نزار عثمان السمندل
يبدو جلياً أن الواجب الأخلاقي للكادر الطبي العامل في السودان، صار بديلاً عن الدولة.
يستيقظ النظام الصحي هناك؛ كل صباح، على غياب جديد. طبيب لم يأتِ إلى المناوبة، قسمٌ فقد اختصاصه الوحيد، سرير ينتظر من يقرّر مصير مَن يتمدد عليه.
لا يقاس الغياب هنا بالأرقام، إنما بما يتركه من فراغ قاتل في لحظة طوارئ. عليه تتحول الأزمة من نقص دواء أو تهدم مبانٍ إلى امتحان قاسٍ للضمير العام: من يحمي الذين يُفترض أن يحموا الحياة؟
تحت ضغط حرب ممتدة وانهيار أمني واقتصادي، يتآكل الكادر الطبي بوصفه الحلقة الأضعف والأكثر استنزافًا.
الحاجة تتضاعف مع اتساع رقعة النزوح والعنف، بينما الأيدي التي تواجه النزيف والاختناق تتناقص بلا تعويض. الطبيب، الذي كان رمز الطمأنينة في أقسى اللحظات، بات نفسه مهدداً، يعمل بلا غطاء، ويُطالَب بالثبات في زمن ينهار فيه كل شيء من حوله.
من هذه العتبة، يدخل القطاع الصحي مرحلة الخطر الحقيقي. يوم العمل الطبي لم يعد زمناً محسوباً بساعات، بل سلسلة طوارئ بلا نهاية، يتحملها عدد محدود من الأطباء في مستشفيات تعمل جزئياً أو بالكاد.
العبء يتراكم، الإرهاق يصبح قاعدة، والقرار المصيري يُتخذ تحت ضغط قلة النوم وشح الإمكانات، فيما تبقى المسؤولية كاملة على الطبيب إذا تعثرت النتيجة.
في شمال البلاد، يصف طبيب طوارئ واقعًاً يقترب من حدود الاحتمال القصوى. ستة أطباء كانوا يغطون القسم، ولم يبقَ سوى اثنين. الطوارئ، التنويم، والعناية المكثفة تتداخل في مهمة واحدة لأن البديل غائب. العمل يمتد لأكثر من أربعٍ وعشرين ساعة متواصلة، والإرهاق لم يعد طارئاً صار شرطاً ملازماً.
الأخطر من التعب هو اتخاذ قرارات مصيرية تحت ضغط شديد، حيث لا يُحاسَب النظام إذا أخفق، بل الطبيب وحده.
الحرب ضاعفت العبء. إصابات معقدة تصل بأعداد كبيرة، إمكانات محدودة، أجهزة مفقودة، وأدوية شحيحة، ومع ذلك تُعلّق التوقعات كاملة على من بقي.
كثير من الأطباء غادروا، ومن واصل العمل يفعل ذلك بدافع أخلاقي صرف، مدركاً أن الغياب يعني ترك المرضى بلا رعاية.
الهجرة، في هذا السياق، لم تكن مساراً مهنياً محسوباً، إنما خيار نجاة. طبيبة أطفال غادرت البلاد بعد قصف مستشفاها وانقطاع الرواتب لأشهر، تحكي عن عمل بلا مقابل تقريباً، وعن شعور دائم بانعدام الأمان.
الرحيل حمل ثقل الذنب، لكنه بدا أقل قسوة من البقاء تحت تهديد دائم بالعجز أو الفقد. الأكثر مغادرة هم الكفاءات الشابة، ومعهم يتسع الفراغ ويتوقف التدريب وتتآكل الخبرة.
داخل المستشفيات الحكومية، يتجلى الأثر بوضوح. مغادرة طبيب واحد تعني فقدان خدمة كاملة. أقسام تُغلق أو تُقلَّص لأن اختصاصياً أو اثنين غادرا، ونظام المناوبات يختل، والأطباء المتبقون يعملون فوق طاقتهم، ما ينعكس مباشرة على جودة الرعاية. المستشفى، في كثير من الحالات، يتراجع إلى نقطة إسعاف عاجزة عن التعامل مع الحالات المعقدة.
المشكلة لا تتعلق بالمباني أو الأجهزة وحدها. البشر هم جوهر المنظومة، وحين يُستنزفون تنهار الخدمة مهما توفرت الموارد. مستشفيات بلا أطباء مقيمين، مرافق تعتمد على زيارات متقطعة، وضغط متزايد على القلة التي ما زالت تعمل.
وسط هذا المشهد، يواصل بعض الأطباء العمل مدفوعين بإحساس ثقيل بالمسؤولية. طبيبة عمومية في ريف الجزيرة تعرف أن مغادرتها تعني إغلاق المركز الصحي الوحيد في المنطقة.
الواجب يمنعها من الرحيل، لكنه في الوقت نفسه يضعها في مواجهة استنزاف نفسي قاسٍ، حيث التعامل اليومي مع المرض والموت يجري بلا دعم أو ضمانات.
إلى متى يمكن تحميل الأخلاق ما تعجز عنه السياسات؟ الاعتماد على التضحية وحدها ليس بطولة، بل إدارة مؤجلة للانهيار.
أين الدولة؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم