من وراء تشويه سمعة جامعات السودان ؟

بقلم : حسن ابوزينب عمر
oabuzinap@gmail.com

عام 2004 أبدت أبنتي رغبتها لدراسة الطب وحينما كنت صريعا لشعارثورة التعليم التي أطلقتها الانقاذ وقتها وكيف بلغ التباهي وقتها ان عدد الجامعات تمدد بسبب الثورة المزعومة وقفز العدد من أربعة جامعات الى 26 جامعة في ذلك الزمان ..الآن تضاعف العدد ويمكن اضافة صفرأو صفرين أوماشاء الله لك من أصفار لحصرهم ..أقول أنطلى على وقتها ذلك الشعار الذي ملأ الدنيا وشغل الناس وفكرت الحاق ابنتي بأحد الجامعات الاقليمية ربما لضآلة الرسوم ولكنني هربت وفررت منها فرارالسليم من الأجرب ..السبب أنني وقبل الحاقها بالجامعة الاقليمية قمت باستشارة أحد علماء السودان في الطب وكان عضوا في المجلس الطبي ان كانت كلية الطب مؤهلة للقيام بمهامها فكان رده ان الكلية غير مؤهلة حسب قوانين ولوائح المجلس الطبي فهي في حاجة لمتطلبات عملية ومعينات ضرورية وعليه وجهني بالابتعاد عنها ..وأضاف الدكتور بنبرة حزينة أن المجلس نصح ادارة الجامعة الاقليمية بتأجيل أفتتاح الكلية ريثما تستكمل كل المتطلبات والشروط فدق المجلس صدره رافعا راية التحدي ( سنفتح الكلية اذا وافق مجلسكم او رفض ) .. وبدأت الكلية (الخديج) نشاطها فيما هربت بجلدي فالقضية في نهاية المطاف ليست رجالة وحمرة عين وليست كرابيج ملطخة بالقطران تنزل على اللحم الحي في أعراس ذلك الزمان فتهتز الساحة بزغاريد النساء .
(2)
هذه ردة فعل لمقالات وتعليقات حاولت المساهمة بها بالدق على الحديد ساخنا في قضية الزلزال الذي استيقظتنا عليه والذي هز حتى أركان التعليم في السودان ممثلا ليس في الجامعات العريقة فحسب بل حتى في الجامعات (نص كم) المستحدثة والتي كانت مستلزمات انشائها مجرد سبورة وأصابع طباشير كما يقول القاضي ورجل القانون سيف الدولة حمدنا الله في مقال له تحت اسم (ملطشة الدكتوراة في السودان) تعليقا للكاتب الأردني فهد الخيطان الذي استنجد بحكومة بلاده للتدخل والسبب ان الجامعات السودانية أغرقت السوق الأردني بشهات الماجستير والدكتوراة وأن من لا يجد عملا بالأردن يكفيه زيارة السودان لبضعة أشهر ليعود مسلحا بشهادة عليا تمنحه حق التدريس بالجامعات الأردنية مما يعني ان هناك سماسرة وعمليات بيع وشراء ودولارات يتم تداولها في الخفاء ..مشاهد هذه المارسات الاجرامية المخجلة لا تكتمل الا بمقال للكاتب عثمان ميرغني تحت عنوان شهادات للبيع يقول فيه ان أسعار الشهادات الجامعية تتفاوت فأعلاها لجامعة الخرطوم (600) جنيه وأدناها لجامعة أخرى معروفة (250) جنيها للشهادة .
(3)
لم تعد جامعة الخرطوم تشبه الجميلة والمستحيلة التي قال فيها محجوب سراج مرة أسرح ومرة أفرح ومرت تغلبني القراية ولمن أكتبلك وداعا قلبي ينزف في الدواية بل غاب عنها حتى جمالها الطبيعي الذي ولد معها والذي وصفه ابراهيم العبادي اذ يقول
أنزل ياصديق وشوف يد القدرة
شوف حسن البداوة الما لمس بدرة
وراد النهر أردوني ما بدري
الكاتل الصفار ام نضرة الخضره
لم تجدي محاولات أخفاء قبحها بفنون كريمات (الميك أب) المدفوعة القيمة بالدولارات بالتخلي عن قبول الكفاءات التي كان مهرها الدرجات العالية وقبلت عرسان العملة الصعبة ففتحت ذراعيها لكل من هب ودب . هذا الدمارجاء ضمن خطط ممنهجة غسلت فيه الدولة يدها من دعم التعليم لصالح الاهتمام والعناية بالأجهزة والمؤسسات الأمنية فتم شطب جامعة الخرطوم العريقة من قائمة أفضل 500 جامعة في العالم .
(4)
مشاهد الانهيار لا تكتمل الا حينما نستوعب ان دول الخليج عدلت قوانينها ونظرتها للطبيب السوداني وأخضعته لاختبارات نظرية وعملية قبل السماح له للعمل في مستشفياتها بعكس ما كان ساريا .. لم يكشف الكاتب الأردني فهد الخيطان جديدا عن جامعات السودان حينما قال أنها أغرقت السوق الأردني بشهات الماجستير والدكتوراة فقد قرأت قبل سنوات خبرا في أحد الصحف السودانية يطالب وزارة التعليم العالي بحث جامعة الأزهري والجامعة الاسلامية بالتريث في منح الشهادات فوق الجامعية .
(5)
كانت جامعة الخرطوم التي يشكو من انفلاتها الآن منسوبي الدول العربية حسناء لا يقدر على مهرها الا أصحاب الكفاءات العالية وليس أصحاب الجيوب المتورمة فقد نهل في قاعاتها حتى الملوك وأمراء الخليج وكانت تطبق لوائحها وقوانينها على الجميع دون استثناء ولم تكن تجامل أحدا مهما علا شأنه فقد كان الجميع بما فيهم أصحاب السمو الملكي يرتجفون خوفا من تسونامي شهر مارس شهر الكوارث .. كانت مصدر فخر لنا حتى جاء تتار المشروع الحضاري فقلبوا عالي ارثها وأعرافها سافلها وتركوها مسخا مشوها يتم ادخالها بيت الطاعة بالدرهم والريال كيفما كان المزاج ..نعيش أحلك سنوات العمر ولم يعد هناك مانتباهى به .. أهل الخارج ليسوا أفضل حالا من أهل الداخل فالكل يجأر بالشكوى ولكن القناعات دائما ان العدو المتربص بنا نحن السودانيون هو جزء من تكويننا البنائي بل هو خلية من مكونات ذراتنا نتوارثها جيلا بعد جيل ..نحن نصنع الفرص الثمينة ثم نبكي على ضياعها وهي فرص كفيلة بجعل السودان جنة الله في أرضه ..لو صبرنا وأحسنا وحفظنا سمعتنا داخل العيون والأهداب لما استباحت لحمنا الكلاب .

عن حسن ابوزينب عمر

حسن ابوزينب عمر

شاهد أيضاً

ضياع هجليج ..الدروس والعبر

بقلم : حسن أبوزينب عمرoabuzinap@gmail.com كثر الكلام حول سيطرة ميليشيا الدعم السريع على حقل هجليج …