بقلم: د/ يسن جعفرعبدالله عيسى
في مقالنا السابق طرحنا سؤالاً أساسياً: كيف ينتصر السودان؟ وخلصنا إلى أن الطريق يبدأ بحوار ينهي الحرب ويبني السلام. لكن الانتقال من الدعوة إلى الحوار إلى ممارسته يفرض سؤالاً أكثر عمقاً: من نتحاور معه؟ وكيف نجعل الحوار ثقافة وطنية قادرة على صناعة المستقبل؟
واقع التنوع وإدارة الاختلاف
يكشف التنوع السوداني عن وطن متعدد الهويات والثقافات فبحسب مراجع ودراسات حول التنوع الإثني واللغوي تضم البلاد نحو 570 قبيلة موزعة على 57 مجموعة إثنية وتتحدث ما يقارب 114 لغة ولهجة محلية. وإلى جانب هذا التنوع الاجتماعي يتميز السودان بتعدد سياسي ومجتمعي واسع يضم أحزاباً وحركات مسلحة وآلاف المنظمات المدنية.
وهذه الحقيقة تؤكد أن السودان ليس مجتمعاً ذا صوت واحد ولا يمكن بناء مستقبله من خلال رؤية أحادية. هذا التنوع ليس مشكلة في حد ذاته وإنما تبدأ المشكلة عندما نعجز عن إدارة الاختلاف أو عندما يتحول الانتماء إلى وسيلة للإقصاء أو يصبح الخلاف السياسي سبباً للعداء الاجتماعي.
استعادة الموروث الأصيل
لعل السودان لا يحتاج إلى اختراع ثقافة جديدة للحوار بقدر ما يحتاج إلى استعادة ما هو أصيل في ثقافات وموروثات أهله. فقد عرفت المجتمعات السودانية عبر تاريخها أشكالاً متعددة من التشاور والوساطة والصلح والتكافل وقبول الآخر وامتلكت أعرافاً ومساحات مجتمعية لإدارة الخلافات.
هذه الموروثات ليست بديلاً عن الدولة أو القانون لكنها تمثل رصيداً مجتمعياً مهماً يمكن البناء عليه وتطويره وربطه بحقوق الإنسان والمواطنة وسيادة القانون والوساطة الحديثة.
شمولية الحوار والمساحات الآمنة
من هنا فإن الحوار السوداني لا ينبغي أن يظل محصوراً في النخب السياسية أو أطراف الصراع المسلح، بل يجب أن يمتد إلى المجتمع نفسه: النساء، الشباب، القيادات الأهلية، المثقفون، رجال الدين، الإعلاميون، الأكاديميون، ومنظمات المجتمع المدني.
فالحوار الحقيقي لا يبدأ فقط عندما يجلس الفرقاء حول طاولة تفاوض وإنما عندما يجد السوداني مساحة آمنة ليستمع إلى سوداني آخر يختلف عنه في الرأي أو القبيلة أو المنطقة. إن السودان لا يحتاج إلى أن يصبح متشابهاً حتى يعيش أبناؤه معاً بل يحتاج إلى أن يتعلم كيف يحوّل الاختلاف إلى تعارف، وتكامل، وشراكة وطنية.
الحوار كبنية مجتمعية
وإذا كان مقالنا السابق قد تناول الحوار بوصفه طريقاً لإنهاء الحرب فإن هذا المقال يذهب خطوة أبعد: كيف نجعل الحوار جزءاً من بنية المجتمع السوداني وثقافته؟ فالمستقبل لا يُصنع في قاعات التفاوض وحدها وإنما أيضاً في القرى والأحياء والمدارس والجامعات والأسواق وفي الطريقة التي يتحدث بها السوداني عن أخيه السوداني.
إن السودان يحتاج إلى حوار يؤسس لعلاقة جديدة تقوم على الاحترام والقبول المتبادل والاعتراف بالتنوع وعلى الإيمان بأن الوطن يتسع للجميع. التحدي الحقيقي ليس أن نلغي اختلافاتنا وإنما أن نتعلم كيف نديرها دون أن تتحول إلى صراع.
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نحمله معنا إلى المستقبل: هل نستطيع أن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء؟
إذا استطعنا ذلك، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو السودان الذي نريد: سودان يتسع لتنوعه ويحترم اختلافاتهم ويجعل من الحوار جسراً بين مكوناته لا ساحة جديدة للصراع.
Email:
Yassinddr@gmail.com
