muhammedbabiker@aol.co.uk
د. محمد عبدالله
عندما ظهر الفيروس في أواخر عام 2019 في مدينة ووهان الصينية، لم يكن في حسبان أحد أن العالم مقبل على عاصفة غير مسبوقة. في غضون أشهر قليلة، اجتاحت كورونا القارات كلها، وتركت وراءها ملايين المصابين ومئات الآلاف من الضحايا، ووضعت الأنظمة الصحية أمام امتحان لم تشهد له مثيلا منذ عقود. كانت المشاهد الأولى قاسية: أسرّة العناية المركزة مكتظة، وأطباء وممرضات يعملون حتى الإنهاك، وعائلات تودع أبناءها من خلف زجاج العزل من دون أن تلمس أيديهم. في تلك اللحظة العصيبة، بدا الخوف شعورا إنسانيا خالصا، خوفا من عدو لا يرى لكنه حاضر في كل زاوية.
وسط هذا الظلام، انطلق سباق علمي غير مسبوق. باحثون من جامعات ومختبرات وشركات أدوية في قارات مختلفة جمعوا خبراتهم، واختصروا زمنا كان يستغرق سنوات إلى أشهر، من دون التخلي عن قواعد السلامة والتجارب السريرية المتدرجة. خلال عام واحد فقط، ظهرت لقاحات عدة أثبتت فعاليتها في الوقاية من المرض الشديد ومضاعفاته. لم تعد البشرية رهينة المناعة الطبيعية أو الإغلاق الكامل؛ صار لديها درع واق يحد من الخطر.
ومع بدء حملات التطعيم، بدأت المؤشرات الإيجابية تتضح. انخفضت نسب دخول المستشفيات، خصوصا بين كبار السن وذوي الأمراض المزمنة. تراجعت الوفيات، وعادت المدارس والأسواق والمطارات إلى العمل تدريجيا. لم يكن ذلك انتصارا مطلقا على الفيروس، لكنه كان تحولا حاسما في مسار الجائحة. ملايين الأرواح حميت، ليس بشعار سياسي ولا بخطاب عاطفي، بل بحقنة صغيرة استندت إلى علم تراكمي طويل.
ومع ذلك، لم يكن هذا الإنجاز خاليا من التساؤلات، ولا ينبغي له أن يكون كذلك. كل تدخل طبي، مهما بلغت أهميته، يخضع للفحص والمراجعة. ظهرت آثار جانبية معروفة، معظمها بسيط ومؤقت: ألم في موضع الحقن، إرهاق عابر، ارتفاع طفيف في الحرارة. وفي حالات نادرة جدا، سُجل التهاب في عضلة القلب، خصوصا بين بعض الذكور الشباب بعد الجرعة الثانية. لكن الدراسات الواسعة التي تابعت ملايين المطعمين أظهرت أن هذه الحالات قليلة للغاية، وأن أغلب المصابين تعافوا بشكل كامل. كما بينت الأبحاث أن خطر التهاب القلب والمضاعفات القلبية عموما أعلى لدى من يصابون بالفيروس نفسه من غير المطعمين.
أكثر ما أثار الجدل لم يكن هذه الآثار الموثقة، بل الربط الذي انتشر على منصات التواصل بين التطعيم وحالات الوفاة المفاجئة. كلما توفي شاب بصورة غير متوقعة، ارتفعت أصوات تقول إن السبب هو اللقاح. غير أن الوفاة المفاجئة ليست ظاهرة جديدة. قد تنجم عن اضطرابات كهربائية في القلب لم تكن معروفة، أو عن جلطات، أو عن أمراض وراثية صامتة. الدراسات الوبائية التي أجرتها مؤسسات صحية مرموقة في دول عدة لم تجد زيادة ذات دلالة في معدلات الوفاة المفاجئة بين المطعمين مقارنة بغير المطعمين. هنا ينبغي التمييز بين التزامن الزمني والسببية. أن يحدث أمران في الفترة نفسها لا يعني أن أحدهما سبب الآخر.
العقل البشري، عندما يواجه فاجعة، يبحث عن تفسير قريب وواضح. هذا ميل مفهوم. لكن العلم لا يبنى على الانطباعات، بل على بيانات واسعة وتحليل دقيق. ولو كان هناك خطر واسع النطاق مرتبط باللقاحات لظهر في الإحصاءات الوطنية والدولية التي تراقب بدقة كل حدث صحي غير اعتيادي.
وفي خضم هذا النقاش، انتشرت تصريحات منسوبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب تزعم أنه وصف اللقاحات بأنها قاتلة أو خطرة على المدى الطويل. بالعودة إلى المصادر الموثوقة، لم تصدر عنه مثل هذه التصريحات في سياقات رسمية مثبتة. ما جرى تداوله كان في الغالب مجتزأ من سياقه أو محرفا. في مناسبات عدة، تحدث ترامب عن دور اللقاحات في مواجهة الجائحة، مع دعوات إلى مزيد من الشفافية في عرض البيانات، وهو نقاش دار داخل الأوساط السياسية والعلمية على حد سواء. تحويل هذا الجدل إلى موقف قاطع ضد العلم لا يعكس الصورة الكاملة.
لسنا أمام خيار بين الخوف والتجاهل، بل بين خوف أعمى وخوف واع. من حق الناس أن يسألوا، ومن واجب المؤسسات أن تجيب بوضوح. لكن تحويل القلق إلى يقين غير مستند إلى دليل يضر بالمجتمع كله، لأنه يقوض الثقة في أدوات أثبتت فعاليتها.
لقد علمتنا الجائحة درسا قاسيا: الهشاشة جزء من إنسانيتنا، لكن كذلك قدرتنا على التعلم والتعاون. اللقاح لم يكن عصا سحرية، ولم يكن خاليا من العيوب، لكنه كان خطوة علمية أنقذت حياة الملايين وقلصت حجم المأساة. أما الربط التلقائي بين كل وفاة مفاجئة والتطعيم، فهو تبسيط مخل لا يخدم الحقيقة ولا يواسي الفاقدين.
في زمن تختلط فيه الأخبار بالشائعات، ربما يكون أهدأ ما يمكن أن نفعله هو أن نمنح العلم وقته، وأن نمنح عقولنا فرصة للتمييز. الأمل لا يلغي الخوف، لكنه يضعه في حجمه الطبيعي. وبين الخوف والأمل، اختارت الإنسانية أن تراهن على المعرفة، وكان ذلك، حتى الآن، خيارا صائبا.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم