من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف:
علاقات الأرض والإنسان والدولة في السودان من إرث الاستعمار إلى مآلات الحرب الراهنة (1-5)
(تشكل هذه الدراسة خلفية تاريخية ضمن مشروع بحثي يستضيفه معهد التخطيط المكاني بجامعة فيينا للتكنولوجيا، ويهدف إلى إعداد مقترح لخطة مكانية استراتيجية للإعمار المنصف والمستدام في السودان ما بعد الحرب. وقد نُشرت مسودة هذه الورقة على منصة ResearchGate)
مقدمة وإطار نظري
تُعَدّ العلاقة بين الدولة، والمجموعات الإثنية، والسيطرة على الأرض من أبرز الإشكاليات البنيوية التي شكّلت مسار تشكّل الدولة السودانية منذ الاستعمار وحتى اليوم. فالحكم الاستعماري، بشقّيه التركي–المصري (1821–1885) والإنجليزي–المصري (1898–1956)، لم يكن مجرّد تعديل إداري، بل مشروع لإعادة تشكيل السلطة والمجتمع والموارد. وقد أسّس هذا المشروع لنموذج بيروقراطي مركزي اصطدم بالبُنى المحلية، وأعاد توزيع السلطة والثروة لصالح المركز، مكرّسًا تهميش الأطراف. كما تحوّلت الأرض من مورد جماعي محكوم بالأعراف إلى سلعة قانونية خاضعة لسيطرة الدولة، ما أسّس لعلاقات تبعية اقتصادية وهيمنة اجتماعية متجذّرة.
ينطلق هذا البحث من مقاربة نقدية تعتبر الدولة الحديثة في السودان استمرارًا لبنية استعمارية أعيد إنتاجها محليًا، لا قطيعة معها. وتستند هذه المقاربة إلى تحليل أشكال الهيمنة المتعددة—السياسية، والاقتصادية، والمكانية، والثقافية، والأمنية—بوصفها آليات تراكمية لإعادة إنتاج السيطرة، لا سيما في ظل غياب إصلاح بنيوي بعد الاستقلال. فالدولة الوطنية لم تُفكّك الإرث الاستعماري، بل أعادت توظيفه لتكريس سلطة نخبوية تحت غطاء سيادة وطنية.
تُستند أدوات التحليل إلى مجموعة من النظريات الفكرية المتنوعة، تشمل: نقد فانون لمحاكاة النموذج الاستعماري عوض تجاوزه(1)، ومفهوم “النمو غير المتكافئ” لسمير أمين لتفسير أشكال التبعية الاقتصادية(2)، ومفهوم “الهيمنة الثقافية” عند غرامشي لفهم آليات الإقصاء الرمزي(3). كما يُستحضر كل من “السلطة الحيوية”(4) لدى فوكو و”السيادة النيكرونكولوجية”(5) لدى مبمبي لتحليل أنماط عنف الدولة الحديثة. وتُوظف أيضًا نظرية U لأوتو شارمر لفهم تمثّلات العقل السياسي الحاكم، بين إعادة إنتاج الموروثات من جهة، وغياب الرؤية التشاركية من جهة أخرى(6). تُظهر هذه المقاربة أن أزمة الدولة السودانية ليست مجرد خلل إداري، بل تعبير عن بنية هيمنة مستمرة، تعيد تشكيل الإنسان والمكان ضمن منطق السيطرة المتجذّر تاريخيًا، والممتد في الحاضر عبر أدوات حديثة وواجهات وطنية.
- هندسة الهيمنة الاستعمارية: استراتيجيات الاستعمار الأنجلومصري للسيطرة على السودان
قبل الحكم التركي-المصري (1821–1885)، تميز السودان بتعدد مراكز السلطة التقليدية، كسلطنتي الفونج ودارفور، التي جمعت بين الشرعية الدينية والعرف القبلي والمشورة المحلية. ومع دخول القوات التركية-المصرية، بدأت ملامح الدولة المركزية بالظهور دون القضاء على البُنى المحلية. غير أن التحول الجذري جاء مع الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري عام 1899، بعد إعادة احتلال السودان، حيث تم تأسيس نظام بيروقراطي مركزي أعاد تشكيل الحكم وملكية الأرض وتوزيع الموارد بما يخدم المصالح البريطانية.
1.1. الهيمنة المؤسسية: مركزية الدولة وإقصاء المجتمعات المحلية في السودان الاستعماري
تأسست الدولة الحديثة في السودان في ظل الاستعمار الثنائي الإنجليزي–المصري (1899–1956) كجهاز للهيمنة والسيطرة، وفق نموذج استعماري كلاسيكي يقوم على إعادة تشكيل الفضاء السياسي والإداري بما يخدم مصالح القوة المستعمِرة. تمركزت السلطة الفعلية بيد الحاكم العام البريطاني، بينما أُبقي على الوجود المصري في شكل رمزي. تولى اللورد ونجت، أول حاكم عام، إدارة السودان عقب تفكيك مؤسسات الدولة المهدية، ليُعيد بناءها وفق نموذج مركزي بيروقراطي–عسكري، هدفه استغلال موارد بلد غني، وضبط مجتمع ثائر توحّد، رغم تنوعه الثقافي والإثني، في مواجهة الاستعمار التركي–المصري(7). وقد شكّل مقتل الجنرال غردون خلال الثورة المهدية صدمة عميقة للإمبراطورية البريطانية، وظل هذا الإرث الثوري هاجسًا دائمًا للإدارة الاستعمارية، فكان ذلك دافعًا لسياسات قمع ممنهجة اعتمدت التفريق المجتمعي والتقسيم الإداري، بهدف تعطيل أي إمكان لوحدة وطنية تُهدد الهيمنة الإمبريالية.
اعتمد النموذج الاستعماري على مركزية إدارية صارمة، قُسّم بموجبها السودان إلى مديريات يديرها مفوّضون بريطانيون بصلاحيات مطلقة، في ظل تهميش ممنهج للسكان المحليين، إذ حُصرت مشاركة السودانيين في وظائف دنيا محدودة التأثير على صنع القرار. وامتدادًا لسياسات التفريق والتقسيم، طُبّقت سياسة “المناطق المقفولة” التي عزلت مناطق الجنوب وجبال النوبة والأنقسنا ودارفور، ومنعت التواصل الثقافي والإداري مع الشمال، مما عمّق الفجوة الجغرافية والسياسية، وأسهم في ترسيخ الانقسام بين المركز والهامش(8).
وفي إطار تدعيم هذا الهيكل الإداري، أُنشئت دائرة الأشغال العامة لتطوير بنية تحتية تخدم الكفاءة البيروقراطية وتسهم في استغلال الموارد، وتركزت مشاريعها في مناطق مركزية تخدم المصالح الاقتصادية البريطانية، مثل الخرطوم، الجزيرة، وبورتسودان. لاحقًا، تولّت لجنة التخطيط المركزية، الخاضعة مباشرة للحاكم العام، الإشراف على سياسات العمران واستخدام الأراضي، بما يعزز السيطرة المركزية ويوجه التنمية لخدمة المشروع الاستعماري(9).
في المجال القانوني، رسّخ الاستعمار تعددية قانونية تعكس رؤيته للمجتمع المحلي كفسيفساء مفككة: القانون العام البريطاني في المدن، الشريعة الإسلامية للأحوال الشخصية، والقانون العرفي في الريف، ما ساهم في إعادة إنتاج الفجوة بين المركز والهامش. وفي المقابل، أُتيح لنخبة ضيقة، خاصة خريجي كلية غوردون(10)، فرص محدودة للترقي السياسي ضمن استراتيجية “التحديث المحافظ”.
أما الأجهزة الأمنية، فقد شُكلت قوة دفاع السودان عام 1925 تحت قيادة بريطانية، وأُنشئت كلية عسكرية لتخريج ضباط من أبناء نخب شمال ووسط السودان وزعماء الإدارات الأهلية، بينما جُند الجنود من مناطق الجنوب والغرب، مما رسّخ تراتبية جغرافية–اجتماعية داخل الجيش انعكست لاحقًا في الدولة الوطنية10. كما تطورت الشرطة إلى جهاز قمعي لحماية النظام الاستعماري، وأصبحت لاحقًا إحدى ركائز النظام السياسي بعد الاستقلال(11).
2.1. الهيمنة الثقافية: التعليم واللغة كأدوات للهيمنة وصناعة النخبة الوطنية
لم يكن مشروع الدولة الاستعمارية في السودان مجرد نظام إداري، بل كان أيضًا مشروعًا ثقافيًا وأيديولوجيًا يستهدف إنتاج نخب موالية تضمن استمرارية منظومة الهيمنة بعد انتهاء الحكم المباشر. كما يرى ألتوسير، فإن المؤسسات التعليمية عملت بوصفها أدوات أيديولوجية للدولة الاستعمارية(12)، حيث ساهمت في إعادة إنتاج الخضوع من خلال ترسيخ الولاء للنظام القائم بدلاً من اللجوء إلى القسر. في هذا السياق، شكّل التعليم أداة مركزية لبناء رأس مال ثقافي ولغوي متركّز في شمال ووسط السودان، مع تهميش واضح للأطراف.
دخل السودان عهد الحكم الثنائي (1899–1956) بلا بنية تعليمية تُذكر، إذ لم يهتم الحكم التركي–المصري ولا دولة المهدية بتطوير التعليم المدني. وعليه، تعاملت السلطات البريطانية مع التعليم كأداة استراتيجية لإعداد طبقة وسيطة تدين بالولاء للاستعمار(13)، دون السعي لتوسيع المعرفة بين عامة الشعب. صُممت المناهج للتركيز على المهارات التطبيقية وتجنّب التفكير النقدي، وقد أوضح اللورد كرومر، كما استشهد به القدال (1992)، هذا المنطق بوضوح من خلال تشكيل المناهج الدراسية حول المهارات العملية الأولية مع تثبيط نوع الفكر النقدي الذي قد يشعل الوعي السياسي. كما تم تفضيل أبناء الزعامات المحلية لضمان استنساخ الامتيازات الاجتماعية القائمة. ويعكس ذلك ما سمّاه بورديو بالعنف الرمزي، حيث يُقدَّم التمييز الطبقي وكأنه ناتج عن الجدارة(14).
شكّلت السياسة اللغوية إحدى الركائز الأساسية لمشروع الفصل الثقافي الذي اعتمدته الإدارة الاستعمارية البريطانية في السودان، حيث جرى تقييد استخدام اللغة العربية في الشمال والوسط، مقابل فرض اللغة الإنجليزية في ما عُرف بـ”المناطق المقفولة”، لا سيما في الجنوب. وقد سوّغت السلطات هذا الإجراء بدعوى حماية الجنوب من تأثير التجار الشماليين، الذين ربطهم الخطاب الاستعماري بتجارة الرقيق عبر الصحراء، في مفارقة صارخة بالنظر إلى تورّط بريطانيا نفسها في تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي(15). غير أن الهدف الفعلي كان يتمثل في عزل الجنوب ثقافيًا عن الشمال، وعرقلة نشوء هوية وطنية موحّدة. وفي مفارقة أخرى، ورغم ادّعائها التزام علمانية الدولة الحديثة، دعمت الإدارة البريطانية النشاط التبشيري المسيحي في المناطق المقفولة، حيث كان السكان لا يزالون يعتنقون أديانهم التقليدية(16). وقد ساهم ذلك في تشكيل هويات دينية وثقافية مغايرة ذات مرجعية خارجية مرتبطة ببريطانيا، مما عمّق القطيعة مع الإطار الثقافي الوطني، وأسّس لفجوة اجتماعية وثقافية مهّدت لاحقًا لبروز نزعات انفصالية(17).
وعلى الرغم من محاولات تعميم التعليم التي قادها مؤتمر الخريجين من خلال المدارس الأهلية(18)، بقي التفاوت بين المركز والأطراف قائمًا، إذ لم تُسهم الدولة الوطنية بعد الاستقلال في تفكيك الإرث الاستعماري، بل أعادت إنتاجه ضمن منظومة نخبوية ضيقة. ونتيجة لذلك، ظل التعليم واللغة أدوات فاعلة في خدمة الهيمنة الرمزية(19)، حيث ساهمتا في تكريس الفوارق الطبقية والمناطقية، وإعادة إنتاج الإقصاء الثقافي، مما حال دون بناء مشروع وطني جامع، وعزز من تفتت الهوية السودانية واستمرار الأزمات البنيوية في الدولة الحديثة.
3.1. الحداثة كأداة هيمنة: الاقتصاد والعمران في خدمة المشروع الاستعماري
لم تُمثل مظاهر “الحداثة” الاقتصادية والعمرانية في السودان الاستعماري مشروعًا تنمويًا وطنيًا، بل شكّلت أدوات لإعادة تنظيم الفضاء والموارد بما يخدم مصالح الإمبراطورية البريطانية. فجاءت تحت غطاء التحديث خطابًا للخداع الرمزي، حيث رُسّخ اقتصاد تابع وهيمنة مكانية، أفرزت تراتبية اجتماعية عكست منطق السيطرة بدلًا من التحرر والتنمية العادلة.
1.3.1. إعادة تشكيل علاقات الأرض: من الانتفاع الجماعي إلى السيطرة الاستعمارية
شكّلت السيطرة على الأرض أحد أركان الهيمنة الاستعمارية في السودان، حيث تحوّلت من مورد جماعي إلى أداة مركزية لإعادة إنتاج السلطة. ففي السياق ما قبل الاستعماري، كانت أنظمة الحيازة تقوم على الانتفاع الجماعي ضمن أطر عرفية تُدار محليًا، مما حافظ على التوازن الاجتماعي. إلا أن هذه الأنظمة بدأت في التآكل خلال الحكم التركي–المصري، قبل أن تشهد تحوّلًا جذريًا في عهد الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري، لا سيما مع صدور قانون تسوية وتسجيل الأراضي عام 1925، الذي منح الدولة صلاحية تصنيف الأراضي “غير المسجلة” كأملاك عامة. وقد أدى ذلك إلى نزع واسع للملكية الجماعية، وحرمان المجتمعات المحلية من حقها التاريخي في الأرض(20).
عزّز هذا التوجّه قانون الاستيلاء على الأراضي لعام 1930، الذي منح الدولة سلطة مصادرة الأراضي لأغراض “عامة” واسعة التأويل، متجاوزًا موافقة المجتمعات المحلية(21). وبهذا الإطار، أصبح ما يُسمّى بـ”الصالح العام” أداة لتسهيل سيطرة الدولة على أراضٍ مجتمعية لصالح مشاريع زراعية وبنية تحتية تخدم مصالح الإمبراطورية وحلفائها من النخب.
كما يشير ألبرتوس(2025)، فإن “من يملك الأرض يحدد ما إذا كان المجتمع سيكون عادلًا أو غير عادل، ناميًا أو متراجعًا، محافظًا على بيئته أو مدمّرًا لها”(22). وبموجب هذه القوانين، تحوّلت الملكية من وصاية جماعية إلى سلطة قانونية مركزية، ما عمّق التفاوتات الإقليمية، وكرّس التهميش ونزع ملكيات المجتمعات الريفية. وما بدأ كآلية استعمارية للتجريد من الأرض استمر بعد الاستقلال، إذ تبنّت النخب الوطنية المنظومة القانونية ذاتها دون مراجعة تُذكر. واليوم، تُعد النزاعات حول الأرض امتدادًا مباشراً لهذا الإرث، ولا يمكن معالجتها دون تفكيك شامل للأسس القانونية والسياسية التي أرساها الاستعمار وأبقتها الدولة ما بعد الاستعمار دون تغيير.
2.3.1. الهيمنة الاقتصادية في السودان: من هندسة المشروع الاستعماري إلى مآلاته اللاحقة
لم يكن تطور الاقتصاد والبنية التحتية الحديثة في السودان نتاجًا لمبادرة وطنية مستقلة، بل جاء كجزء من مشروع إمبريالي لإعادة تشكيل البلاد كمصدر للمواد الخام يخدم مصالح الاقتصاد البريطاني. قبل الاستعمار، اعتمدت سبل العيش على نظم زراعية ورعوية تكاملية، دعمت تجارة محلية وإقليمية مزدهرة(23)، مستفيدة من موقع السودان كممر تجاري يربط إفريقيا بمصر والمتوسط. إلا أن هذه النظم بدأت بالتآكل منذ الحكم التركي–المصري، وتعرضت لإعادة هيكلة جذرية تحت الحكم الثنائي (1898–1956)، الذي أعاد تنظيم ملكية الأرض، وصاغ مؤسسات الدولة، وخلق نخبة محلية موالية للإمبراطورية.
جسّد مشروع الجزيرة نموذج “حداثة الاستنزاف”، حيث خُصصت الزراعة المروية لإنتاج القطن طويل التيلة لصالح الصناعة البريطانية، في ظل سيطرة رأس المال الإنجليزي على عمليات التسويق والتسعير(24). بينما تحمّل السودان أعباء الديون والبنية التحتية، ذهبت الأرباح للمستثمرين الأجانب. تكرّر هذا النمط في مشروعات الزراعة الآلية المطرية في الأربعينيات، التي توسعت لتلبية احتياجات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، وأدت إلى مصادرة أراضٍ ونزوح الآلاف من الرعاة والمزارعين، مما أسس لفجوة طبقية وإقليمية مستدامة(25).
أدى إعادة تعريف الأرض كملكية للدولة إلى توفير غطاء قانوني لنقل مساحات واسعة إلى شركات استثمارية ونخب محلية متحالفة مع السلطة. وفي ظل غياب وثائق رسمية تُثبت حيازة المجتمعات المحلية، أُبطلت الحقوق الجماعية ونُزعت الأراضي بذريعة الإصلاح الإداري والتنمية، فيما وصفه فرانز فانون بـ”النهب المُقنّن”(26). وقد أتاح هذا الإطار بروز طبقة من النخب الطائفية والتجارية، التي راكمت الامتيازات من خلال منح الأراضي واحتكارات النقل وتسهيلات الوصول إلى مؤسسات الدولة، وهي ذات النخب التي حافظت على مواقعها بعد الاستقلال، مستفيدة من استمرار البنية القانونية نفسها(27).
كذلك كانت الكلفة البيئية فادحة، إذ قادت الزراعة الأحادية إلى تدهور التربة، وفقدان التنوع البيئي، وتسارع التصحر.28 وبذلك، لم يكن الاقتصاد الاستعماري مشروع تنمية بل هندسة للتبعية، استمرت أدواتها في يد الأنظمة الوطنية، التي أعادت إنتاج الهيمنة بدل تفكيكها.
3.3.1. هندسة الهيمنة المكانية: التحضر الاستعماري كأداة للضبط والسيطرة
لم يكن التحضر في السودان خلال فترة الحكم الثنائي نتاجًا لسياسات تنموية شاملة أو استجابة لحاجات السكان المحليين، بل أداة استعمارية وظّفتها الإدارة البريطانية لترسيخ الهيمنة السياسية والعسكرية، وضمان الاستغلال الاقتصادي. تمحور التخطيط الحضري حول مركزية الخرطوم بوصفها القلب الإداري والعسكري للحكم الاستعماري، حيث تركزت فيها المؤسسات الحكومية والمالية والنقل(29). أما المدن الأخرى كود مدني وبورتسودان، فقد نُظمت لخدمة الأهداف الاستراتيجية، مثل مراقبة مشروع الجزيرة أو تسهيل التصدير عبر السكك الحديدية. وفي الأطراف، أنشئت ثكنات ومراكز إدارية لتعزيز السيطرة على المجتمعات الريفية ومنع نشوء حركات مقاومة، في حين مثّلت مدن الجنوب مراكز لعزل الإقليم ثقافيًا وجغرافيًا عن الشمال(30).
اتسم التخطيط الحضري بطابع إقصائي منظم، حيث رُسّخ التمييز الطبقي والعرقي من خلال توزيع غير عادل للخدمات والموارد(31). فالمناطق الأوروبية في المدن الكبرى حظيت بمرافق متقدمة، بينما همّشت أحياء السودانيين وافتقرت إلى البنية الأساسية(32). وقد جسدت الخرطوم هذا النظام عبر تقسيم ثلاثي يعكس التراتبية الاستعمارية، ما جعل الفضاء الحضري أداة لإنتاج علاقات هيمنة.
تركزت مشاريع البنية التحتية في المناطق ذات الأهمية الاقتصادية الاستراتيجية، مثل الخرطوم وبورتسودان ومشروع الجزيرة، بينما تم إهمال المناطق الطرفية. وأشرفت إدارة الأشغال العامة على بناء المرافق الإدارية والطرق وأنظمة الصرف الصحي، لكن الهدف من هذه المشاريع كان تسهيل الاستغلال والسيطرة لا التنمية العادلة(33). وبحلول عشرينيات القرن الماضي، تم إسناد العديد من مشاريع البنيات التحتية و الخدمات إلى شركات بريطانية(34)، مما عزز الطابع الإمبريالي للتنمية الاقتصادية وعمّق التفاوت الإقليمي.
يُظهر هذا النمط، وفقًا لتحليل هنري لوفيفر، أن الفضاء لم يكن محايدًا بل نتاجًا لعلاقات اجتماعية وسياسية سلطوية. ولم يؤدِ ذلك فقط إلى تعزيز الفوارق البنيوية، بل إلى إنكار “الحق في المدينة” لغالبية السكان، وهو ما استمر بعد الاستقلال، حين ورثت النخب المحلية هذا النموذج الإقصائي دون تفكيكه.
4.1. الحركة الوطنية السودانية: من مقاومة الاستعمار إلى إعادة إنتاجه داخليًا
تشكّلت الحركة الوطنية السودانية في سياق استعماري معقّد، اتسم بالصراع البريطاني–المصري على النفوذ، مما أفضى إلى نشأة نخبة سياسية ارتبطت بالخارج أكثر من ارتباطها بالمجتمع المحلي. منذ مطلع الحكم الثنائي عام 1899، انتهجت بريطانيا سياسة قمعية واستيعابية مزدوجة، استخدمت فيها العنف لتفكيك أي مقاومة(35)، كما في إعدام عبد القادر ود حبوبة وقتل السلطان علي دينار(36)، وفي الوقت ذاته عمدت إلى احتواء الزعامات التقليدية عبر دعم القيادات الطائفية والقبلية، مثل عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني، لترسيخ الانقسام الطائفي والجهوي كأداة للضبط السياسي(37).
ومع تصاعد النزعة القومية، خاصة بين من تلقوا تعليمهم في مصر، برزت حركات مقاومة مبكرة مثل ثورة 1924، لكنها ظلت محدودة التأثير الشعبي(38). ومع تأسيس مؤتمر الخريجين عام 1938، تشكلت نواة سياسية مدنية، غير أنها انقسمت لاحقًا بين تيارين رئيسيين: دعاة الاستقلال بقيادة عبد الرحمن المهدي، المرتبطين بالإدارة البريطانية، ودعاة الوحدة مع مصر بدعم من علي الميرغني، زعيم طائفة الختمية الموالي للقاهرة(39). لم ينبع هذا الانقسام من اختلافات برامجية عميقة بقدر ما عبّر عن امتدادات خارجية للصراع على النفوذ.
أُنجزت عملية “السودنة” الإدارية بطريقة إقصائية تمركزت في الشمال، وجرى خلالها تهميش الأطراف، خاصة الجنوب، الذي لم يُخصص له سوى ست وظائف من أصل نحو 800، بحجة افتقاره إلى الكفاءات “المؤهلة”(40). إلا أن هذا التبرير يُخفي في جوهره طبيعة السياسة التعليمية التي تبنّتها الإدارة الاستعمارية، والتي ركّزت على تكوين نخبة ضيقة في الشمال والوسط، إلى جانب بعض أبناء زعماء الإدارات الأهلية، مما حوّل معيار “الجدارة” إلى أداة لإعادة إنتاج التفاوت البنيوي تحت مظلّة الخطاب الحداثي(41). وقد ولّد هذا التهميش الهيكلي حالة من الإحباط والاحتقان في الجنوب، سرعان ما تجسّدت في أول تمرد مسلّح في أغسطس/آب 1955، حين انتفضت الكتيبة العسكرية الثانية في توريت(421). ورغم قمع التمرد سريعًا، فإنه شكّل لحظة فارقة في مسار الدولة السودانية، ومهّد لانفجار الصراعات التي تكرّست بعد الاستقلال وانتهت لاحقًا بانفصال الجنوب(43).
وبذلك، حوّلت النخب السودانية ذات العقليات الإقصائية والنزعة الأنانية44 مشروع الاستقلال إلى مجرد وراثة لمؤسسات الدولة الاستعمارية، بدل أن يكون قطيعة معها. فقد أعادت هذه النخب إنتاج منطق الهيمنة من خلال نمط من “الاستعمار الداخلي”، متجاهلة التعدد الثقافي والإثني الذي يميّز المجتمع السوداني، ومتناسية المظالم التاريخية التي تعرّضت لها بعض مكوّناته. وسيُفصّل الجزء الثاني من هذه الدراسة ملامح هذا الاستعمار الداخلي وتجلياته.
5.1. الخاتمة: الاستقلال وبدايات تعميق الهيمنة والتبعية
لم تتشكّل الدولة السودانية الحديثة بصورة عضوية نابعة من المجتمع المحلي، بل تأسّست عبر هندسة استعمارية أعادت تنظيم السلطة، والأرض، والعمل بما يخدم المصالح الإمبريالية البريطانية. أنشأ الحكم الثنائي بيروقراطية مركزية تمحورت حول الخرطوم، وحصرت مشاركة السودانيين في هوامش الإدارة، بينما عزّز التعليم واللغة الإنجليزية أشكال الهيمنة الرمزية. ومثّل إلغاء نظام الحيازة الجماعية، وتسجيل معظم الأراضي كأملاك للدولة، أداة قانونية لانتزاع الأرض وربط الاقتصاد بالأسواق الخارجية، لا سيما عبر مشروعات كبرى مثل مشروع الجزيرة.
وبعد الاستقلال، أعادت النخب الوطنية إنتاج هذه البُنى بدلاً من تفكيكها، مما كرّس نمطًا من “الاستعمار الداخلي” تمثّل في إقصاء الأطراف، واستنزاف الموارد، واستمرار أنماط اللامساواة البنيوية. وقد أسهم هذا المسار التاريخي في تعميق التفاوتات الهيكلية، وإشعال دورات متكررة من النزاعات المسلحة، بلغت ذروتها في الحرب الراهنة، التي أدّت إلى انهيار مؤسسات الدولة، وتصاعد العنف، ونزوح الملايين. تُجسّد هذه الكارثة الحالية النتيجة القصوى لإرث طويل من العنف الهيكلي المتجذّر في الأسس البنيوية التي قامت عليها الدولة السودانية الحديثة.
المراجع:
Albertus, M. (2025) Land Power: Who Has It, Who Doesn’t, and How That Determines the Fate of Societies, Basic Books,New York City (22)
al-Qaddal, M. S. (1992) Modern History of Sudan 1820–1956 (Arabic) Dar al-Jeel, Beirut. (7-9-10-11-18-36-38-39-)
Althusser, L. (1971). Ideology and Ideological State Apparatuses (12)
Amin, S. (1976). Unequal Development: An Essay on the Social Formations of Peripheral Capitalism. Monthly Review Press. (2-31)
Arango, Luisa (2024) The Story of Domestic Water Meters and Bills in Khartoum: Material Ruins and Imperial Ruination of Public Services in Urban Sudan https://journals.openedition.org/esma/3557?utm_source=chatgpt.com (34)
Ayoub, A. T. (1998). Extent, severity and causative factors of land degradation in the Sudan. Journal of Arid Environments, 38(3), 397–409. (28)
Barnett, T., & Abdelkarim, A. (1991). Sudan: The Gezira Scheme and agricultural transition. In A. Abdelkarim (Ed.), Structural adjustment in the Sudan: The impact of IMF–World Bank programmes (pp. 75–95). Macmillan. (23-)
Beshir, M. O (1975) The Southern Sudan. From Conflict to Peace. C. Hurst, London (17)
Bourdieu, P., & Passeron, J.-C. (1990). Reproduction in education, society and culture (2nd ed.) (R. Nice, Trans.). Sage Publications, Inc. (14)
Collins, R. O. (2008). A history of modern Sudan. Cambridge University Press. (33-)
Daly, M. W. (1986). Empire on the Nile: The Anglo-Egyptian Sudan, 1898–1934. Cambridge University Press. (16)
Deng, F. M. (1995). War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan. Brookings Institution Press. (42)
Fanon, F. (1963). The Wretched of the Earth. Grove Press. (1-13-26-2-)
Foucault, M. (1978). The History of Sexuality, Vol. 1: An Introduction. Vintage (4)
Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. International Publishers (3-19)
Holt, P. M. (1961). The Mahdist State in the Sudan, 1881–1898: A Study of Its Origins, Development and Overthrow. Oxford University Press. (37-)
Holt, P. M., & Daly, M. W. (2011). A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day (6th ed.). Routledge. (8)
Home, R. (1990). British Colonial Town Planning in the Middle East: The Work of W.H.M clean. Planning History Bulletin, 12(1), 4-9. Retrieved 4 13, 2016, from https://intlplanninghistorysociety.files.wordpress.com/2014/07/1990_vol-12_no1.pdf (31)
Johnson, D. H. (2003). The root causes of Sudan’s civil wars. Indiana University Press. (29-30-)
Kebbede (1997) Losing Ground: Land Impoverishment In Sudan. Black Studies A Journal of African and Afro-American Studies, 15(8). Retrieved 5, 24, 2017, from https://scholarworks.umass.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1102&context=cibs (20-25-)
Khalid, M. (2009). South Sudan in the Arab Imagination: False Image and Historical Repression (in Arabic). Cairo: Academic Science House for Publishing and Distribution (43)
Lefebvre, H. (1991). The production of space (D. Nicholson-Smith, Trans.). Blackwell. (Original work published 1974. (34)
Lovejoy, P. E. (2000). Transformations in Slavery: A History of Slavery in Africa (2nd ed.). Cambridge University Press. (15)
Mamdani, M. (1996). Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton University Press. (117-)
Mbembe, A. (2003). Necropolitics. Public Culture, 15(1), 11–40. (35)
Scharmer, O. (2009). Theory U: Leading from the Future as It Emerges. Berrett-Koehler. (6-43)
Sharkey, H. J. (2003). Living with colonialism: Nationalism and culture in the Anglo-Egyptian Sudan. University of California Press. (41)
Salman M. S. (2013), South Sudan Road to Independence: Broken Promises and Lost Opportunities, 26 Pac. McGeorge Global Bus. & Dev. L.J. 343 (2013). Available at: https://scholarlycommons.pacific.edu/globe/vol26/iss2/1 (40)
Taha, M. (2016). Land Use, Ownership and Allocation in Sudan. The challenge of corruption and lack of transparency, Sudan Democracy First Group. Retrieved 5 13, 2018, from http://www.democracyfirstgroup.org/wp content/uploads/2016/10/Land-Use-Ownership-and-Allocation-in-Sudan.pdf (21)
Warburg, G. (2003). Islam, sectarianism, and politics in Sudan since the Mahdiyya. University of Wisconsin Press. (27)
marfa_1998@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم