من نحن؟

يترنم الشاعر الكبير محمد المكي إبراهيم في قصيدته المشهورة والفريدة، “بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت”، بالحروف الغنيات التي نسمعها بالعين قبل الأذن:
للَّه يا خلاسية
يا حانةً مفروشة بالرمل
يا مكحولة العينين يا مجدولة من شعر أغنية
يا وردةً باللون مسقية
يا مملوءة الساقين أطفالاً خلاسيين
يا بعض زنجيّة
يا بعض عربيّة
وبعض أقوالي أمام اللَّه
… تبدو مسألة الهوية السودانية وكأنها معضلة من المعضلات المستعصية على التناول الهادئ الرزين، وعلى الحل النهائي الشافي، فعمل منها الكثيرون والكثيرون قضية شائكة تمشي على أكثر من قدمين وتتكلم بأكثر من لسان، فمن الكثيرين هناك من جعل منها مصدراً للعيش، فباع فيها واشترى في سوق السياسة السودانية غير الموضوعية وأحياناً الفقيرة أخلاقياً والغائبة وطنياً.
ولكننا أذا تمعنا فيها وفي حضنها التكاملي الواسع، التاريخي والثقافي والعرقي، لرأينا بكل وضوح وبكل جلاء السودان الأفريقي الرحيب، الذي فتح أبوابه على مصراعيه مرحباً بحركة مجموعات بشرية كثيرة ومتعددة تتكلم مختلف اللغات وتتحدث برطانات عديدة ومتباينة، ولكل مجموعة منها أسلوبها المغاير المختلف في العيش وفي التعامل مع الحياة وفي الحفاظ عليها وفي صراع البقاء، تأثراً بالمعطيات البيئية التي تؤثر في هذا الأسلوب المعيشي وفي ذاك الآخر.
ويحدثنا صاحب “آخر الكلم”، صاحب اليراع الصارم كالسيف، والصادق كالصباح، والنافذ كالبذرة الطيبة، متفاخراً بسودانه وبشعبه في حق حقيق، مغنياً في لحن شجي طروب، فلنرهف السمع قليلاً لنعرف ماذا غنى في السطور التاليات، والتي ترقد بين القوسين فخورة: (الشعب السوداني يؤمن بوحدته وهي وجدانه وأعراقه المندمجة منذ أزله البعيد، المتمازجة عرباً وأفارقة ونوبة وبجة، حيث تخلق منه السودان شعبه وحدوده. والشعب السوداني يعلم يقيناً أن دعاوي الأصولية والإرهاب ليست أصلاً في عقائده التي عرفها يسراً، وآمن بها اقتناعاً وطوعاً. ولم تمارس في أرضه حروب الأديان، ولا صراع الأعراف والسوالف، ولا قسر العقائد واكراه الانتماء.
والشعب السوداني يحيا المواطنة النابعة من الاستيطان المرتبط بالأرض، مراع وصحاري وغابات وجبال ووديان وأنهار. سكنها وعاشها بحقها عليه وحقه عليها. وأمن سلامه الاجتماعي وأمنه الوطني باحترامها ومراعاتها. صارع صعوباتها واحتمل قسوتها وعمرها واستأنسها حتى صارت رمزاً له وصار اسماً عليها.
والسودان قبل استقلاله وفي عهوده الغابرة السحيقة يعمر هذه الساحة من الأرض بحدودها الحالية -قبل الانفصال الحزين-، مأوي لوافديها وساكنيها الذين اختلطت دماؤهم وأعراقهم وتمازجوا شيئاً فشيئاً، حيث تكون من أمشاجهم هذا النسيج المنسجم من أوشاج الظهور والأرحام.
وعندما أمهر الاستقلال الثالث بعد “السلطة السنارية” و”الثورة المهدية” واستقلال 1956م، وجوده المعروف دولياً واقليمياً، وربط بين ماضيه ومستقبله الي الأبد ووأد بذلك أي افتعال ناشئ عن عصبية أو انفعال خاص بعنصرية. وعلت هموم الوطن كوحدة متماسكة، وارتفعت مشاغل المواطن الي تنمية عادلة واستقرار شامل).
وتعضيداً لما سلف من لحن، حدثنا عبد الله حسين من خلال قرطاسه “السودان من التاريخ القديم الي رحلة البعثة المصرية – الكتاب الأول”، قائلاً، بأن السودان يعتبر دولة أفريقية من دول افريقيا القارة، وسكانه الأصليين هم سكان القارة الأفريقية، ودائماً سكان أفريقيا الأصليين هم من السود أو هم السود أو هم الزنوج، الذين يتمتعون ببشرة سوداء صافية، وقامات في الغالب الأعم طويلة وفارعة ومديدة.
ولكن، وللحقيقة فقد هاجر الي السودان منذ سحيق الآماد ومنذ قديم الأزمنة، عرب الحجاز واليمن وآخرون واخرون من قارة آسيا، واقوام اخري مختلفة ومتعددة من الشعوب المجاورة، من الحبشة مثلاً ومن مصر ومن بربر بلاد المغرب، وتداخلوا مع أهله واختلطوا بأهله بعض الاختلاط، وامتزجوا بهم بعض الامتزاج والي حد ما، وكانوا يأتونه من أجل التجارة، وقاصدين الصيد، وحباً في اقتناء ريش النعام وسن الفيل والماشية والصمغ.
وبعد الفتح الإسلامي اتجهت ناحيته وباتجاهه كثير من القبائل، قبائل عربية، حجازية ويمنية ومغربية أو بعض أشخاصها أو بعض أفرادها، وهؤلاء سيطروا على الأصليين من الأهالي ومن السكان، وسادوهم واختلطوا وامتزجوا بهم بالزواج وبالتزاوج، فنال هؤلاء الوافدين الجدد السحنة السوداء قليلاً أو كثيراً، وشيئاً من العادات قليلاً أو لا باس به من مقدار، ولم يكتفوا بذلك ولكنهم أمعنوا في السيطرة فطاردوا عدداً عظيماً من السكان وردوهم الي ربوعهم الجنوبية، بعيداً جنوباً فتمسك جنوبي السودان (دولة جنوب السودان الآن) بهواهم الجنوبي وبطابع السكان الأصليين كما كان عهدهم منذ زمان وزمان يحسب بآلاف السنين وبملايين الأيام، مع شيء يسير من التطور والتقدم.
ولا ريب في أن العربي السوداني المسلم كان يمتاز على الآخرين بأنه الأقرب الي الزنوج نفسياً وأيضاً من حيث التعامل ومن حيث التفاهم معهم. وقد انتشر الإسلام بين زنوج أفريقيا عامةً، من دون أن يفكر المسلمون في انشاء البعثات أو في الاهتمام بتنظيمها أو في ابتعاث العلماء أو بالأصح أقصد بالعلماء هنا “الدعاة والوعاظ”، لأن العالم دائماً وأبداً مُبدع ومُكتشف ويأتي بالجديد المتماسك، ولا يكتفي بالنقل وبالترديد، ولم يكن هناك أي تفكير بفتح مستشفيات أو منح اعانات للترغيب أو من أجل التشجيع والجذب والاغراء أو انشاء وتأسيس مدارس للزنوج، وكُتب الكثير والمثير، من قبل الرحالة الأوربيين، عن أنباء وأخبار انتشار الإسلام وتنقله في ارجاء أفريقيا من بقعة قصية الي بقعة نائية، بصورة طبيعية انسيابية اطراديه.
وما زلنا نجزم بأن هناك في جنوبي السودان وفي القارة الأفريقية قبائل أفريقية وزنجية بالتحديد، تعيش بلا دين، ولا تعرف لها إلاهاً تقدسه وتعبده، ولا ترتدي ثياباً كخلق الله العاديين، ولا تضع قطعة قماش على العورات لتستتر، وهناك عدد كبير يقدر بالعشرات من البعثات التبشيرية المسيحية تسكن في تلك الأماكن وتقبع في هذه الجهات، وتشيد المستشفيات وتفتح المدارس وتقيم الملاجئ والكنائس، وتبذل الجهد الكثير الوفير في الاقناع والاغراء من اجل الانتماء الي المسيحية.
ويتشكل أهل السودان من التعدد ومن التنوع ومن ألوان كثيرة متنافرة متناغمة، فهناك قبائل كثيرة تملأ الأرض السودانية ثراءً إذا!……. أو فقراً إذا!………، من زنوج وبجة ومن عرب ونوبة ومن المولدون ومن المهاجرون. أما الزنوج فيتركزون ويتزاحمون استقراراً في دولة جنوب السودان الحالية، كالشلك والدينكا والنوير وقبائل الباري والمادي واللاتوكا والمكارك والجانقي والبنقو والقولو والجور والأجار والديور والشيري والنيام نيام والفراتيت.
وهناك النوبة، وأفراد النوبة يقطنون ويسكنون في أراضي جنوبي كردفان، وأجسامهم عارية كما الفطرة، أو كما قال نعوم شقير. ويعملون أو يعمل الزنوج دائماً وغالباً بالصيد ويربون الماشية ويهتمون بالأبقار، وتتمسك كل قبيلة منهم بلغتها وبمذهبها بقوة، وبديانتهم أو دياناتهم الطبيعية أو هم لا دينيين أو لا دين لهم.
أما البجة أو البجاة أو البيجة، فهؤلاء يحبون الصحراء الشرقية، وجعلوها ملاذاً ومسكناً ومقاماً، ومكانها تقع بين النيل والبحر الأحمر، وهم يعتبرون من بقايا شعوب ايتوبيا القديمة، وهناك أقوال أو رأي بأنهم من سلالة أولاد كوش بن حام الذين نزحوا وهاجروا الي السودان بعد الطوفان العظيم المشهور، وبعض الكثير من المؤرخين لهم أو لديهم رأي واضح بأن البجة كانوا وثنيين ثم أصبحوا مسلمين مع هجرة العرب الي أفريقيا والي مناطقهم.
ومن قبائل البجة، العبابدة ويتصلون أو لهم صلات بأسوان، والبشارين أو البشارية، من القصير حتى سواكن والأمرار. وهناك الهدندوة وهم بلا منازع أقوي البجة وأشدهم وأكثرهم كماً وعدداً، ويعشقون الصحراء ويعيشونها بين خور بركة وعطبرة وطريق بربر وسواكن، وشرح بعضهم وفسر اسم “هدندوة” بأن قال، أنه مشتق من “هدا” ويعني أسود، و”أندوة” ويعني القبيلة، ثم تأتي قبائل البني عامر والحباب.
والنوبة هم الذين أحياناً يسمون بالبرابرة، ويغطون ما بين الشلال الأول والشلال الرابع مساكناً وملاذا واستقراراً، وهم خليط ومزيج جميل من النوبيين الأصليين ومن العرب والترك، والنوبة من بقايا تلك الشعوب التي كانت تتألف وتتشكل منها المملكة الأتيوبية القديمة. ومن النوبة نذكر الدناقلة، وهم يرتاحون ما بين الشلال الثالث والشلال الرابع، ومن قبائلهم المعروفة وكلها معروفة، الاشراف التي ينتسب إليهم محمد أحمد المهدي صاحب الثورة المهدية، التي دحرت الحكم التركي ورمت به في مزابل التاريخ، وهناك المحس، ويتواجدون بين الشلال الثالث وجبل دوشة، وأهل سكوت، وأهل حلفا، والدر، والكنوز. وهم أهل زراعة وحياكة وتربية ماشية ومراكبية، وفي غربتهم عن ديارهم يحترفون خدمة المنازل والحوانيت وقيادة السيارات.
وهناك العرب، وهم الذين قطنوا وسكنوا السودان بعد اشتعال الإسلام في النفوس وفي كوكب الأرض، وهم أوفر سكان السودان حضارةً وعلماً. وأشهر القبائل العربية -وهم الذين سكنوا السودان بعد ظهور الإسلام- هي قبائل الشايقية، والمناصير، والرباطاب، والميرفاب، والجعليين، والجميعاب، والسروراب، والعابدلاب، والجموعية، والحسنات، ودغيم، وكنانة، والرفاعية، والمسلمية، والكواهلة، والحلاوية، ثم المدنيون، والمراكبون، والشامباتة، والعقليون، والقواسمة، واللحويون، وبنو حسين، والزبالعة، ثم الفونج، وهم الذين أسسوا مملكة سنار القديمة مع العابدلاب (استمرت وعمرت نحواً من ثلاثة قرون ونيف)، ويدعون النسب الي بني أمية، والهمج هم وزراء الفونج.
أما قبائل البادية فهم الشكرية، والبطاحين، والضباينة، والحمران. وأشهر قبائل العرب في صحراء البيوضة، نجد ونقابل الحسانية، والهواوير، والخواوير. وقبائل العرب في كردفان كالجوامعة، والبديرية، والتمام، والغديات، وهذه القبائل الأربع حضر نعم حضر، وبقية سكان كردفان بادية والله بادية وما أجمل البادية وما احلاها، وهم اما أبالة، أي يملكون الإبل ويربونها ويدللوها، واما بقارة، وهم من يملكون البقر ويعشقونها.
ومن الأبالة هناك الكبابيش، وهناك دار حامد، وأيضاً بنو جرار، وحمر. وأشهر قبائل البقارة، الحوازمة، والجمع، والهبانية، وأولاد حميد.
وأشهر قبائل العرب في دارفور من الأبالة، الزيادية، والماهرية، والمطيفات، والمعالية، والعريقات. ومن البقارة، الرزيقات، والهبانية، والمسيرية، والتعايشة، وبنو هلبة، وعرب البشير، وبنو فضل، وبنو حسين، والكروبات، والحوتية، والخوابير، والبرياب. وترجع أصول هذه القبائل الي قبائل عربية في آسيا، هي بنو أمية، وبنو العباس، وجهينة، والزبير بن العوام، وجعفر الطيار.
وهناك أصول أخرى لسكان السودان غير ما قدمنا وغير ما فصلنا، كالمصريين، الذين دخلوا السودان قبل فتح محمد على باشا وبعده، واتخذوه مقاماً وحضناً. وأيضاً هناك المكادة، وهم الأحباش النصارى، والجبرتة، وهم الأحباش المسلمون، والتكارنة، وهم مهاجرو السودان الغربي من فلاتة وبرنو وباجرمي، ولهم حلل جمع (حلة)، وهي مجموعة من المساكن تستريح خارج المدينة.
وأكثر مهاجري التكارنة نزحوا الي السودان، بسبب فقرهم المدقع، ورغبوا في أداء فريضة الحج وزيارة سيد الخلق أجمعين محمد بن عبد الله عليه أفضل السلام وأتم التسليم، عن طريق ثغر سواكن، مشياً على الأقدام راجلين في أرض السودان المنبسطة، ولما عادوا غانمين بالإيمان من الحج استخدمهم الحكام والأعيان والتجار وأصحاب المزارع كفعلة وكفلاحين وكخدم وكمنظفي الصمغ وكعمال.
وهم المعروفون في مصر بالغجر، وهم المعرفون في الشام بالنور، وهم قوم رحل، يشتغل رجالهم بالحدادة وبترويض القرود أو القردة وبرعي الأغنام، ويشتغل نساؤهم بالوشم وبالدجل وبختان البنات، ومنهم الشحاذون ومنهم اللصوص الخطافون.
والمولدون، وهم النازحون الي السودان، والذين تزاوجوا مع سكانه، وينقسمون الي ثلاثة أقسام: القسم الأول، العرب الذين امتزجوا بالسكان الأصليين الزنوج، وكان ذلك عقب الفتح الإسلامي. والمولدون في عهد حكم الترك والمماليك الطويل لمصر، والمولدون بعد غزو محمد على وحتى أوائل القرن الحاضر (القرن التاسع عشر)، أما القسمان أو النوعان الأولان فقد صارا من أهل السودان وسكانه، وأما القسم الأخير فان اكثرهم ما زالوا متصلين بذوي قرباهم في مصر وفي اليمن وفي الحجاز.
وبخصوص اللغة فاللغة الغالبة هي اللغة العربية، وهناك لهجات واصطلاحات وعبارات عامية للعربية والرطانات الزنجية، واللغة العربية أداة التخاطب المشتركة بين لغات القبائل حتى الزنجية منها. والتاليات من السطور تحتوي وتضم عدد من اللغات المنتشرة والموزعة في ربوع السودان المترامية الرحبة، وهي:

  1. ونبدأ بادي ذي بدء بلغات النوبة والتي تسود ويتم التحدث بها في أقليم كردوفان (جبال النوبة).
  2. وثم ننتقل الي اللغة النوبية، وهي لغة النوبيين أهل كوش، ويتم التحدث بها في السودان ومصر من قبل النوبيين، كالدناقلة والمحس والحلفاويين.
  3. وهناك لغة المساليت وهي من اللغات النيلية الصحراوية ويتم التحدث بها في غرب السودان كدار اندوكا والبعض القليل من ولايات السودان.
  4. وتعتبر لغة البرقو من اللغات النيلية الصحراوية أيضاً ويتم استخدامها كحلقة تواصل واتصال في غرب السودان وبعض البعض القليل من ولايات السودان الأخرى وكذلك في شرق تشاد، وعلى وجه الخصوص في وداي.
  5. وأيضاً من اللغات النيلية الصحراوية لغة الفور، والتي يتحدث بها في اقليم دارفور والبعض من ولايات السودان الأخرى.
  6. وتأتي لغة الزغاوة وهي لغة مشتركة لقبيلة أو لقبائل الزغاوة الموزعون بين السودان وتشاد وليبيا.
  7. أما لغة التأما، فيتحدث بها في كل من السودان وتشاد بعض القبائل.
  8. ونأتي الي اللغة الفولانية، ونقول بأن لها وجود في كل دول الساحل على امتداد حزام السافنا من المحيط الاطلسي غرباً الي البحر الاحمر شرقاً، ويتكلمها في السودان بعض القبائل التي تعيش في مناطق جنوب دارفور وعلى ضفاف النيل الأزرق في ولاية سنار وولاية النيل الأزرق وفي مناطق متفرقة متقاربة متباعدة في شرق السودان.
  9. ولغة البجا، ويتحدث بها ما يقارب المليونين نسمة من الرحل في كل من مصر، والسودان وأريتيريا.
  10. وهناك لغة الهوسا وتعتبر بمثابة ثاني أكثر لغة يتم التكلم بها في افريقيا ويتحدث بها أكثر من خمسة عشر دولة افريقية، اما في السودان فيتحدثها أكثر من ستة ملايين موزعين في جميع مدن السودان واغلبية القرى في الولايات الشرقية الثلاثة وقرى ولايات الجزيرة والنيل الابيض والنيل الازرق وبعض القرى في ولايات دارفور وجنوب كردفان وشمال كردفان.
  11. أما لغة البرنو أو الكانوري فيتم التخاطب بها في السودان وتشاد ونيجيريا.
    أما الإسلام فهو دين أهل السودان عامة، ما عدا بعض القبائل الزنجية التي لا دين لها، وتسكن مدن السودان جاليات مسيجيه، وحفنة من الهنود. وكان انسيابه في السودان انسياب الروح متخذاً طريقه للقلوب وللعقول قبولاً واعتناقاً واعتقاداً. محتفظاً بميزة التفرد والزهو من اقطار الأرض جميعاً بأنه لم تضرج طريقه دماء. ولم تشق مساره حرب. ولم يصاحبه قهر ولا قسر ولا اكراه.
    لذا كُتب له خلود الانس والاستئناس، وأخذ يتنقل بين الصدور قرآناً وأذكاراً ومدائحاً وأناشيداً، نوراً بلا نار، ويسراً بلا اقتسار. ورأت المسيحية الحقة في (علوة) و(نبتة) و(المقرة النوبية) ما رآه فيه (نجاشي الحبشة) المسيحي البصير عندما وفد اليه أول وفد من المسلمين في هجرتهم الأولى، فآواهم وأكرمهم وحماهم بعد أن اطمئن قلبه لما سمع منهم، وعند وفاته صل عليه النبي (ص) صلاة الغائب من المدينة.
    من هنا اتضح سبيل التكافل بين المسيحية الحقة والإسلام المكمل، وبين بشارة عيسى ونبوءة محمد، واكمال الانجيل الحقيقي للزبور والتوراة وصحف إبراهيم أبو الحنفاء والقرآن للكتب والرسالات. ووضح جلياً أنه لا حرب ولا صراع ولا تناقض بين الرسالات، ولا اختلاف بين الكتب المنزلة التي تضم الذكر المحفوظ. وان خلافة الإنسانية في الأرض تتكافل في تنسيق إلهي رائع مع تكامل العقل ونمو ادراكه شيئاً فشيئاً كتاباً كتاباً، ورسولاً رسولاً حتى آخر الرسل وخاتم الأنبياء، وآخر الكتب برسالة النبيين عند كمال العقل بوعي الادراك، واكتمال الخلافة الإنسانية بتأهيل العلم، وحمل الأمانة لإعمار الأرض رزقاً وعدلاً وزينة وزخرفاً مسرة وسلاماً. لا ينال من هذه السلسلة المتصلة منذ النفس الواحدة آدم أبي البشرية، الا جهول عقيم، أو طامع مغرض، أو متعصب مخبول. ولا يفتعل الاقتتال بين حلفائها، ويقطع الطريق على تواصلها ووصولها الا أعداء الإنسانية وأعداء السلام، تجار الحروب المولعين بالخراب والدمار. وكلها كيانات تفتقد التطبيب والتهذيب والإصلاح والردع.
    ….. ونواصل
    bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …