من ملاعب الكرة إلى منصات دافوس..تجلي عظمة القيادة

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
تجلت روح القيادة الملهمة قبل أيام في ملاعب القارة السمراء إبان لقاء نهائي كأس أمم أفريقيا عندما حمل النجم السنغالي ساديو ماني لواء الإصرار، دافعاً زملاءه للمثابرة رغم قسوة الظروف وظلم التحكيم، ليؤكد أن القائد الحقيقي هو من يصنع الفارق بإيماءة حازمة وكلمات قليلة تزلزل اليأس.
ذات لواء القيادة رفعه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني على منصة دافوس. وقف كارني منتصب القامة، بنظرة حادة وصوت لا يعرف المواربة، معلناً نهاية عصر النفاق السياسي، ومؤكداً أن القادة الأحرار يملكون القدرة على تحريك العالم حين يمتلكون الشجاعة لقول “لا” في الأوقات العصيبة. نطق كارني حكماً تاريخياً، وأعلنت لهجته الصارمة استنفاد كندا لصبرها تجاه سياسات الابتزاز وتهديدات القوى الكبرى، واضعاً الجميع أمام مرآة الحقيقة التي لا تقبل التجمل.
بصوت يتصاعد تدريجياً، استدعى كارني جوهر مقال “قوة المستضعفين Power of the Powerless” للمفكر التشيكي فاتسلاف هافل، مستحضراً قصة بائع الخضار على ايام الحكم الشيوعي الذي يضع كل صباح في واجهة محله شعاراً حزبياً يقول “يا عمال العالم اتحدوا”، وهو شعار لا يؤمن به ولا يعنيه، لكنه يرفعه ليرسل رسالة صامتة للسلطة مفادها “أنا مطيع، اتركوني أعيش بسلام”. أوضح هافل أن هذا البائع، بوضعه لتلك اللافتة، يساهم في بناء جدار من الزيف يسجن المجتمع كله، حيث لا يطلب منه النظام أن يصدق الكذبة، بل يكتفي منه بأن يتصرف “كما لو كان” يصدقها. وهنا رفع كارني نبرته ليوجه صفعة صدق للقاعة، موضحاً أن الدول المتوسطة والجنوب العالمي عاشوا طويلاً دور هذا البائع، يعلقون لافتات “القانون الدولي” و”النظام العالمي” اتقاءً لبطش الكبار، بينما يدركون أنها شعارات فارغة تخترقها القوى العظمى متى شاءت. وبحزمٍ نادر، نظر كارني مباشرة إلى الكاميرات ليعلن ضرورة إزالة هذه اللافتة فوراً. فالحقيقة تبدأ عندما يقرر “بائع خضار” واحد أن يرفض العيش في الكذبة وينزل الشعار الزائف من واجهته، معلناً بداية المخاض المؤلم الذي يسبق ولادة نظام جديد لا مكان فيه للنفاق، حيث لا مفر من كسر الصمت ودفع ثمن السيادة.
إن هذا الخطاب، بما يحمله من صدق وجسارة، يعجل بحالة “الطلق” التي انتظرها سكان المعمورة من شعوب الأرض المضطهدة، وكأن العلاقات الدولية كانت تترقب ظهور هؤلاء الرسل ليخرجوها من أقبية الهيمنة إلى فضاء التشارك في هذا الكون الفسيح، الذي يسع يقيناً لتلبية حاجات كل إنسان، لكنه أبداً لا يلبي جشع كل إنسان. وانتقل كارني بعدها لصياغة المعادلة الوجودية التي ستحكم المستقبل، فنطق ببطء وحذر: “إذا لم تكن جالساً إلى الطاولة، فأنت مدرج على قائمة الطعام”. تردد صدى هذه الجملة كتحذير وحشي لدول العالم الثالث بأن الصمت والتبعية لن يحمياها من التحول إلى وجبة تتقاسمها القوى الكبرى في غيابها، فالسيادة في مدرسة كارني تُنتزع بالندية وبامتلاك مقعد على طاولة القرار، ورفض أن تظل الشعوب مجرد أرقام في حسابات الآخرين.
تجلت عبقرية الخطاب في هندسته المحكمة، حيث تزاوج الشكل مع المضمون، وظهر كارني كمفكر يدرك أن الكلمات تصنع الواقع، واضعاً أسس خطاب “ما بعد النفاق”. ويمثل هذا الخطاب وثيقة تاريخية تستحق أن تُدرّس في المناهج، فهو نشيد سياسي يذكرنا بما فعله بوب مارلي حين حوّل كلمات الإمبراطور هيلاسلاسي إلى صرخة شعوب، ليقول للعالم إننا لن نكون وجبة على مائدة أحد. وكما أبرز ساديو ماني أن القائد يظهر في لحظة الحسم، ملهماً الكثيرين من داخل المستطيل الأخضر، فقد جاء خطاب كارني في هذا الظرف المفصلي ليهز العالم من كتفيه، محرضاً إياه على الاستيقاظ من سبات غط فيه طويلاً، ليرفع الجميع رؤوسهم وينزلوا لافتة الذل والاستصغار، معلنين ميلاد فجر جديد يتسع للجميع بكرامة.
د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

نحو تعدين أخضر للذهب الأصفر.. أو لعنة المعدن النفيس

كتب د. محمد عبد الحميدأستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانيةwadrajab222@gmail.com بينما تطلق الجهات …