من كونداليزا رايس إلى جون غرنغ

aloomar@gmail.com
بقلم عمر العمر
نقلا عن العربي الجديد
منذ وعد وزيرة خارجية أميركا كوندليزا رايس في العام ٢٠٠٦ بتشكيل شرقُ أوسطٍ جديد لاتزال واشنطن وعواصمُ غربية و عربية تلح في الأسئلة بحثًا عنه . فلا شرقَ أوسطِ تشكّل ولا عاصمةً تدرك ملامح أو موعد تخليقه. فقط الفرضى العنفُ المسلّح يزدهران في المنطقة . فصولُ التدمير تتوالى من شوارع بغداد إلى أحراش لبنان ثم أزقة غزة . العنف المسلح لم يقتصر على آليات الحرب الأميركية-الإسرائيلية. -بل تورْطت أيادٍ عربية في لعبة العنف القذرة و مستنقع الدم .بقعُ الصراع اللاعقلاني واللاخلاقي انتشرت في مصر ،ليبيا اليمن والسودان . قسمات الشرق العتيق تهشّمت لكن ملامح الشرق الجديد لم تتبلور بعد . عناصر الأطماع في الشرق الأوسط تتصاعد على موقعه،وفرص الاستثمار في خيراته فوق الارض وفي باطنها و أسواقه وفوائضه المالية . لذلك هو فضاءٌ مفتوح للسباق والتنافس . لهذا تتدخل روسيا بطموحها الرأسمالي والصين بنهمها في غمر الأسواق كثيرة التنوع غزيرة الانتاج رخيصة الأثمان بما في ذلك منتجاتها البشرية. السودان واحدٌ من حقول المنطقة الخصيبة المنفتحة لرياح كل تلك الأطماع.

كما في بلدان المنطقة توجد في السودان قوى تطمح إلى التغيير . مثل كل تيارات الخير والتقدم والجمال ترغب في صناعته  . هي تود ان تكون فاعلةً وترفض أن تكون مضافةً. كذلك هناك تيارات لا تكتفي بالممانعة ضد التغيير لكنها لا ترفض المشاركة في عمليات التدمير . هذه ليست معضلة السودان وحده . كما أنها ليست معضلته الوحيدة . فالتقدم نحو الخير في حياة الشعوب يتم انجازه عبر الحوار  ليس بالتناحر  . كما أنه لا يٌنجز تحت الضغوط الخارجية . الاسلام السياسي يجسد أحد أبرز المحاور  الملتهبة على خارطة التغيير في الشرق الاوسط الراهن . على الرغم من غلبة العلمنة على العلاقات الدولية فان رهط الإسلام السياسي يصرون على تلبيس الصراع في  المنطقة و عليها كساءاً دينيا .كأنهم لا يريدون عمداً مع كل الاصرار تبرئة الدين  من أراجيف السياسة، الاقتصاد ، الثقافة و العسكر.

لولا إخفاق التيارات السياسية والفكرية في إحداث التغيير المنشود لما تكالبت القوى الاجنبية على خيرات المنطقة و استوطأت شعوبها. في صدارة عناصر الاخفاق يأتي التكبر والصلف إذ لا ترفض هذه التيارات ممارسة فروض المراجعة والنقد الذاتي . بل تجنح دومًا إلى فرضيات التآمر ،المؤامرة والمتآمرين . بفعل استشراء هذه العاهة والخمول الفكري سهُل تحويل كل الوطن من مرمى التهديد إلى منبت التهديد على السلم الإقليمي و الدولي . أكثر من ذلك جرى دمغ الاسلام بالإرهاب بدلًا عن كونه عقيدة التسامح والاخاء . هكذا ساهم الإسلام السياسي في تعقيد العلاقة بين المواطن والوطن فلم يعد الجدل وقفا عند مسألة فصل الدين عن الدولة. بل أقحم الدولة في إشكاليات الفصل بين مُثل الدين و الممارسات الدنيوية .هكذا حمّلوا الإسلام من اللحاجة والتنطُّع أثقل مما ينبغي لهم ،بل مما هو براء.

هذه الصورة المشوهة أكثر رسوخًا في السودان أذ تدرّج الحال العام من التماسك الوطني إلى التمزق . الأنظمة العسكرية المتعاقبة عطّلت آليات الحوار المتكافئ .عهد الانقاذ أضاف تعطيل مفهوم المواطنة على مستوياتها الثلاث ؛المدنية ،السياسية والاجتماعية حسب توصيف عالم الاجتماع البريطاني توماس مارشال . فالنظام صادر حرية التفكير ،الاعتقاد والتعبير . كما صادر حرية المواطن في صناعة السياسة . أسوأ من ذلك ذهب إلى احتكار فرص الرفاه الاقتصادي والسلم الاجتماعي .هذا التعسف الممنهج أفضى إلى تحلل العلاقة بين المواطن والدولة . في هذا الفالج نبتت أحراش العنف و التحقير و الكراهية فتشكلت بؤر العنف المضاد .لا فرق بين ما نجم على نحو تلقائي أو ما تشكّل بنهج مُصنّع . المواطنة أكثر المفاهيم المتضررة بهذه التراكمات . هذا الخلل ليس حكرًا على العلاقة بين المواطن والدولة.بل في مفاهيم بُنى ومقومات الدولة الوطنية نفسها .هذا الارتباك في الداخل دفع الدولة إلى علاقات خارجية مشوبة بالاختلال . تلك ممارسات دفعت الوطن بأسره لجهة أزقة سياسات المحاور الداخلية والخارجية الضيقة، فانزلقت إليها التشكيلات السياسية المدنية والعسكرية .
النتيجة انفجار من الداخل بفعل تراكمات الاحباطات الناجمة عن سوء الادارة .فرفعُ السلاح في وجه الدولة تزامن مع تصاعد معدلات البطالة ، الفساد، الجريمة ، والهجرة.النظام نفسه لم ينج من مظاهر التشقق والتفسخ والتفكك . الجنجويد لم (يخرج من رحم الجيش) كما يقال .بل هو من رحم النظام المسكون بالارتباك و الخوف . هو نطام عاجز تمامًا عن ادراك حتمية معالجة أزماته المستفحلة بخيارات التغيير و الديمقراطية .ربما لأن ولادة مشروع التغيير جاءت قسريًا و قيصريًا لم يأت الوليد في عنفوانه . بل خرج إلى الحياة مسكونًا بجينات البيئة السياسية غير المعافاة . فالحاضنة -كما يقال- هي الاخرى مأزومة بفيض من العلل فلم تحسن حضانته فتعينه على الصمود أو تقوى هي نفسها على التماسك و الثبات.فكما لا يزال الشرق الاوسط يبحث عن الشرق الجديد حسب وعد كونداليزا رايس يزال السودانيون نادمين على إجهاض فرصة انجاز حلم جون غرنغ (السودان الجديد) .

وعد كونداليزا رايس أغرق الشرق الاوسط في فوضى امست عصية على الاحتواء والسيطرة حتى على الاميركيين أنفسهم .حلم غرنغ بسودانٍ موحّد ينعم بالمساواة والعدل والسلام يتبدد فقط .بل غرق الوطن في مستنقع الكراهية ، التشرذم والاحتراب وفرار الشعب إلى المجهول .في الحالتين يغلب اليأس الأمل والاكتئاب التفاؤل!

عن عمر العمر

عمر العمر

شاهد أيضاً

السودان وإيران في مرايا التاريخ

بقلم عمر العمرنقلا عن العربي الجديدaloomar@gmail.com في مرايا التاريخ كثيرٌ من المشاهد ذات الملامح المتشابهة …