها حتى في نومها. قالت إنها كانت تستلقي ليلًا وتتخيل أن واحدًا من هؤلاء المسلمين الذين يأتون إلى المسجد قد يقتحم منزلها ويقتلها. كانت كلماتها صادمة بالنسبة لي إلى درجة يصعب وصفها. لم تكن امرأة متطرفة جاءت لتهاجمنا، ولم تكن تحمل كراهية ظاهرة. كانت فقط إنسانة خائفة، وقد استطاع الرعب الذي صنعته تلك الأيام أن يحول جيرانًا اعتادت رؤيتهم لسنوات إلى أشخاص تتخيل أنهم قد يأتون لقتلها وهي نائمة. عندها فهمت، بصورة أعمق مما فهمت من نشرات الأخبار كلها، ماذا يستطيع الخوف أن يفعل بالعقل البشري عندما تُغلق أبواب المعرفة ويملأ الإعلام الفراغ. ثم قالت وهي لا تزال تبكي إنها جاءت إلى المسجد ذلك اليوم خائفة، لكنها الآن تشعر بأنها أفضل، وأن خوفها أصبح أقل. وشكرت الحاكمة وكل من نظم ذلك اللقاء، ثم التفتت إلينا وقالت شيئًا بقي معي كل هذه السنوات؛ إنها تريد أن ندعوها مرة أخرى، وأن تأتي أكثر، وأن تستمع إلينا وتتحدث معنا حتى تعرفنا بصورة أفضل. ربما كانت تلك المرأة، دون أن تدري، قد لخصت لنا المهمة التي كانت تنتظرنا جميعًا. لم تكن المشكلة أن بيننا وبين جيراننا عداوة؛ المشكلة أن بيننا وبينهم فراغًا، وحين دخل الخوف ذلك الفراغ ملأه بأسوأ الاحتمالات. ومنذ تلك اللحظة أدركت أن أفضل دفاع عن أنفسنا لم يكن أن نقول للناس؛ لا تخافوا منا، وإنما أن نفتح الأبواب، ونجلس معهم، ونجعلهم يعرفوننا كما نحن. فالإنسان كثيرًا ما يخاف ما لا يعرفه، لكن المعرفة تستطيع، أحيانًا، أن تهزم خوفًا صنعته أكبر مأساة.

■ بعدها تشكلت لجنة في المسجد، وكنت واحدًا من المتحدثين باسم الجالية المسلمة في نيوهامبشير وشمال شرق الولايات المتحدة. وبدأنا بالتعاون مع الكنائس والجالية اليهودية مشروعًا للحوار بين أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث وعملنا تحت فكرة نداء سميّ “أبناء إبراهيم”. خرجنا إلى المدن والتجمعات، ووقفنا أمام تجمعات شملت عدة ولايات، لالاف الأمريكيين الذين لم يكونوا يبحثون عن خطب دينية بقدر ما كانوا يبحثون عن إجابة لسؤال واحد بسيط وقاسٍ؛ هل أنتم معنا أم ضدنا؟
كنا نقول لهم إن الذين نفذوا الهجمات لا يمثلوننا، وإن الإرهاب الذي يقتل الأمريكي في نيويورك هو نفسه الذي قتل المسلمين في بلدانهم، وإن ضحايا التطرف لا دين واحد لهم. لكن الأكثر تأثيرًا لم تكن النظريات؛ كانت القصص. كنا نحكي لهم عن أسرنا وأطفالنا وأعمالنا وحياتنا، وكانوا يحكون لنا عن خوفهم وأسئلتهم. نقلت الصحف والمحطات المحلية تلك اللقاءات، ونشأت علاقات لم تكن موجودة من قبل. وخلال الأشهر التالية كانت نيوهامبشير، مقارنة بكثير من الأماكن الأخرى، أكثر هدوءًا في علاقتها بجاليتها المسلمة. لم يُهاجم مسجدنا، ولم نشهد موجة الاعتداءات التي شهدتها مناطق أخرى، وخرجت أنا شخصيًا من تلك المحنة بصداقات لا أزال أحتفظ ببعضها إلى اليوم.

■ أما صديقي براين ثورنتون، فكانت قصتنا هي الأخرى تحتاج إلى وقت. مرت الشهور، وهدأ الخوف، وعادت المعرفة الشخصية لتنتصر شيئًا فشيئًا على الصورة التي صنعها الذعر. أصبحت علاقتنا بعد ذلك أكثر قربًا مما كانت عليه قبل ١١ سبتمبر. وعندما غادرت الولايات المتحدة للعمل في قطر، أرسل لي براين رسالة لن أنساها. قال لي، بمعنى كلماته؛ “Go and teach those guys that we are not their enemy.” اذهب وقل لأولئك إننا لسنا أعداءهم.

■ ربما لا يعرف براين أن تلك الجملة اختصرت لي تجربة ١١ سبتمبر كلها. في صباح ذلك اليوم كان بعض الأمريكيين ينظرون إليّ ويسألون في داخلهم؛ هل هذا الرجل واحد منا أم واحد منهم؟ وبعد سنوات كان صديقي الأمريكي يرسلني إلى الجزء الآخر من العالم حاملًا السؤال نفسه في الاتجاه المعاكس؛ قولوا لهم إننا لسنا أعداءهم. وبين السؤالين عشت درسًا لم أنسه؛ أن الخوف يستطيع في لحظة أن يهدم جسورًا بنتها سنوات، لكن الإنسان يستطيع أيضًا أن يعيد بناءها. وأن أخطر ما يفعله الإرهاب ليس قتل الأبرياء وحدهم، وإنما إقناع الأبرياء على الجانبين بأنهم أعداء بعضهم بعضًا.

■ ولعل ما يؤلمني كلما عدت بذاكرتي إلى ذلك اليوم أن أمريكا التي عرفتها قبل ١١ سبتمبر لم تعد هي أمريكا التي عاشت بعده. قبل ذلك اليوم كانت، في تجربتي، أكثر براءة وانفتاحًا وثقة بالعالم؛ تستقبل القادم إليها بفضول أكثر من الشك، وتحتفي بالاختلاف باعتباره جزءًا من قوتها، لا خطرًا على أمنها، وتفتح أبوابها للغريب وكأنها تقول له؛ تعال وكن جزءًا من هذه الحكاية. كانت أكثر بساطة في ثقتها بنفسها، وأكثر تصالحًا مع تنوعها، وأقل خوفًا مما لا تعرفه. ثم جاء ١١ سبتمبر، ولم يسقط برجا مركز التجارة العالمي وحدهما؛ سقط معهما شيء عميق في الروح الأمريكية. دخل الخوف إلى البيوت والمطارات وأماكن العمل والمدارس، وتسرب الشك إلى العلاقات اليومية، وأصبحت البلاد التي كانت تنظر إلى العالم بعين الواثق تنظر إليه بعين المتوجس. ومنذ ذلك اليوم صارت أمريكا أكثر حذرًا، وأكثر قلقًا، وأقل براءة.وربما كانت تلك أكبر هزيمة ألحقها الذين قرروا ان يقوموا بذلك الفعل القبيح في صبيحة يوم الثلاثاء ١١ سبتمبر ٢٠٠١؛ كانوا رجال بن لادن ام لم يكونوا. لم ينتزعوا أرواح آلاف الأبرياء فقط، بل نجحوا أيضًا في انتزاع شيء من الطمأنينة التي كانت تسكن هذا البلد. ومن عرف أمريكا قبل ١١ سبتمبر وبعده، يعرف أن الذي تغيّر لم يكن قوانين الأمن ولا أبواب المطارات وحدها، بل تغيّر شيء في النفس نفسها؛ شيء لا أظنه عاد كاملًا كما كان. في ١١ سبتمبر سقط البرجان. لكن بالنسبة لي، كانت المعركة التي بدأت في ذلك اليوم هي ألا تسقط الجسور أيضًا.

khirawi@hotmail.com

Author
علاء خيراوي

علاء خيراوي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
رواية جديدة لليلى أبو العلا بعنوان ” A New Year”
Uncategorized
السودانيون والامبريالية.. العقل السياسي المستلب!
منبر الرأي
كارثية سياسة التحرير الاقتصادى .. بقلم: عصام جزولي
الأخبار
اتفاق بين الحكومة وقادة مسار دافور حول ملف الخدمة المدنية
منبر الرأي
تحرر جبران خليل جبران من قيود الطائفية بصوفية أرم ذات العماد (يدخلها بعض أمتي) 2_2 .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الصندوق القومي لرعاية/دعم الطلاب نموذج للفساد في السودان! .. بقلم: موسى بشرى محمود على

طارق الجزولي
منبر الرأي

العار العار فى سرقة البحوث العلمية: الى معالى وزيرة التعليم العالي البروف انتصار صغيرون .. بقلم: مهندس مستشار محمد صلاح الزين

طارق الجزولي
منبر الرأي

إنا إلى الديمقراطية راجعون

أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم
منبر الرأي

مقتطفات من قصة تاجر الرقيق والسلطان الزبير باشا .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss