د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
تتناول العلاقات المصرية السودانية تاريخاً طويلاً من التفاعل الجغرافي والحضاري والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، يجمع بين البلدين بحكم الجوار وارتباطهما بوادي النيل وتشابك المصالح والمصائر. غير أن هذا التاريخ لا يخلو من التوترات والخلافات المرتبطة بالاستعمار والحكم الثنائي وقضايا السيادة والحدود ومياه النيل وتفاوت القوة والنفوذ. وينطلق تحليل العلاقة من التمييز بين الخلافات الحقيقية التي تستحق النقاش والمعالجة، وبين العداء المصطنع الذي تضخمه بعض الخطابات السياسية والإعلامية، ويحوّل التباينات القابلة للتسوية إلى صراع دائم بين الشعبين. فالصداقة لا تعني إنكار المظالم أو التنازل عن الحقوق، كما أن نقد السياسات الحكومية لا يبرر تعميم الاتهامات على الشعوب أو تغذية الكراهية القومية.
تعود الجذور التاريخية للعلاقة الحديثة إلى الغزو التركي المصري للسودان في عشرينيات القرن التاسع عشر، ثم الحكم الثنائي البريطاني المصري الذي بدأ عام 1899 واستمر حتى استقلال السودان في يناير 1956. وقد خلّفت هذه المراحل تجارب متباينة من الإدارة والسيطرة والتعاون والتنافس، وأسهمت في تشكيل تصورات مختلفة بشأن السيادة والهوية والمصالح الوطنية. وبعد الاستقلال، شهدت العلاقات تقارباً وتوتراً تبعاً لطبيعة الأنظمة الحاكمة والتحولات الإقليمية والصراعات الداخلية في البلدين. كما مثّلت قضايا الحدود ومياه النيل والتمثيل السياسي والأمن الإقليمي مصادر متكررة للخلاف. ومع ذلك، فإن هذه النزاعات لا تثبت وجود عداء تاريخي حتمي بين الشعبين، بل تكشف عن مشكلات سياسية ومؤسسية يمكن إدارتها بالتفاوض والقانون والتعاون المتكافئ.
يركز المقال على الجهات والعوامل التي تسهم في صناعة العداء أو تضخيمه، ومنها النخب السياسية التي تستخدم النزعة القومية لحشد الأنصار أو صرف الانتباه عن الأزمات الداخلية، والتيارات الأيديولوجية التي توظف التاريخ والهوية لخدمة مصالحها، والخطابات الإعلامية التي تنتقي الوقائع وتعيد تقديمها بصورة تحريضية، والحسابات الرقمية التي تنشر الشائعات أو تقتطع التصريحات من سياقاتها. وقد تسهم أيضاً المصالح الاقتصادية وشبكات التهريب والتنافس الإقليمي في تأجيج التوتر. لكن وجود هذه العوامل لا يثبت أن جميع مظاهر العداء تُدار عبر مؤامرة موحدة أو تمويل خارجي منظم؛ إذ ينبغي التمييز بين الوقائع المثبتة والتفسيرات المحتملة والاتهامات التي تفتقر إلى الأدلة. ويقتضي كشف الأجندات المحرّضة فحص مصادر المعلومات وتوقيت نشرها والمستفيدين من تداولها، مع تجنب تحويل نقد المحرّضين إلى اتهامات جماعية للشعب المصري أو السوداني.
وتُعد منطقة حلايب وشلاتين وأبو رماد من أبرز الملفات الخلافية. فقد أسهم اختلاف الخط الفاصل بين الحدود السياسية التي تعود إلى عام 1899 والترتيبات الإدارية التي أُدخلت عام 1902 في نشوء مطالبتين متعارضتين؛ إذ تستند مصر إلى خط عام 1899، بينما تستند المطالبة السودانية إلى ترتيبات عام 1902. وتسيطر مصر على المنطقة حالياً، مع استمرار النزاع حول السيادة عليها. وتزيد الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية المحتملة للمنطقة من حساسية القضية، لكن تقديرات الموارد المعدنية والطاقة لا ينبغي التعامل معها بوصفها احتياطيات مؤكدة ما لم تسندها بيانات موثوقة. كما أن توظيف النزاع في الخطاب القومي قد يحوّل قضية قانونية وسياسية محددة إلى مصدر دائم للعداء الشعبي. والحل الأكثر استدامة هو إدارة الخلاف سلمياً، وتجنب التصعيد، وتوفير المعلومات الدقيقة، والبحث عن ترتيبات عملية تحمي السكان والحقوق والمصالح إلى أن تُعالج القضية عبر الوسائل المتفق عليها.
ويمثل نهر النيل ملفاً آخر تتداخل فيه المصالح المشتركة مع الخلافات القانونية والسياسية. فقد خصص اتفاق مياه النيل لعام 1959، المبرم بين مصر والسودان، 55.5 مليار متر مكعب سنوياً لمصر و18.5 مليار متر مكعب للسودان، على أساس تقدير متوسط تدفق النهر واحتساب الفاقد بالتبخر. غير أن الاتفاق لم يشمل دول المنبع، ولذلك لا يمكن اعتباره تسوية نهائية لجميع الحقوق والمطالبات في حوض النيل. كما أثار سد النهضة الإثيوبي خلافات بشأن الملء والتشغيل وتبادل البيانات والأمن المائي. وتختلف المصالح المصرية والسودانية في بعض التفاصيل، لكنها تتقاطع في الحاجة إلى تدفق مائي يمكن التنبؤ به، وحماية السكان والزراعة والطاقة، وتجنب الأضرار العابرة للحدود. ومن ثم، فإن تصوير الخلافات المائية باعتبارها صراعاً حتمياً بين الشعبين يغفل إمكانية التنسيق الفني والقانوني والتفاوض مع بقية دول الحوض.
وتكشف العلاقات التجارية عن فرص مهمة للتكامل، رغم التفاوت في حجم الصادرات والواردات والعقبات التي تواجه حركة السلع والاستثمار. وبلغ حجم التجارة الثنائية المعلن نحو 1.2 مليار دولار عام 2024، مقابل 1.4 مليار دولار عام 2023. وشملت الصادرات المصرية إلى السودان منتجات الطحن والسكر والحلويات ومستحضرات الحبوب والحديد والصلب والملابس، بينما تضمنت الواردات المصرية من السودان الحيوانات الحية والبذور الزيتية والقطن وبعض الأحجار والمعادن النفيسة. ويعكس هذا النمط فرصاً لتطوير سلاسل إنتاج مشتركة بدلاً من الاقتصار على تبادل المنتجات الأولية والسلع الجاهزة. ولا يكفي الاختلال في الميزان التجاري، بمفرده، لإثبات الاستغلال الاقتصادي؛ إذ يجب أيضاً النظر في طبيعة السلع والقيمة المضافة والتجارة غير الرسمية والخدمات والقيود التي فرضتها الحرب. ويتيح تطوير النقل والمعابر والتخزين والصناعات الغذائية والزراعية فرصاً لتوليد الوظائف وزيادة الدخل وتقليل تكاليف التجارة، بما يخدم الطرفين.
أما الهجرة واللجوء، فقد اكتسبا أهمية استثنائية بعد اندلاع الحرب السودانية في 15 أبريل 2023. فقد لجأ سودانيون كثيرون إلى مصر بحثاً عن الأمن والرعاية الصحية والتعليم وفرص العيش، وأصبح اللاجئون جزءاً من واقع اجتماعي واقتصادي يتطلب سياسات متوازنة. وتشير بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى تسجيل مئات الآلاف من السودانيين في مصر، مع تركز ملحوظ في القاهرة الكبرى والإسكندرية ومناطق أخرى. وقد واجه اللاجئون صعوبات تتعلق بتكاليف المعيشة والإقامة والعمل والحصول على الخدمات، بينما واجهت المجتمعات المضيفة بدورها ضغوطاً اقتصادية وخدمية. كما أثيرت مخاوف بشأن التوقيف والترحيل وسوء المعاملة، في مقابل تأكيد السلطات المصرية أن إجراءات الترحيل ترتبط بمخالفات قانونية وأمنية. ويقتضي التقييم المنصف توثيق الانتهاكات المحددة ومساءلة المسؤولين عنها، دون تعميمها على جميع المصريين أو تجاهل التحديات التي تواجهها الدولة والمجتمعات المضيفة. كذلك يبرز اتفاق الحريات الأربع الموقع عام 2004، المتعلق بحرية التنقل والإقامة والعمل والتملك، إطاراً مهماً ينبغي تقييم مستوى تنفيذه الفعلي ومعالجة أوجه القصور فيه.
وفي سياق الحرب السودانية، تبرز أهمية التمييز بين المواقف الرسمية المصرية، وتصورات السودانيين المختلفة لهذه المواقف، والمعلومات المتداولة عنها. فقد أعلنت مصر دعمها لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته، وأكدت تضامنها مع الشعب السوداني والحاجة إلى الاستجابة الإنسانية وإعادة الإعمار. كما عقد مسؤولون مصريون وسودانيون اجتماعات تناولت الأمن المائي والتعاون في حوض النيل وإعادة بناء البنية التحتية السودانية والتدريب الفني. وتمثل هذه الاتصالات دليلاً على استمرار قنوات التعاون الرسمي رغم الحرب والخلافات. غير أن إعلان المبادئ لا يغني عن تقييم السياسات العملية وآثارها، كما أن العلاقات الحكومية لا تعكس بالضرورة جميع تطلعات المجتمع السوداني. ولذلك يتطلب بناء الثقة شفافية أكبر بشأن المواقف والاتفاقات، واحترام استقلال القرار السوداني، ودعم الحلول المدنية، وعدم اختزال السودان في أطرافه العسكرية أو التعامل مع الحرب باعتبارها شأناً أمنياً فقط.
ويفند المقال عدداً من التصورات المضللة، من بينها الزعم بأن العداء بين مصر والسودان حتمي بحكم التاريخ، أو أن كل انتقاد لمصر يمثل مؤامرة خارجية، أو أن جميع السياسات المصرية تستهدف الهيمنة على السودان، أو أن الخلاف حول حلايب حُسم بصورة لا تقبل النقاش، أو أن مصالح البلدين في مياه النيل متطابقة تماماً. كما يرفض الاستنتاج بأن العجز التجاري يثبت وحده وجود استغلال، أو أن جميع السودانيين في مصر يواجهون المعاملة نفسها، أو أن كل محتوى عدائي على وسائل التواصل الاجتماعي تقف وراءه جهة ممولة. ويؤكد أن التقارب الرسمي لا يعني غياب المشكلات، وأن الصداقة الحقيقية لا تقوم على إخفاء الوقائع أو منع النقد، بل على التحقق من المعلومات وفصل الرأي عن الخبر والاتهام عن الدليل. وتساعد هذه المقاربة في الحد من التضليل، وتفكيك التعميمات القومية، ومنع تحويل الحوادث الفردية أو الخلافات السياسية إلى أحكام جماعية.
ويربط المقال بين تصاعد العداء ومجموعة من العوامل البنيوية، تشمل تفاوت القوة بين الدولتين، وضعف المؤسسات المدنية، وتدخل الأجهزة العسكرية في الاقتصاد والسياسة، والأزمات المعيشية، والانتقائية في استدعاء التاريخ، والتنافس على الموارد والنفوذ. وتؤدي هذه العوامل إلى جعل العلاقات الثنائية أكثر عرضة للتقلبات، كما تتيح للفاعلين السياسيين استثمار الخوف والشك لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل. وتنعكس آثار العداء على فرص السلام في السودان، وحماية اللاجئين، والتجارة والاستثمار، والتعاون في المياه والطاقة والصحة والتعليم. وقد يسهم التحريض في إضعاف التضامن الشعبي في وقت يحتاج فيه السودانيون إلى المساندة الإنسانية والسياسية، كما قد يحرم المجتمعات المصرية من فرص اقتصادية وثقافية مهمة. لذلك فإن مقاومة خطاب الكراهية ليست مجرد مسألة أخلاقية، بل شرط عملي لحماية المصالح المشتركة وتقليل تكاليف الصراع.
ويعرض المقال شواهد عملية على إمكان التعاون، من بينها تطوير المعابر البرية، مثل معبري قسطل وأرقين اللذين افتُتحا في عامي 2014 و2017، بما عزز حركة النقل البري وربط المجتمعات الحدودية والأسواق. كما يمثل تشغيل الربط الكهربائي بين مصر والسودان عام 2020 خطوة في اتجاه التعاون في مجال الطاقة، مع تنفيذ المرحلة الأولى بقدرة تصل إلى 70 ميغاواط، والتخطيط لزيادة القدرة إلى 300 ميغاواط في مرحلة لاحقة. وتوضح هذه المشروعات أن العلاقة لا تقتصر على النزاعات السياسية، بل تشمل مصالح ملموسة يمكن توسيعها في الكهرباء والمياه والنقل والصحة والزراعة والتعليم والبحث العلمي. ويمكن تعزيز هذه المصالح من خلال مشروعات مشتركة ذات منفعة متبادلة، وتطوير الصناعات الزراعية والغذائية، وتبادل الخبرات، وتسهيل حركة السلع، ودعم المشروعات الصغيرة، وتوفير آليات شفافة لتسوية النزاعات التجارية والإدارية.
ويستند التحليل إلى مفاهيم تفسر كيفية تشكل العداء وإمكان الحد منه، ومنها تصور العلاقات الدولية بوصفها صراعاً صفرياً، حيث يُنظر إلى مكاسب الطرف الآخر باعتبارها خسارة للطرف المقابل، ومفهوم الأمننة الذي يحول القضايا الاجتماعية والاقتصادية إلى تهديدات أمنية، وبناء الهوية السياسية من خلال التمييز بين «نحن» و«هم»، والاعتماد المتبادل الذي يوضح كيف يمكن للمصالح الاقتصادية والاجتماعية المشتركة أن تقلل دوافع التصعيد. كما يساعد مفهوم التضليل المعلوماتي في تفسير انتشار الأخبار الكاذبة والمحتوى المجتزأ، بينما توضح نماذج التفاعل الاستراتيجي كيف يمكن لغياب الثقة أن يؤدي إلى إجراءات متبادلة تزيد التوتر حتى عندما تكون التسوية أكثر فائدة للطرفين. ويشدد المقال على ضرورة مراعاة حدود الأدلة المتاحة، والتمييز بين الارتباط والسببية، وعدم نسبة دوافع محددة إلى جهة ما من دون أدلة كافية. كما يدعو إلى دراسات ميدانية وتحليلات إعلامية واقتصادية وقانونية أكثر انتظاماً لفهم اتجاهات الرأي العام وقياس أثر الخطاب العدائي وتقييم نتائج سياسات التعاون.
ويخلص المقال إلى أن العلاقات المصرية السودانية لا ينبغي أن تُختزل في تاريخ من الهيمنة أو في سردية مثالية تتجاهل الخلافات، بل يجب فهمها بوصفها علاقة مركبة تجمع الروابط الاجتماعية والجغرافية والمصالح المشتركة بالنزاعات السياسية والاقتصادية والقانونية. وتقتضي حماية هذه العلاقة مقاومة التحريض والكراهية، وكشف الادعاءات غير المثبتة، واحترام حق السودانيين في السيادة وتقرير المصير، ومعالجة الخلافات الحدودية والمائية بالوسائل السلمية، وتحسين حماية اللاجئين، وتوسيع التعاون الاقتصادي والعلمي والإنساني. كما تتطلب مساءلة السياسات والجهات المسؤولة عن الانتهاكات من دون تحميل الشعوب مسؤولية جماعية عنها. فالبديل عن العداء المصطنع ليس الصمت عن المشكلات، بل بناء علاقة عادلة وشفافة يستطيع فيها الطرفان الدفاع عن حقوقهما ومصالحهما، مع الحفاظ على التواصل والتعاون وتجنب تحويل الخلافات القابلة للحل إلى خصومة دائمة. وبذلك يصبح السلام بين مصر والسودان مشروعاً عملياً يقوم على الأدلة والمصالح المتبادلة والاحترام، لا مجرد شعار عاطفي أو خطاب دبلوماسي.
النص الكامل للمقال
- مقدمة تحليلية: من خطاب الخصومة إلى مشروع علاقة استراتيجية عادلة
تُعد العلاقات السودانية المصرية من أكثر العلاقات الإقليمية تشابكًا في إفريقيا والعالم العربي، بحكم الجغرافيا والتاريخ ونهر النيل والتداخل السكاني والاقتصادي والثقافي. وقد جمعت البلدين، على امتداد فترات تاريخية طويلة، أنماط متعددة من التواصل والتبادل والتعاون، كما شهدت علاقاتهما خلافات سياسية ونزاعات حول الحدود والمياه وتفاوتًا في القوة والتأثير. ولا يمكن فهم هذه العلاقة فهمًا علميًا سليمًا إذا اختُزلت في روايتين متعارضتين: رواية تصوّر مصر بوصفها حليفًا لا يمكن أن تختلف مصالحه عن مصالح السودان، ورواية مضادة تصوّرها عدوًا تاريخيًا يسعى دائمًا إلى إخضاعه. فكلتا الروايتين تتجاهل تعقيدات الوقائع، وتستبدل التحليل التاريخي والسياسي بالتعميم والانتقاء، وتمنع التمييز بين العلاقات الشعبية والسياسات الحكومية والمصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية.
ينطلق هذا المقال من موقف واضح ضد اصطناع العداء بين الشعبين، وضد تحويل الخلافات القابلة للتفاوض إلى صراع هوياتي دائم، وضد استغلال الأزمات السودانية والمصرية لتعبئة الجمهور على أساس الكراهية القومية. لكنه لا يساوي بين رفض العداء والتنازل عن الحقوق، ولا بين الدفاع عن العلاقة الثنائية وتبرير كل سياسة حكومية، ولا بين الاعتراف بالروابط التاريخية وإهمال ملفات السيادة والحدود والمياه وحقوق المواطنين. فالعلاقة الإيجابية المستدامة لا تقوم على إنكار الخلاف، بل على إدارته بأدوات القانون والدبلوماسية والمصالح المتبادلة والمساءلة. والهدف ليس استبدال خطاب العداء بخطاب مجاملة رسمي، وإنما تأسيس علاقة تستطيع استيعاب الخلافات من دون تحويلها إلى خصومة شعبية، وتسمح لكل طرف بالدفاع عن مصالحه الوطنية من دون المساس بحق الطرف الآخر في الاستقلال والكرامة والأمن.
وتكشف الوقائع أن التعاون بين البلدين ليس مجرد شعار ثقافي أو عاطفي. فقد استمرت الاتصالات السياسية والدبلوماسية رغم تعاقب الحكومات والأزمات، ووقّع البلدان اتفاقيات للتعاون في مجالات متعددة، وأقاما أطرًا للتنسيق بشأن مياه النيل، وارتبط اقتصاداهما بتجارة متبادلة تشمل المنتجات الزراعية والحيوانية والصناعية. كما افتُتحت معابر برية ساعدت في تسهيل الحركة بين البلدين، وبدأ التشغيل الفعلي للربط الكهربائي المصري السوداني في أبريل 2020، بقدرة أولية مستهدفة بلغت 70 ميغاوات، مع التخطيط لرفعها إلى 300 ميغاوات بعد استكمال المرحلة التالية. وهذه وقائع ملموسة تثبت وجود مصالح مشتركة ومشروعات تعاون فعلية، وإن كانت لا تعني أن جميع المشكلات الاقتصادية والسياسية قد حُلّت (هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة المصرية، 2020؛ محي الدين، 2020).
كما استقبلت مصر أعدادًا كبيرة من السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم بعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، وأصبحت مدن مصرية عديدة مواقع لإقامة أسر سودانية وممارسة أنشطة اقتصادية وتعليمية واجتماعية. وفي المقابل، كشفت الحرب نفسها عن مشكلات تتعلق بالإقامة والحماية الإنسانية والضغوط الاقتصادية والقدرة على الوصول إلى الخدمات، وهي قضايا تستلزم المعالجة الواقعية بدل تحويلها إلى ذرائع لتأجيج الكراهية أو إنكار الصعوبات التي يواجهها السودانيون والمجتمعات المصرية المضيفة.
ويؤكد استمرار الاتصالات الرسمية خلال الحرب أن قنوات العلاقة الثنائية لم تنقطع، وأن ملفات السيادة ووحدة السودان والمياه وإعادة الإعمار والتعاون الإنساني ظلت حاضرة في المباحثات. ومن الأمثلة المحددة على ذلك الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية والري في مصر والسودان، الذي انعقد في القاهرة في 24 فبراير 2025، وأعلن الجانبان خلاله أن المباحثات جرت في جو ودي وإيجابي اتسم بالتفاهم المتبادل، واتفقا على تعزيز التعاون المائي، والعمل المشترك للحفاظ على الحقوق المائية وفق الاتفاقيات المبرمة وقواعد القانون الدولي واجبة التطبيق، والتنسيق في المحافل الإقليمية والدولية، وتطوير مشروعات المياه والتدريب وإعادة الإعمار في السودان. كما أكد الجانب المصري دعمه لجهود إعادة الإعمار وتحسين إمدادات المياه وإصلاح البنية التحتية المائية السودانية (وزارة الخارجية المصرية، 2025). وهذه واقعة رسمية محددة تدعم القول إن التعاون ممكن حتى في ظروف الحرب، لكنها لا تعفي من ضرورة التحقق من تنفيذ الالتزامات وقياس نتائجها الفعلية.
غير أن تحليل هذه العلاقة لا يجوز أن يتوقف عند البيانات الرسمية؛ فالتصريحات الحكومية تعكس المواقف المعلنة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات نجاح السياسات أو تطابق المصالح. ولذلك يعتمد المقال على التمييز بين الوقائع الموثقة والتفسيرات السياسية والاتهامات التي تحتاج إلى أدلة مستقلة. كما يميّز بين انتقاد سياسة مصرية محددة، وهو حق مشروع، وبين تعميم الاتهام على المصريين جميعًا؛ وبين نقد قرارات الحكومات السودانية، وبين تحميل الشعب السوداني مسؤولية تلك القرارات؛ وبين وجود جهات تستفيد من التوتر، وبين الادعاء غير المثبت بأن كل خطاب ناقد موجّه من الخارج أو ممول من جهة بعينها.
والسؤال المركزي هنا ليس ما إذا كانت هناك خلافات بين السودان ومصر؛ فالخلافات معروفة وموثقة. وإنما هو: كيف تُضخَّم هذه الخلافات، ومن يستفيد سياسيًا أو اقتصاديًا أو أيديولوجيًا من تحويلها إلى عداء شعبي؟ وما الوقائع التي تثبت وجود مصالح مشتركة وفرص تعاون فعلية؟ وما الفرق بين الدفاع عن السيادة والتحريض القومي؟ وكيف يمكن بناء علاقة تحمي سيادة السودان وحقوق شعبه، وتحترم مصالح مصر وأمنها، وتمنع تحويل البلدين إلى خصمين دائمين؟
وتعتمد المعالجة المنهجية للمقال ترتيبًا يبدأ بتحديد طبيعة العلاقة التاريخية، ثم تحليل الجهات والآليات التي تضخم العداء، ثم دراسة الملفات الأكثر حساسية، وفي مقدمتها الحدود والمياه والتجارة والهجرة والحرب، قبل فحص الشائعات والتفسيرات النظرية، وتحليل الوقائع الحديثة، وانتهاءً باقتراح إطار عملي للتعاون. ويهدف هذا الترتيب إلى الانتقال من الخلفية التاريخية إلى تفسير الخطاب السياسي، ثم إلى اختبار الادعاءات بالبيانات والوقائع، وأخيرًا إلى صياغة حلول قابلة للتنفيذ. ولا يُقصد بهذا الترتيب الادعاء بأن جميع النزاعات متساوية في طبيعتها أو أن مسؤوليات أطرافها متطابقة، وإنما تنظيم الأدلة بحيث لا تُستخدم الخاتمة لتبرير موقف سابق، بل تُستخلص التوصيات من تحليل الوقائع والقيود والمصالح المتعارضة.
- الجذور التاريخية: تاريخ متداخل لا يختزل في العداء أو الوحدة
تتسم العلاقات السودانية المصرية بتداخل تاريخي وجغرافي وثقافي عميق، لكن هذا التداخل لم يكن مرادفًا دائمًا للمساواة السياسية أو الرضا الشعبي. فقد شهد القرن التاسع عشر توسع الدولة المصرية في السودان في عهد محمد علي باشا، ابتداءً من حملة عام 1820، وهي مرحلة ارتبطت ببناء الإدارة المركزية وتوسيع النشاط التجاري والعسكري، لكنها ارتبطت كذلك بالإكراه والجباية والتجنيد والاستغلال. ومن ثم، لا يصح تصوير تلك المرحلة باعتبارها وحدة طوعية متكافئة بين شعبين، كما لا يصح استخدامها دليلًا على عداوة أزلية لا تتغير. فالتحليل التاريخي ينبغي أن يميز بين المؤسسات والسلطات والمصالح التي حكمت تلك المرحلة وبين المجتمعات التي عاشت في ظلها، وأن يوضح كيف يمكن لواقعة تاريخية واحدة أن تُقرأ بطرق مختلفة بحسب موقع الراوي ومصالحه السياسية.
وخلال الحكم التركي المصري، ثم في فترة الحكم الثنائي المصري البريطاني التي بدأت عام 1899، تشكلت مؤسسات وإدارات وروابط اقتصادية واجتماعية تركت آثارًا ممتدة. غير أن المصالح المصرية والبريطانية لم تكن متطابقة دائمًا، كما لم تكن مصالح السودانيين متجانسة؛ إذ اختلفت المواقف تبعًا للمناطق والطبقات والقيادات السياسية والظروف الاقتصادية. ولذلك فإن قراءة العلاقات من منظور قومي ثنائي مبسط، يجعل مصر فاعلًا واحدًا دائمًا والسودان فاعلًا واحدًا دائمًا، تُسقط على الماضي هويات سياسية معاصرة وتغفل الصراعات الداخلية والتحولات المؤسسية. كما أن التداخل التاريخي لا يمنح أي دولة حقًا تلقائيًا في تقرير مستقبل الدولة الأخرى، ولا يجعل الروابط الثقافية بديلًا من السيادة السياسية والقانونية.
وأفضى تطور الحركة الوطنية السودانية إلى استقلال السودان في يناير 1956، وهو تطور ينبغي النظر إليه باعتباره تأسيسًا لسيادة سياسية سودانية مستقلة، لا قطيعة ضرورية مع مصر. فالاستقلال لا يستلزم العداء للجوار، والعلاقة الوثيقة لا تستلزم التنازل عن الاستقلال. ويمكن للدولتين أن تتعاونا انطلاقًا من المساواة القانونية، مع اختلاف أنظمتهما السياسية ومصالحهما ومواقفهما من القضايا الإقليمية. وقد ظلت مسألة العلاقة بين السيادة والتعاون محورًا أساسيًا في السياسة السودانية؛ إذ يمكن للسودان أن يحافظ على استقلال قراره، وأن يطوّر علاقات وثيقة مع مصر، وأن يتعاون في المياه والتجارة والطاقة والأمن، من دون أن يصبح تابعًا سياسيًا لها أو أن يتخلى عن خلافاته القانونية معها.
وشهدت العقود التالية تغيرات متكررة في النظامين السياسيين السوداني والمصري. فقد أثرت الانقلابات العسكرية والتحولات الحزبية والنزاعات الإقليمية في العلاقة الثنائية، وتفاوت مستوى التقارب بحسب الظروف السياسية ومصالح الحكومات القائمة. كما أدت الخلافات بشأن الحدود والمياه والأمن إلى فترات من التوتر، من دون أن تؤدي إلى انقطاع دائم للعلاقات أو توقف جميع أشكال التبادل الشعبي والاقتصادي. ويشير شريف محي الدين إلى أن سياسات الحدود بعد استقلال السودان اتسمت بفترات من الشك المتبادل، وأن القيود على الحركة وإعادة توطين المجتمعات النوبية والنزاع حول حلايب أسهمت في إضعاف التواصل الحدودي، رغم وجود محاولات لتحسين العلاقات (محي الدين، 2020).
ومن الأمثلة المهمة على أثر السياسات الحكومية في الروابط الشعبية ما حدث بعد بناء السد العالي في أسوان خلال ستينيات القرن العشرين. فقد أُعيد توطين أكثر من مئة ألف من النوبيين المصريين والسودانيين خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر 1963 ويونيو 1964، وغمرت مياه بحيرة ناصر أجزاء واسعة من الأراضي التي كانت مأهولة بالسكان. ونُقل نوبيون مصريون إلى مناطق شمال أسوان، بينما أُعيد توطين نوبيين سودانيين في منطقة خشم القربة وشرق السودان، ضمن ظروف أثرت في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والروابط العابرة للحدود. ولم يكن أثر هذه العملية محصورًا في فقدان الأرض والمساكن؛ فقد تراجعت كذلك فرص التواصل التجاري والاجتماعي التي كانت تعتمد على القرب الجغرافي والتنقل المحلي (محي الدين، 2020).
وتوضح هذه الواقعة أن مشروعات التنمية الكبرى قد تحقق منافع وطنية واسعة، لكنها قد تفرض في الوقت نفسه تكاليف كبيرة على مجتمعات محلية بعينها. ومن ثم، فإن التعامل المنصف مع التاريخ يتطلب الاعتراف بتلك التكاليف من دون تحويلها إلى اتهام جماعي دائم للمصريين أو السودانيين. كما أن معالجة آثار التهجير وتهميش المجتمعات الحدودية يمكن أن تصبح مجالًا للتعاون، من خلال برامج مشتركة لحماية التراث النوبي، ودعم اللغات والثقافات المحلية، وتسهيل التواصل العائلي والتبادل الثقافي، وتطوير مشروعات اقتصادية تراعي احتياجات السكان الذين تحملوا تكاليف التحولات التاريخية.
وتُظهر التجربة أن العلاقة بين الدولتين لا يمكن تفسيرها على أساس وجود عداوة شعبية ثابتة. فقد تعايشت فترات الخلاف مع استمرار العلاقات الدبلوماسية، وتواصلت التجارة والتنقلات السكانية، وأُبرمت اتفاقيات جديدة، وعادت الاتصالات إلى النشاط بعد أزمات سابقة. وهذه الوقائع لا تعني أن التاريخ خالٍ من المظالم أو أن كل السياسات كانت عادلة؛ بل تعني أن العلاقات السياسية قابلة للتغيير وأن التعاون ليس استثناءً مستحيلًا، وإنما مسار تتيح له المصالح المشتركة فرصة متجددة. كما أن العلاقات لا تتطور بفعل النوايا وحدها، بل تتأثر بالقواعد التي تنظم حركة الأفراد والسلع، وبدرجة الشفافية، وبكيفية معالجة النزاعات، وبمدى قدرة المؤسسات على تحويل الاتفاقات إلى حقوق وخدمات ملموسة.
ويكشف التاريخ أيضًا أن تصوير العلاقة باعتبارها وحدة طبيعية لا خلاف فيها قد يكون مضللًا بقدر تصويرها كعداء دائم. فالسودانيون يمتلكون ذاكرة وطنية وتجربة سياسية وحقًا في تقرير مستقبلهم، والمصريون يمتلكون بدورهم ذاكرة وطنية ومصالح أمنية واقتصادية. والاعتراف المتبادل بهذه الحقيقة شرط أساسي لإقامة علاقة مستقرة؛ لأن التعاون الذي يتجاهل الفوارق في القوة أو يطلب من أحد الطرفين الصمت عن مطالبه لن يكون مستدامًا. والندية لا تعني تطابق القدرات الاقتصادية والعسكرية، بل تعني احترام المساواة القانونية وعدم استخدام تفاوت القوة لفرض قرارات أحادية أو إسكات المطالب المشروعة.
ويؤكد تحليل العلاقات المصرية السودانية منذ استقلال السودان أن المسار لم يكن خطيًا؛ فقد تخللته فترات من التقارب والتباعد، كما شهدت بدايات الألفية الجديدة جهودًا لتحسين العلاقات وتطوير أطر التنسيق. ومن أبرز هذه الجهود اتفاق الحريات الأربع الموقع عام 2004، الذي استهدف تعزيز حرية التنقل والإقامة والعمل والتملك لمواطني البلدين. وقد مثّل الاتفاق اعترافًا بأهمية الروابط الإنسانية والاقتصادية، لكنه لم يُنفذ بصورة كاملة أو متساوية في جميع الظروف، بحسب تحليل محي الدين الذي أشار إلى استمرار القيود الإدارية والتأشيرية على الحركة بين البلدين (محي الدين، 2020). والدرس هنا أن الاتفاقات لا تُقاس بمجرد توقيعها، بل بمدى انعكاسها على قدرة المواطن على التنقل والعمل والإقامة وحماية ممتلكاته وفق القانون.
كما شهدت الفترة التي أعقبت عام 2011 مبادرات شعبية ومحلية لتسهيل حركة الأشخاص والسلع بين البلدين، وأسهمت الضغوط المجتمعية، بما فيها جهود بعض القيادات النوبية، في دفع السلطات إلى فتح معبري قسطل وأرقين. وافتُتح معبر قسطل عام 2014، ثم معبر أرقين عام 2017، وهو تطور مهم في تاريخ الحركة البرية بين البلدين. وقد ساعد المعبران في تقليص زمن الرحلة مقارنة بالنقل النهري السابق، وخفض بعض تكاليف نقل البضائع، وفتح فرص جديدة للتجارة والتنقل. لكن التوقعات الرسمية بأن يؤدي فتح المعابر إلى قفزة كبيرة في حجم التجارة لم تتحقق كلها بالقدر المعلن، وهو ما يوضح أن البنية التحتية شرط مهم لكنه غير كافٍ؛ إذ تتطلب زيادة التبادل إجراءات جمركية ميسرة وتمويلًا ونقلًا منتظمًا واستقرارًا أمنيًا وشفافية في القواعد (محي الدين، 2020).
إن الدرس التاريخي الأساسي هو أن العلاقات بين الشعوب لا تُختزل في قرارات الحكام، وأن الخلاف بين الحكومات لا يبرر تحويل المواطنين إلى أعداء. كما أن الاعتراف بالأخطاء التاريخية لا يفرض استمرار الخصومة، بل يمكن أن يشكل مدخلًا لمعالجة آثارها وإقامة علاقة أكثر توازنًا. فالماضي ينبغي أن يكون مصدرًا للتعلم، لا مخزنًا انتقائيًا للأحداث التي تُستخدم لتبرير الكراهية المعاصرة.
- من يصنع خطاب العداء؟ المصالح السياسية والأيديولوجية والاقتصادية وراء تضخيم الخلافات
لا يمكن نسبة خطاب العداء السوداني المصري إلى جهة واحدة، ولا توجد أدلة تسمح بإسناد كل خطاب ناقد إلى مؤامرة خارجية منظمة. فالمواقف المعادية أو المتوجسة تنشأ من مصادر مختلفة، بعضها يرتبط بتجارب تاريخية حقيقية، وبعضها بالمنافسة السياسية، وبعضها بالمعلومات المضللة، وبعضها بالاستقطاب القومي، وبعضها بمصالح اقتصادية أو أمنية. ولذلك فإن كشف الجهات التي تستفيد من العداء يتطلب تحديد آليات الاستفادة وأدلتها، لا الاكتفاء بتسمية خصم سياسي واتهامه. ويقتضي التحليل العلمي كذلك التمييز بين من يعتقد فعلًا أن سياسة معينة تضر ببلده، ومن يستغل هذا الاعتقاد لتعبئة الجمهور، ومن يختلق وقائع أو ينشر معلومات يعرف أنها مضللة.
أول هذه المصادر هو التنافس بين النخب السياسية على تعريف المصلحة الوطنية. ففي بعض السياقات، يستطيع السياسي أن يحشد مؤيديه بتصوير الخلاف الخارجي باعتباره تهديدًا وجوديًا، بدل أن يشرح تعقيدات الأزمة أو يعترف بمسؤولية مؤسساته. ويصبح الطرف الآخر هدفًا ملائمًا لتفسير الفشل الداخلي، لأن توجيه الغضب إلى الخارج أقل كلفة من فتح ملفات الفساد وسوء الإدارة والحرب وتدهور الخدمات. وهذه آلية معروفة في السياسة المقارنة، لكنها لا تثبت وحدها أن كل سياسي يستخدم الخطاب القومي يتعمد التضليل؛ إذ يلزم فحص الخطاب والقرارات والتوقيت والمصالح الفعلية لكل حالة. كما ينبغي السؤال عما إذا كان الخطاب يقدم حلولًا عملية، أم يكتفي بتحديد عدو خارجي من دون توضيح كيفية معالجة المشكلة.
وقد يستفيد بعض الفاعلين السياسيين من استمرار التوتر لأنه يتيح لهم تجميع الأنصار حول قضية رمزية، أو صرف الاهتمام عن إخفاقات داخلية، أو تقديم أنفسهم بوصفهم حماة الوطن الوحيدين. وقد تُستخدم القضايا الحدودية والمائية لإثبات الصلابة الوطنية، حتى عندما تكون التسوية التفاوضية أكثر فائدة للمواطنين. وفي المقابل، قد يتعرض السياسي الذي يدعو إلى التفاوض لاتهامات بالتفريط أو التبعية، وهو ما يرفع تكلفة الحلول الوسط ويجعل استمرار الخلاف أكثر احتمالًا. لكن لا يمكن إثبات أن شخصًا بعينه يتعمد إطالة النزاع لمصلحة شخصية إلا عبر أدلة تتعلق بقراراته ومصالحه وسلوكه، لا بمجرد اختلافه مع موقف سياسي آخر.
وثاني هذه المصادر هو التيارات القومية المتشددة التي تتعامل مع الدولة المجاورة باعتبارها منافسًا دائمًا. وقد تؤدي هذه التيارات إلى تحويل الخلافات القانونية حول الحدود أو المياه إلى قضايا شرف قومي لا تقبل التفاوض، مع أن القانون الدولي والدبلوماسية يتيحان أدوات متعددة للتسوية. وفي هذه الحالة يصبح الاعتراف بالمصلحة المتبادلة موضع اتهام بالخيانة، ويُصوَّر أي تنازل إجرائي أو تفاوضي باعتباره هزيمة وطنية، حتى لو كان يفتح طريقًا إلى حل يحفظ الحقوق. وقد يتبنى هذا الخطاب أفراد من دول مختلفة، لكنه لا يمثل بالضرورة موقف المجتمع كله، ولا ينبغي مساواة القومية المعتدلة التي تدافع عن الحقوق الوطنية بالقومية الإقصائية التي تنكر حقوق الآخرين.
وثالثها شبكات التعبئة الأيديولوجية التي تستخدم الخلافات الخارجية لتعزيز نفوذها الداخلي. فقد تستفيد تيارات سياسية أو دينية أو عسكرية من استمرار حالة الاستنفار، لأن المجتمع المنشغل بتهديد خارجي متخيَّل أو مبالغ فيه قد يكون أقل قدرة على مساءلة القوى التي تحتكر السلاح أو السلطة أو الموارد. ومع ذلك، لا يصح إسناد هذا السلوك إلى تيار محدد من دون أدلة على خطاب قياداته أو آليات تمويله أو ممارساته التنظيمية. والمطلوب هو إخضاع جميع التيارات، بلا استثناء، للمعايير نفسها، سواء كانت قريبة من الحكومة أو المعارضة أو المؤسسات العسكرية أو الحركات المدنية.
ورابعها بعض المنابر الإعلامية والحسابات الرقمية التي تعتمد على الاستقطاب لجذب المشاهدات والمتابعين. فالرسالة الغاضبة والاتهام الشامل والمقطع المثير قد تنتشر أسرع من التحليل التاريخي أو الوثيقة القانونية. وعندما تتحول المنافسة الإعلامية إلى سباق على إثارة الغضب، قد تُقتطع التصريحات من سياقها، وتُعاد مشاركة صور قديمة باعتبارها أحداثًا جديدة، وتُقدَّم الشائعات في صيغة أخبار عاجلة. وتستفيد هذه الحسابات من التفاعل الذي ينتجه الغضب، لكن إثبات وجود حملة منسقة أو ممولة يحتاج إلى أدلة تقنية ومالية وتنظيمية، ولا يجوز استنتاجه من كثرة المنشورات المتشابهة وحدها. كما ينبغي التمييز بين المحتوى المضلل الذي يُنشر عمدًا، والخطأ الصحفي، والرأي السياسي الحاد، والنقد المشروع الذي يستند إلى وقائع.
وخامسها بعض شبكات المصالح الاقتصادية غير المشروعة التي قد تستفيد من ضعف الرقابة على الحدود ومن اضطراب التجارة الرسمية. فالحرب في السودان وما يصاحبها من تهريب للذهب والسلع والأسلحة وتعدد مراكز السيطرة قد يخلق بيئة يستفيد فيها وسطاء وشبكات مسلحة من غياب الإدارة الفعالة. لكن وجود تهريب في منطقة حدودية لا يثبت أن المصريين أو السودانيين عمومًا يستفيدون منه، ولا يثبت أن حكومتي البلدين تدعمانه. وينبغي تحديد الشبكات والفاعلين ومسارات الأموال والسلع وفق تحقيقات موثقة، مع التمييز بين التجارة الحدودية المشروعة التي توفر سلعًا للسكان وبين التهريب الذي يخرق القانون أو يمول العنف.
وسادسها القوى الإقليمية والدولية التي تتنافس على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي وحوض النيل. وقد تتعارض مصالح بعض هذه القوى مع بناء تعاون سوداني مصري متوازن، إلا أن هذا الاحتمال لا يبرر اتهام دولة أو جهة بعينها بإدارة خطاب العداء من دون وثائق أو أدلة مستقلة. فالتنافس الجيوسياسي حقيقة عامة، أما تحديد من يمول حملة بعينها أو يوجهها فمسألة إثبات منفصلة. ويجب فحص كل ادعاء عن التمويل أو التنسيق على أساس الوثائق والتحقيقات المستقلة والبيانات المالية أو الرقمية المتاحة، لا على أساس الانطباعات أو التوافق السياسي بين أصحاب المنشورات.
ومن المهم كذلك الاعتراف بأن بعض مشاعر الاستياء السودانية ترتبط بوقائع محددة، مثل النزاع حول حلايب وشلاتين، أو الشعور بعدم التكافؤ في بعض المفاوضات، أو القيود التي واجهها سودانيون في الإقامة والعمل، أو انتقادات تتعلق بإدارة ملف اللاجئين. ولا يمكن وصف هذه المخاوف جميعًا بأنها صناعة عداء؛ فقد يكون بعضها اعتراضًا مشروعًا على سياسة معينة. والتمييز الضروري هنا هو بين نقد سياسة قابلة للتغيير وبين تحويلها إلى حكم شامل على شعب بأكمله. فالمطالبة بحل نزاع حدودي لا تعني بالضرورة معاداة المصريين، كما أن المطالبة بحماية حقوق اللاجئين لا تعني إنكار الضغوط التي تواجهها المؤسسات والمجتمعات المصرية.
والنتيجة أن من يصنع العداء لا يُعرف من جنسيته أو موقعه السياسي فقط، بل من سلوكه وأدلته ومصالحه. ويُشتبه في الخطاب التحريضي عندما يتعمد تعميم الذنب، أو ينشر معلومات كاذبة بعد ثبوت خطئها، أو يرفض التصحيح، أو يحرض على التمييز والعنف، أو يستغل مأساة إنسانية لتحقيق مكاسب سياسية. أما النقد المبني على الوثائق والوقائع، حتى إن كان حادًا، فلا ينبغي مساواته بالتحريض. ومن ثم، فإن كشف أجندات صانعي العداء يتطلب تحليلًا موثقًا لكل حالة: ما الادعاء الذي نُشر؟ وما مصدره؟ وما الدليل عليه؟ ومن المستفيد من انتشاره؟ وهل صُحح الخطأ بعد كشفه؟ وهل توجد أدلة على التمويل أو التنسيق؟ هذه الأسئلة أكثر فائدة من إطلاق اتهامات عامة لا يمكن التحقق منها.
- حلايب وشلاتين وأبو رماد: نزاع حقيقي لا مبرر لعداء الشعبين
يُعد نزاع حلايب وشلاتين وأبو رماد من أكثر ملفات العلاقة السودانية المصرية حساسية. وتنبع أهميته من تداخل الجغرافيا والتاريخ والإدارة والسيادة والمصالح المحلية، فضلًا عن توظيفه في الخطاب القومي لدى الطرفين. ومن ثم فإن التعامل معه يتطلب دقة قانونية وتاريخية، بدل استخدامه دليلًا على أن كل علاقة بين البلدين تقوم على الاستحواذ أو الخيانة. كما ينبغي الفصل بين أربعة أمور كثيرًا ما تختلط في النقاش العام: المطالبة القانونية بالسيادة، والسيطرة الفعلية على الأرض، والإدارة اليومية والخدمات، ومواقف السكان المحليين واحتياجاتهم.
يرتبط الخلاف بترسيم الحدود في أواخر القرن التاسع عشر وبالتعديلات الإدارية التي شهدتها المنطقة لاحقًا. ففي عام 1899 وُضع خط سياسي للحدود بين مصر والسودان في سياق الحكم الثنائي، بينما صدر في عام 1902 ترتيب إداري مختلف وضع بعض المناطق، ومنها مثلث حلايب، ضمن إدارة السودان لأسباب تتصل بالتنظيم المحلي والقبائل وأنماط الحركة والرعي. ومنذ ذلك الحين استندت الرواية المصرية أساسًا إلى خط 1899، بينما استندت الرواية السودانية إلى الترتيب الإداري لعام 1902 وما ترتب عليه من إدارة سودانية للمنطقة (محي الدين، 2020).
ولا تكفي الإشارة إلى أحد الخطين وحدها لحسم النزاع قانونيًا؛ إذ يتطلب ذلك فحص النصوص الأصلية والاختصاصات التي حددتها، وطبيعة الترتيب الإداري، والممارسة الفعلية للسلطة، والاحتجاجات الرسمية، وأي اتفاقات أو سوابق ذات صلة. كما أن السيطرة الفعلية على الأرض ليست، بمفردها، دليلًا حاسمًا على السيادة القانونية، مثلما أن الإدارة السابقة لا تحسم كل مسائل الحدود تلقائيًا. ولذلك فإن تناول القضية بموضوعية يستلزم عرض حجج الطرفين وفق معايير قانونية متسقة، لا انتقاء الوثائق التي تخدم موقفًا قوميًّا مسبقًا.
وقد تصاعد التوتر حول المنطقة في أزمات متعددة، من بينها تطورات عام 1958، ثم عودة النزاع إلى واجهة العلاقات في مراحل لاحقة. وأصبحت مصر صاحبة السيطرة الفعلية على المثلث، بينما استمر السودان في التمسك بمطالبته به. وقد تناولت دراسة شريف محي الدين في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي الخلفيات التاريخية والسياسية للنزاع، وأوضحت كيف أسهمت الحدود المتنازع عليها في تقييد التعاون المحلي وتعميق الشكوك بين الطرفين (محي الدين، 2020). ولا يعني الاستشهاد بهذه الدراسة أنها فصلت نهائيًا في السيادة القانونية، بل إنها تقدم تحليلًا لتاريخ النزاع وآثاره السياسية والاجتماعية.
ولا ينبغي التقليل من الأهمية المعيشية للمنطقة بالنسبة إلى السكان المحليين. فالنزاع لا يتعلق بالخرائط وحدها، بل يؤثر في الإدارة والخدمات والتنقل والموارد والتمثيل السياسي. وقد أشار تحليل كارنيغي إلى الروابط الثقافية والاجتماعية التي تربط بعض المجتمعات الحدودية بمحيطها، وإلى أن توتر العلاقات على مستوى الدول قد ينعكس سلبًا على المجتمعات المحلية. كما ناقش التحليل تقديرات بشأن موارد معدنية واحتمالات اقتصادية في المنطقة، وهي أمور ينبغي التعامل معها باعتبارها تقديرات أو إمكانات تحتاج إلى تحقق، لا احتياطيات مؤكدة أو أدلة كافية لتفسير النزاع كله (محي الدين، 2020).
ومن هنا، فإن من يستفيد من استمرار النزاع قد يشمل سياسيين يوظفون القضية في التعبئة القومية، أو منابر إعلامية تستثمرها في تأجيج الجمهور، أو شبكات محلية تستفيد من غياب الترتيبات الواضحة. لكن هذه استفادات محتملة ينبغي إثباتها حالةً بحالة؛ فلا يجوز افتراض أن كل من يدافع عن الموقف المصري أو السوداني يفعل ذلك لتحقيق منفعة شخصية، ولا أن كل مطالبة بالسيادة مجرد دعاية. كما لا يجوز استخدام وجود مصالح اقتصادية في المنطقة دليلًا كافيًا على أن النزاع صُنع أصلًا من أجل الموارد، لأن النزاعات الحدودية قد تنشأ من تاريخ إداري وقانوني معقد، ثم تتداخل معها المصالح الاقتصادية لاحقًا.
والحل العملي لا يبدأ بالمطالبة من أحد الشعبين بالتخلي عن ذاكرته الوطنية، بل بإنشاء مسار تفاوضي قانوني واضح. ويمكن أن يشمل هذا المسار لجنة مشتركة من خبراء القانون الدولي والتاريخ والخرائط، ونشر الوثائق الأساسية، وتحديد نقاط الاتفاق والاختلاف، ودراسة خيارات التحكيم أو التسوية القضائية أو الوساطة إذا وافق الطرفان، مع اتخاذ ترتيبات انتقالية تمنع الإضرار بالسكان المحليين. وينبغي أن تُدار الخدمات والتجارة والتنقل وحماية المجتمعات المحلية بأكبر قدر ممكن من الاستقرار، بصرف النظر عن استمرار الخلاف القانوني.
كما ينبغي الامتناع عن تصوير النزاع باعتباره معركة بين المصريين والسودانيين العاديين. فالمواطن الذي يعيش بعيدًا عن المنطقة لا يملك قرار ترسيم الحدود، ولا يجوز تحميله مسؤولية قرارات حكومات سابقة أو حالية. وبالمثل، فإن الدفاع عن السيادة لا يتطلب نشر الكراهية أو التحريض ضد المواطنين من الجانب الآخر. ويمكن للبلدين أن يختلفا على الحدود وأن يتعاونا في الصحة والتعليم والتجارة والمياه، كما تفعل دول كثيرة تحتفظ بنزاعات إقليمية من دون أن تحولها إلى خصومة شاملة.
إن المعيار العادل هو أن تتمسك مصر بحججها القانونية، وأن يتمسك السودان بحججه القانونية، وأن يُترك الفصل في النزاع للأدوات السلمية المتفق عليها، مع حماية حقوق السكان وتجنب أي إجراء أحادي يزيد التوتر. وهذا هو الطريق الذي يحول الخلاف من مصدر دائم للعداء إلى ملف محدد يمكن إدارته وتسويته. كما أن نجاح التسوية ينبغي أن يُقاس بقدرتها على توفير الاستقرار للسكان، وتوضيح الاختصاصات الإدارية، ومنع التصعيد، وإتاحة التنمية المشروعة، لا بمجرد إعلان سياسي يصف النزاع بأنه انتهى من دون اتفاق قانوني واضح.
- نهر النيل وسد النهضة: مصالح مشتركة لا تعني تطابق المواقف
يمثل نهر النيل رابطًا جغرافيًا وحيويًا بين مصر والسودان، كما يمثل مصدرًا للخلاف والتفاوض في الوقت نفسه. فالمياه مورد أساسي للزراعة والشرب والطاقة والتنمية، وتؤثر إدارتها في الأمن الغذائي والاقتصادي والاجتماعي للبلدين. غير أن الاشتراك في الاعتماد على النيل لا يعني أن المصالح المصرية والسودانية متطابقة في كل التفاصيل، ولا يعني أن اختلاف المواقف يستلزم العداء. كما أن التعاون بين دولتي المصب لا ينبغي أن يُبنى على تجاهل حقوق دول المنبع، لأن الإدارة المستدامة للنهر تحتاج إلى ترتيبات إقليمية تراعي اعتماد جميع المجتمعات على المياه.
وقّع السودان ومصر في 8 نوفمبر 1959 اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه النيل، التي نظمت حصص المياه بين البلدين وفق تقديرات وإجراءات محددة. وتُذكر في الأدبيات المرتبطة بالاتفاقية حصتان سنويتان تبلغ إحداهما 55.5 مليار متر مكعب لمصر والأخرى 18.5 مليار متر مكعب للسودان، في إطار حسابات تتصل بالإيراد السنوي المفترض والفواقد والتصرفات المائية. وقد افترضت الاتفاقية متوسط إيراد سنوي للنيل يبلغ نحو 84 مليار متر مكعب عند أسوان، واحتُسب نحو 10 مليارات متر مكعب للفواقد المرتبطة بالتبخر والتسرب، بينما وُزعت الكميات المتبقية بين البلدين وفق الاتفاق (كولينز، 1990؛ ووتَر هستوري، 2021).
وتظل الاتفاقية عنصرًا مهمًا في فهم العلاقة المائية بين البلدين، لكنها لا تمثل اتفاقًا جامعًا لكل دول حوض النيل، كما أن مشروعيتها وآثارها الإقليمية ترتبطان بالنقاش الأوسع حول حقوق الدول المشاطئة والتعاون العابر للحدود. فقد اعترضت دول المنبع على ترتيبات لم تشارك جميعها في صياغتها، وأكدت أن الاتفاقات الثنائية لا يمكن أن تنشئ التزامات على دول ليست أطرافًا فيها. ومن ثم، ينبغي التمييز بين أهمية اتفاق 1959 في تنظيم العلاقات المائية المصرية السودانية وبين مدى قبول ترتيباته في إطار الحوض كله (ماكونين، 2024؛ فيل، 2010).
ويبرز سد النهضة الإثيوبي بوصفه اختبارًا لقدرة الدول المعنية على إدارة التباينات المائية. فمصر تركز على مخاطر تتعلق بأمنها المائي وآثار الملء والتشغيل في سنوات الجفاف، بينما يولي السودان أهمية للسلامة التشغيلية للسد، وتنظيم تدفقات المياه، والاستفادة المحتملة من الكهرباء، وتقليل بعض مخاطر الفيضانات، إلى جانب المخاوف الفنية المرتبطة بسلامة المنشآت وتبادل البيانات. وهذه المصالح قد تتقاطع في بعض الجوانب وتختلف في جوانب أخرى، ولذلك لا يصح اختزال موقف السودان في أنه تابع لمصر، كما لا يصح افتراض أن كل تقارب بين البلدين في ملف المياه يهدف إلى إقصاء إثيوبيا.
إن أفضل مسار لإدارة النيل هو تعاون يقوم على تبادل البيانات والتنبؤات الهيدرولوجية، والاتفاق على قواعد تشغيل واضحة، وآليات للإخطار المبكر، والتعامل مع سنوات الجفاف الممتد، وتسوية الخلافات وفق القانون الدولي ومبادئ الاستخدام المنصف والمعقول وعدم التسبب في ضرر ذي شأن. وينبغي أن يشمل الحوار جميع الدول المعنية، لأن النهر نظام مائي مترابط، ولأن استقرار دول المصب لا يمكن فصله عن احتياجات دول المنبع. كما أن تبادل البيانات الفنية ليس تنازلًا سياسيًا، بل شرط لتقليل المخاطر؛ فالمعلومات المتعلقة بالملء والتصريف والتدفقات المتوقعة تساعد السودان على تشغيل السدود وتخطيط الزراعة، وتساعد مصر على إدارة مخزونها المائي وتوقع آثار سنوات الجفاف.
وفي 24 فبراير 2025، عقد وزراء الخارجية والري في مصر والسودان اجتماعًا تشاوريًا في القاهرة، وأعلن الجانبان الاتفاق على تعزيز التعاون المائي وتنسيق المواقف في المحافل الإقليمية والدولية، مع التأكيد على الحقوق المائية وفق الاتفاقيات والقانون الدولي. وتناول الاجتماع كذلك مشروعات المياه وإعادة الإعمار في السودان، والتدريب الفني، وتحسين إمدادات المياه في بعض الولايات، وإصلاح البنية التحتية المائية المتضررة من الحرب. وأكد البيان المشترك أن المباحثات جرت في أجواء ودية وإيجابية اتسمت بالتفاهم المتبادل (وزارة الخارجية المصرية، 2025). ويُظهر الاجتماع أن هناك إطارًا مؤسسيًا للتنسيق بين البلدين في ملف بالغ الحساسية، وإن كان تقييم فاعليته يتطلب متابعة النتائج العملية ومدى قدرته على معالجة الخلافات.
وتؤكد هذه الوقائع أن التعاون المائي ليس مجرد ادعاء عاطفي، بل له مسارات رسمية ومصالح ملموسة. لكنها لا تثبت أن جميع الخلافات قد حُلت أو أن الاتفاقيات القائمة كافية وحدها لتلبية احتياجات المستقبل. فالتغير المناخي والنمو السكاني وتوسع الزراعة والطاقة وتدهور البنية التحتية عوامل تستلزم تطوير الإدارة المائية بصورة مستمرة. كما أن التعاون الثنائي لا يغني عن بناء إطار إقليمي أكثر شمولًا، لأن النيل يمر عبر دول متعددة وتتأثر تدفقاته بمناخ الحوض ومشروعاته وتغيرات استخدام الأراضي.
ومن الأخطاء الشائعة القول إن مصر والسودان تمتلكان مصلحة واحدة مطابقة في كل مشروع مائي. فالسودان دولة ذات احتياجات زراعية وكهربائية وسكانية خاصة، ومصر دولة ذات كثافة سكانية واعتماد مائي كبير، ولكل منهما حساباته الوطنية. وقد يؤدي افتراض التطابق الكامل إلى إضعاف القدرة على التفاوض، لأنه يحجب نقاط الاختلاف التي ينبغي معالجتها. أما التعاون الناضج فيقوم على الاعتراف بالفوارق والتوصل إلى ترتيبات تحقق المنافع وتحد من المخاطر.
وبالمثل، لا يجوز استخدام ملف المياه لتبرير خطاب العداء ضد الشعب الإثيوبي أو المصري أو السوداني. فالخلاف حول السدود والحصص والتشغيل ينبغي أن يبقى في إطار القانون والعلم والتفاوض. ولا يتحول إلى مواجهة قومية إلا عندما تُستبدل البيانات بالشائعات، ويُختزل النزاع الفني في اتهامات جماعية، وتُقدَّم كل تسوية باعتبارها خيانة. ويمكن للبلدان الثلاثة، بل لدول الحوض كافة، أن تبحث عن حلول عملية تشمل تبادل البيانات، وتقييم الأثر البيئي، وتنسيق تشغيل السدود، والتعاون في الطاقة والري والزراعة، مع ضمان عدم تحويل المخاوف المشروعة إلى ذرائع للتصعيد.
- التجارة والاقتصاد: أرقام ملموسة تكشف فرص التعاون واختلالات التبادل
تقدم التجارة الثنائية دليلًا ملموسًا على وجود مصالح اقتصادية مشتركة بين مصر والسودان، كما تكشف في الوقت نفسه عن اختلالات يمكن معالجتها. ووفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري المنشورة في 28 أبريل 2025، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 1.2 مليار دولار في عام 2024، مقابل 1.4 مليار دولار في عام 2023. وبلغت الصادرات المصرية إلى السودان 866.2 مليون دولار في عام 2024، مقارنة بنحو 989 مليون دولار في العام السابق، بينما بلغت الواردات المصرية من السودان 292.4 مليون دولار، مقابل 388.2 مليون دولار في عام 2023 (الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، 2025).
وتوضح الأرقام أن التجارة لم تتوقف رغم التحديات، لكنها شهدت تراجعًا بين العامين. ولا يجوز تفسير هذا التراجع بسبب واحد من دون تحليل إضافي؛ إذ يمكن أن يتأثر بالتدهور الأمني في السودان، واضطراب النقل والتمويل، وتقلبات الأسعار وسعر الصرف، والقيود التجارية، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبات الإنتاج والتوزيع. كما أن المقارنة بين عامين لا تكفي وحدها لتحديد الاتجاه الطويل الأجل أو قياس حجم التجارة غير الرسمية. ولذلك ينبغي التعامل مع البيانات باعتبارها نقطة بداية للتحليل، لا دليلًا منفردًا على نجاح العلاقة أو فشلها.
وشملت أبرز الصادرات المصرية إلى السودان في عام 2024 منتجات مطاحن بقيمة 218 مليون دولار، والسكر ومصنوعاته بقيمة 84 مليون دولار، ومحضرات الحبوب بقيمة 42 مليون دولار، والحديد والصلب بقيمة 41 مليون دولار، والملابس بقيمة 39 مليون دولار. وفي المقابل، تضمنت أبرز الواردات المصرية من السودان الحيوانات الحية بقيمة 129 مليون دولار، والحبوب والثمار الزيتية بقيمة 87 مليون دولار، والقطن بقيمة 52 مليون دولار، واللؤلؤ والأحجار الكريمة والحلي بقيمة 17 مليون دولار (الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، 2025). وتكشف هذه الأرقام عن تبادل يشمل الغذاء والمنتجات الزراعية والحيوانية والمواد الصناعية، وهو أساس يمكن البناء عليه لتطوير سلاسل إنتاج مشتركة.
وتكشف هذه البيانات عن تكامل اقتصادي محتمل: فالسودان يمتلك موارد زراعية وحيوانية وأرضًا قابلة للتوسع الإنتاجي، بينما تمتلك مصر قاعدة صناعية وتجارية وخبرات في التصنيع والتوزيع والخدمات. ويمكن تطوير هذا التكامل عبر مشروعات مشتركة في تصنيع المنتجات الزراعية، وتعبئة اللحوم، وإنتاج الأعلاف، وتصنيع الزيوت، والصناعات الغذائية، والجلود، والمنسوجات، والأسمدة، ومستلزمات الزراعة، والأدوية والمعدات الطبية المناسبة لاحتياجات السوقين. ويمكن أن تشمل المشروعات كذلك التخزين المبرد، والنقل البري والبحري، والمختبرات التي تفحص جودة الأغذية، والتدريب المهني، والتمويل التجاري، والتأمين على الشحنات.
لكن حجم التجارة وحده لا يثبت عدالة العلاقة الاقتصادية أو عدم عدالتها. فارتفاع الصادرات من دولة إلى أخرى لا يعني تلقائيًا استغلالًا، كما أن وجود عجز تجاري لدى طرف لا يثبت وحده وقوع ضرر سياسي. ويستلزم الحكم على التوازن الاقتصادي تحليل القيمة المضافة، والتوظيف، والضرائب، وشروط المنافسة، وتكاليف النقل، ومستوى التصنيع المحلي، ومقدار ما يحققه كل بلد من دخل وفرص عمل. وقد تكون الواردات ضرورية لتلبية احتياجات المستهلكين أو توفير مدخلات الإنتاج، كما قد يكشف العجز المستمر عن ضعف القدرة التنافسية أو نقص التنوع الإنتاجي. ولا يمكن تحديد أي من الاحتمالين من رقم إجمالي وحده.
ومن هنا، ينبغي أن يتحول النقاش من سؤال: «من يستغل من؟» إلى أسئلة أكثر قابلية للقياس: ما السلع التي يمكن تصنيعها في السودان بدل تصديرها خامًا؟ وما الصناعات التي يمكن أن تستفيد من السوقين؟ وكيف يمكن زيادة الصادرات السودانية ذات القيمة المضافة؟ وما الحواجز الجمركية والإدارية التي تعوق المنتجين؟ وكيف يمكن حماية صغار المنتجين من الاحتكار والمنافسة غير العادلة؟ وما المجالات التي يمكن فيها إنشاء مصانع مشتركة تستخدم مدخلات سودانية وخبرات فنية وتمويلًا من البلدين؟ إن هذه الأسئلة تخدم المصلحة الوطنية أكثر من إطلاق اتهامات عامة لا تستند إلى تحليل اقتصادي.
كما أن التجارة الرسمية لا تمثل بالضرورة جميع أشكال التبادل، ولا سيما في المناطق الحدودية التي تتأثر بالأمن والرقابة وتكاليف النقل. وقد تسهم التجارة غير الرسمية في توفير السلع للسكان، لكنها قد تفتح كذلك المجال للتهريب والفساد والتمويل غير المشروع. ولذلك تحتاج الدولتان إلى تطوير نظم جمركية أكثر كفاءة وشفافية، وتسهيل التجارة المشروعة، وتطبيق القانون على الشبكات التي تستغل الفوضى، بدل تجريم المجتمعات الحدودية بأكملها. وينبغي أن تشمل الإصلاحات نشر الإجراءات الجمركية والرسوم، وتبسيط الوثائق، وتطوير أنظمة الدفع، وتنسيق المواصفات الصحية والزراعية، وتحسين البنية التحتية في المعابر.
ويجب ألا تتحول المنافسة الاقتصادية إلى عداء قومي. فالمنافسة بين المنتجين أمر طبيعي، ويمكن إدارتها عبر قواعد معلنة ومكافحة الاحتكار وحماية المستهلك وتطوير الإنتاج. أما اتهام كل تاجر مصري باستغلال السودان أو كل تاجر سوداني بالتهرب من القواعد فهو تعميم لا يثبت شيئًا، وقد يؤدي إلى الإضرار بالمصالح التجارية المشروعة وبالعمال والمستهلكين في البلدين. فالمعيار هو سلوك المؤسسة أو التاجر ومدى التزامه بالقانون، وليس جنسيته.
إن الفرصة الكبرى تتمثل في بناء سلاسل إنتاج عابرة للحدود، بحيث لا تقتصر العلاقة على تصدير السلع النهائية من طرف والمواد الخام من الطرف الآخر. ويمكن أن تتضمن هذه السلاسل استثمارات مشتركة، وتدريبًا مهنيًا، وتعاونًا بين الجامعات ومراكز البحوث، وتبادلًا للخبرات في الزراعة والصناعة والصحة والطاقة. وبهذا يصبح التعاون الاقتصادي مصدرًا للمنافع اليومية التي يشعر بها المواطن، لا مجرد رقم في بيان رسمي. ويمكن قياس نجاح هذه السياسة من خلال زيادة القيمة المضافة للصادرات السودانية، وعدد الوظائف التي توفرها المشروعات المشتركة، وتنوع السلع المتبادلة، وانخفاض كلفة النقل والتخليص، وارتفاع نسبة التجارة التي تمر عبر القنوات القانونية.
- السودانيون في مصر والحرب منذ أبريل 2023: التضامن الإنساني ومسؤولية حماية الحقوق
أدى اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023 إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم، وأجبر ملايين السودانيين على مغادرة مناطقهم داخل البلاد أو عبور الحدود بحثًا عن الأمان. وكانت مصر من الوجهات التي قصدتها أعداد كبيرة من السودانيين، مستفيدين من القرب الجغرافي والروابط الأسرية واللغوية والثقافية، ومن وجود شبكات اجتماعية وتجارية سودانية سابقة في مدن مصرية متعددة. وقد أدى هذا النزوح إلى توسع العلاقات الاجتماعية اليومية بين المواطنين المصريين والسودانيين، لكنه وضع كذلك ضغوطًا إضافية على الأسر والخدمات والأسواق في ظروف اقتصادية صعبة.
وقد وثّقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجود أعداد كبيرة من السودانيين المسجلين لديها في مصر. وبلغ عدد السودانيين المسجلين لدى المفوضية 851,947 شخصًا في 30 يونيو 2026، وفق بياناتها المنشورة عن سياق اللجوء في مصر. وهذا الرقم يخص المسجلين لدى المفوضية، ولا يمثل بالضرورة إجمالي السودانيين الموجودين في البلاد؛ إذ يتأثر العدد الإجمالي بإجراءات التسجيل وتغيرات الحركة السكانية والعودة والتنقل إلى دول أخرى (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 2026).
وتدل هذه الأرقام على حجم الصلة الإنسانية بين البلدين، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم السياسات المصرية تجاه جميع السودانيين. فالتجارب تختلف بحسب الوضع القانوني والموارد المالية ومكان الإقامة والاحتياجات الصحية والتعليمية وظروف الدخول والعمل. كما أن الأعباء الاقتصادية التي تواجهها الأسر المصرية قد تؤثر في الخدمات والأسعار وسوق العمل، في حين يواجه كثير من السودانيين فقدان الممتلكات والدخل وصعوبة الوصول إلى العمل والتعليم والرعاية الصحية. ولا يجوز اختزال هذه التجارب المتباينة في رواية واحدة، سواء كانت رواية مثالية تفترض أن جميع السودانيين يتلقون المعاملة نفسها، أو رواية سلبية تعمم الانتهاكات على المجتمع المصري كله.
ومن الخطأ أن يُقدَّم وجود السودانيين في مصر باعتباره عبئًا خالصًا، كما أنه من الخطأ تجاهل الأعباء الحقيقية التي قد تواجه المجتمعات المضيفة. فالسودانيون يشاركون في أنشطة تجارية ومهنية وتعليمية، ويستفيد الاقتصاد المحلي من بعض إنفاقهم واستثماراتهم، بينما يحتاج كثيرون منهم إلى الحماية والدعم والخدمات. ويتطلب التقييم الدقيق بيانات عن سوق العمل والإيجارات والمدارس والرعاية الصحية والمساعدات، لا الاكتفاء بالانطباعات أو المنشورات المتداولة. كما ينبغي التمييز بين أثر النزوح على الأسعار والخدمات وبين تحميل اللاجئين مسؤولية مشكلات اقتصادية لها أسباب أوسع، مثل التضخم وضعف الأجور ونقص الاستثمار والضغوط المالية.
ويقدم اتفاق الحريات الأربع الموقّع عام 2004 إطارًا مهمًا لفهم طموح البلدين إلى توسيع حرية الحركة والإقامة والعمل والتملك. غير أن وجود الاتفاق لا يعني أن كل الحقوق نُفذت بصورة كاملة أو متساوية في جميع الظروف. فقد تتدخل القوانين والإجراءات الإدارية والقدرة المؤسسية والظروف الاقتصادية في التطبيق، ولذلك ينبغي تقييم مدى التنفيذ الفعلي بدل الاستشهاد بالاتفاق وحده لإثبات أن جميع المشكلات قد حُلت (محي الدين، 2020). ومن ثم، فإن الإصلاح المطلوب يشمل توضيح شروط الإقامة والعمل، وتسهيل الإجراءات القانونية، وحماية الممتلكات والعقود، وضمان عدم التمييز في الحصول على الخدمات وفق القواعد المعمول بها.
وفي المقابل، لا يجوز تجاهل التقارير المتعلقة بتوقيف بعض السودانيين أو ترحيلهم أو تعرضهم لظروف احتجاز صعبة. فقد نشرت وكالة رويترز في 24 يونيو 2026 تقريرًا تناول شهادات لاجئين سودانيين بشأن الاحتجاز والترحيل، وأورد مخاوف منظمات حقوقية وأطراف معنية بالحماية الدولية، بما في ذلك مزاعم عن سوء المعاملة والحرمان من الرعاية الصحية والضغوط التي يتعرض لها بعض المحتجزين. كما عرض التقرير موقف السلطات المصرية بشأن تطبيق قوانينها وإجراءاتها الأمنية، وأشار إلى تزايد عمليات الترحيل منذ أواخر عام 2025 وفق المعلومات التي أوردها. وينبغي التعامل مع هذه الوقائع بوصفها مسائل حقوقية تحتاج إلى التحقيق والشفافية وضمانات قانونية، لا بوصفها دليلًا على أن المجتمع المصري كله يعادي السودانيين، ولا بوصفها أمورًا يجوز تجاهلها باسم العلاقات الأخوية (رويترز، 2026).
إن الموقف المسؤول يقتضي الجمع بين الاعتراف بما قدمه أفراد ومؤسسات مصرية من مساعدة للسودانيين، وبين المطالبة بمعالجة أي انتهاكات أو إجراءات غير عادلة. فلا يجوز استخدام التضامن الإنساني لإسكات المتضررين، كما لا يجوز استخدام حالات الانتهاك لتجريم شعب كامل. ويجب أن تكون حقوق اللاجئين والمهاجرين قابلة للإنفاذ، وأن تتوافر لهم معلومات واضحة عن أوضاعهم القانونية وإجراءات الطعن والوصول إلى المحامين والرعاية الصحية، مع حماية المجتمعات المضيفة من الضغوط التي يمكن تخفيفها عبر دعم دولي منظم. كما ينبغي أن تُتاح للجهات المستقلة إمكانية متابعة أوضاع الاحتجاز وتقييم الشكاوى وفق القانون، وأن تُنشر معلومات موثوقة عن الإجراءات وأسباب الترحيل والضمانات المتبعة.
وتحتاج الدولتان إلى إنشاء آلية مشتركة لمتابعة أوضاع السودانيين في مصر، تضم جهات حكومية ومؤسسات حقوقية وخبراء مستقلين وممثلين عن الجالية السودانية، مع إتاحة قنوات للشكاوى وتبادل المعلومات عن المفقودين والمحتجزين ولمّ شمل الأسر. كما ينبغي تعزيز التعاون في التعليم والامتحانات الجامعية والتدريب المهني والرعاية الصحية، بما يساعد الأسر السودانية على الحفاظ على استقرارها ويخفف الضغوط على الخدمات المحلية. ويمكن لهذه الآلية أن تنشر تقارير دورية عن عدد الشكاوى وأنواعها وطرق معالجتها، مع حماية البيانات الشخصية، وتحديد المسؤوليات المؤسسية عن التأخير أو التقصير.
ومن الضروري كذلك حماية السودانيين من الاستغلال في العمل والسكن، ومكافحة التمييز وخطاب الكراهية، وتجنب التعميمات التي تربط جنسية بعينها بالجريمة أو التهديد الأمني. وبالمثل، ينبغي أن يرفض الخطاب السوداني أي تحريض ضد المصريين أو تحميلهم مسؤولية قرارات لا يملكونها. فالتضامن بين الشعوب لا يعني أن يصمت المتضرر عن حقه، بل يعني أن تُعالج المشكلات بآليات عادلة تحفظ الكرامة الإنسانية. كما ينبغي حماية المواطنين المصريين من التمييز أو الاعتداء بسبب مواقف سياسية تتعلق بالحكومة المصرية، لأن المسؤولية القانونية فردية وليست جماعية.
أما الحرب السودانية، فقد زادت الحاجة إلى تنسيق إقليمي ودولي لمنع اتساع النزاع وتيسير المساعدات وحماية المدنيين. وأعلنت مصر في مناسبات متعددة دعم وحدة السودان وسلامة أراضيه ورفض إنشاء كيانات موازية، كما دعت إلى هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار وتسوية سياسية. ففي 2 فبراير 2025، استقبل وزير الخارجية المصري نظيره السوداني للتشاور حول العلاقات الثنائية والتطورات الميدانية، وأكد الجانب المصري تضامنه مع الشعب السوداني ودعمه لسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، كما ناقش الجانبان الاستجابة الإنسانية والأمن المائي (وزارة الخارجية المصرية، 2025). وتُظهر هذه المواقف الرسمية اتجاهًا معلنًا نحو المحافظة على وحدة الدولة السودانية، لكن قياس أثرها يتطلب فحص السياسات الفعلية والمبادرات الدبلوماسية والنتائج الإنسانية، لا الاكتفاء بالتصريحات.
ولا يمكن اختزال الحرب السودانية في تدخل خارجي واحد أو تفسيرها بوصفها نتيجة خلاف سوداني مصري. فالحرب ذات جذور داخلية تتصل بالصراع على السلطة والسلاح ومؤسسات الدولة، وتداخلت معها مصالح إقليمية ودولية متعددة. ويمكن لمصر وغيرها من الدول أن تؤثر في البيئة السياسية والأمنية المحيطة بالسودان، لكن ذلك لا يلغي مسؤولية الأطراف السودانية عن قراراتها ولا يبرر تحويل الجوار إلى عدو شامل. كما أن البحث في أي دعم خارجي لطرف من أطراف الحرب ينبغي أن يستند إلى أدلة موثوقة ومحددة، وأن يميز بين الموقف الدبلوماسي المعلن والدعم العسكري أو المالي المزعوم، لأن لكل ادعاء معايير إثبات مختلفة.
ويجب أن يكون الموقف من الحرب واضحًا: الأولوية لوقف القتال وحماية المدنيين وإيصال المساعدات وإطلاق مسار سياسي سوداني شامل. ولا ينبغي استخدام العلاقات الثنائية لتبرير دعم أي انتهاكات أو إقصاء القوى المدنية، كما لا ينبغي استخدام الحرب ذريعة لإشعال العداء بين الشعبين. فاستقرار السودان مصلحة للسودانيين أولًا، ومصلحة لمصر وجيران السودان والمنطقة عمومًا. ويقتضي هذا الموقف دعم المؤسسات المدنية السودانية، وتوسيع المساعدات الإنسانية، وتسهيل عودة النازحين واللاجئين عندما تتوافر شروط الأمان، ومساندة إعادة الإعمار على أساس الأولويات السودانية والشفافية والمساءلة.
- الشائعات والمعلومات المضللة: كيف يتحول الخلاف المحدود إلى عداوة عامة؟
يُعد التضليل الإعلامي أحد العوامل التي يمكن أن تضخم الخلافات بين السودان ومصر. فالمعلومات المضللة لا تقتصر على اختلاق خبر كامل؛ فقد تظهر أيضًا في صورة حقيقة جزئية تُعرض من دون سياق، أو رقم صحيح يُفسَّر بطريقة خاطئة، أو صورة قديمة تُنشر باعتبارها حديثة، أو تصريح يُقتطع من سياقه، أو اتهام يُقدَّم باعتباره نتيجة تحقيق لم يُجرَ أصلًا. وقد يكون التضليل في بعض الحالات متعمدًا، بينما ينشأ في حالات أخرى من ضعف التحقق أو سوء الفهم أو نقل المعلومات من مصدر غير موثوق.
ومن أكثر الأنماط شيوعًا في خطاب العداء تعميم مسؤولية الحكومة على الشعب. فعندما تتخذ حكومة مصرية قرارًا يثير اعتراضًا سودانيًا، قد ينتقل الخطاب من نقد القرار إلى وصف المصريين جميعًا بأنهم معادون للسودان. وعندما يتخذ مسؤول سوداني قرارًا يثير اعتراضًا مصريًا، قد يتحول النقد إلى اتهام السودانيين جميعًا بالجحود أو العداء. وهذه القفزة المنطقية لا تساعد على تحديد المسؤول، بل تخلق خصومة مع أشخاص لا يملكون القرار ولا يؤيدونه بالضرورة. وهي كذلك تعوق الإصلاح، لأن تحميل الشعب مسؤولية السياسة الحكومية يحول دون تحديد الجهة التي اتخذت القرار أو الآلية التي يمكن تغييرها.
ومن الأنماط الأخرى الادعاء بأن كل انتقاد للسياسة المصرية جزء من مؤامرة أجنبية. فهذا الادعاء غير قابل للدفاع عنه من دون أدلة، كما أنه يُستخدم أحيانًا لإسكات النقد المشروع. وفي الاتجاه المعاكس، فإن الادعاء بأن كل خطوة مصرية تهدف إلى السيطرة على السودان يتجاهل اختلاف الملفات والمراحل والفاعلين، ولا يميز بين المصالح الأمنية المشروعة ومحاولات النفوذ التي قد تستوجب النقد. والمطلوب في الحالتين هو إثبات الادعاء من خلال الوثائق والسلوك والنتائج، لا الاعتماد على النوايا المفترضة. فالنقد الذي يحدد قرارًا وأثرًا ومصدرًا يمكن مناقشته وتصحيحه، أما الاتهام الشامل الذي لا يحدد وقائع قابلة للتحقق فيحوّل الخلاف إلى حكم مسبق لا يقبل المراجعة.
كذلك فإن القول إن نزاع حلايب محسوم قانونيًا بصورة لا تقبل النقاش من جانب واحد يتجاوز ما يمكن إثباته من مجرد عرض موقف الحكومة المعنية. فالخلاف مستمر، ولكل طرف حججه، ولا يُحسم بتحويل الموقف الوطني إلى حقيقة قانونية نهائية من دون تحليل الوثائق والإجراءات ذات الصلة. وبالمثل، لا يصح تقديم اتفاقية مياه النيل لعام 1959 باعتبارها تسوية شاملة لكل حقوق دول الحوض، ولا يصح تجاهل أهميتها في تنظيم العلاقة المائية بين مصر والسودان. فالمعالجة العلمية تتطلب الاعتراف بحدود كل اتفاق، وتحديد أطرافه، وشرح ما ينظمه وما لا ينظمه، والتمييز بين الالتزامات الثنائية والحقوق والمصالح الأوسع لدول الحوض.
ويُستخدم الميزان التجاري أحيانًا لترويج اتهامات بالاستغلال من دون تحليل مكونات التبادل. فكون الصادرات المصرية إلى السودان أعلى من الواردات المصرية منه في بيانات عام 2024 حقيقة رقمية، لكن الاستنتاج بأن هذا الفرق يثبت وحده وجود مؤامرة اقتصادية أو استغلال سياسي لا تدعمه الأرقام بمفردها. ويتطلب ذلك دراسة بنية الإنتاج والتجارة والقيمة المضافة والقيود الجمركية والاستثمارات وتكاليف النقل والقدرة الشرائية. كما ينبغي مقارنة بيانات عدة سنوات، ودراسة السلع الأساسية، وتحديد أثر الحرب على الإنتاج السوداني، بدل استخدام رقم واحد لإصدار حكم شامل على العلاقة الاقتصادية.
كما ينبغي رفض الادعاء بأن جميع السودانيين في مصر يتمتعون بالحقوق نفسها أو يواجهون المعاملة نفسها. فالأوضاع القانونية والاقتصادية والاجتماعية متفاوتة، وهناك فروق بين من يملك إقامة منتظمة ومن يواجه تعقيدات قانونية، وبين الأسر ذات الموارد المالية ومن فقدت مصادر دخلها، وبين من يستطيع الوصول إلى الخدمات ومن تعوقه الإجراءات أو الكلفة. ومن ثم، فإن تعميم تجربة إيجابية أو سلبية واحدة على الجميع لا يعكس الواقع. وينطبق الأمر نفسه على المواقف المصرية من السودانيين؛ فهناك أفراد ومؤسسات يقدمون المساعدة، وهناك من قد يسيء أو يميز، ولا يجوز أن تُستخدم تجربة واحدة لإلغاء الأخرى.
أما الادعاء بوجود حسابات إلكترونية ممولة أو حملات منسقة، فيجب فحصه من خلال الأدلة الرقمية. فتشابه الرسائل أو توقيت النشر قد يشير إلى تنسيق محتمل، لكنه لا يثبت وحده هوية الممول أو الجهة التي تقف وراءه. ويحتاج الإثبات إلى بيانات عن الحسابات وأنماط نشاطها وعلاقاتها التقنية والمالية، مع مراعاة أن بعض الأدلة قد تكون غير متاحة علنًا. ومن غير المقبول استخدام تهمة «الحسابات المأجورة» لإبطال كل رأي مخالف. وفي المقابل، فإن إثبات حملة منظمة لا يقتضي افتراض أن كل من تبنى رأيًا مشابهًا جزء منها؛ فقد تنتشر الرسائل نفسها تلقائيًا بين مستخدمين مستقلين.
وتتطلب مواجهة التضليل إنشاء آلية مشتركة للتحقق من الأخبار المتصلة بالبلدين، بمشاركة صحفيين وباحثين وخبراء في البيانات ومؤسسات مستقلة. وينبغي نشر التصحيحات بسرعة وباللغتين العربية والإنجليزية عند الحاجة، وإرفاق الوثائق الأصلية بالأخبار الحساسة، وتحديد ما هو مؤكد وما هو متنازع عليه وما لا تتوافر أدلة كافية بشأنه. كما ينبغي تدريب الصحفيين على التحقق من الصور ومقاطع الفيديو والبيانات الإحصائية، وعدم نشر الاتهامات الخطيرة قبل مراجعتها. ويمكن لهذه الآلية أن تعتمد تصنيفات واضحة، مثل: معلومة مؤكدة بوثيقة أولية؛ معلومة مدعومة بمصدر مستقل؛ ادعاء متنازع عليه؛ ادعاء لم يتوافر دليل كافٍ عليه؛ ومعلومة ثبت خطؤها.
ويمكن للجامعات ومراكز البحوث أن تؤدي دورًا مهمًا في دراسة الخطاب العدائي عبر الزمن، وتحديد أكثر الموضوعات إثارة للاستقطاب، وقياس انتشار الشائعات، وتحليل العلاقة بين الخطاب الرقمي والتطورات السياسية. لكن هذه الدراسات ينبغي أن تحترم الخصوصية والمنهج العلمي، وألا تتحول إلى أدوات لمراقبة المعارضين أو تصنيف المواطنين بحسب مواقفهم السياسية. كما ينبغي نشر منهجيات البحث وحدود البيانات، حتى لا تتحول النتائج إلى اتهامات عامة أو ادعاءات مبالغ فيها بشأن حجم الحملات وتأثيرها.
إن مواجهة التضليل لا تعني فرض خطاب رسمي موحد أو منع النقد. بل تعني توفير معلومات موثوقة، وتمكين الجمهور من التمييز بين الرأي والخبر والدليل، وضمان حق الأفراد في الاعتراض على السياسات. فالعلاقة الصحية بين السودان ومصر لا تحتاج إلى إسكات الخلافات، بل إلى منع تحويلها إلى كراهية جماعية. وكلما ارتفعت جودة المعلومات المتاحة، أصبح من الأسهل مساءلة المسؤولين عن قراراتهم من دون نقل الغضب إلى الشعوب.
- التفسيرات النظرية: لماذا يُضخَّم العداء وكيف يمكن احتواؤه؟
يمكن تفسير جانب من الخطاب العدائي بين السودان ومصر من خلال مفهوم «المحصلة الصفرية»، الذي يفترض أن مكسب أحد الطرفين لا بد أن يكون خسارة للطرف الآخر. وتظهر هذه النظرة عندما يُصوَّر نجاح الاقتصاد المصري بوصفه تهديدًا للسودان، أو يُنظر إلى تطور السودان باعتباره انتقاصًا من مكانة مصر، أو يُفسَّر أي تعاون مائي أو تجاري باعتباره محاولة للهيمنة. لكن المصالح الاقتصادية والأمنية ليست دائمًا صفرية؛ إذ يمكن لتطوير الزراعة والصناعة والنقل والطاقة في السودان أن يخلق فرصًا للتجارة والاستثمار في مصر، كما يمكن لاستقرار مصر الاقتصادي والأمني أن يدعم استقرار السودان إذا أُدير التعاون بصورة عادلة. ولا يعني ذلك أن كل مشروع مشترك يحقق فوائد متساوية تلقائيًا، بل إن توزيع المنافع والتكاليف يجب أن يُقاس ويُراجع حتى لا يتحول التكامل إلى تبعية أو اختلال دائم.
ويظهر مفهوم «الأمننة» عندما تُقدَّم قضية سياسية أو اقتصادية باعتبارها تهديدًا وجوديًا يستدعي إجراءات استثنائية. وقد تتحول قضايا المياه والهجرة والحدود إلى مسائل أمنية خالصة، فتُهمَّش أبعادها الإنسانية والقانونية والتنموية. ولا يعني ذلك أن الأمن غير مهم، بل إن اختزال كل ملف في الأمن قد يمنع البحث عن حلول عملية، ويجعل أي تنازل تفاوضي يبدو غير مقبول. فعلى سبيل المثال، يمكن إدارة حركة الأشخاص عبر إجراءات قانونية واضحة ومكافحة التهريب، من دون تحويل كل مهاجر أو لاجئ إلى تهديد أمني. ويمكن معالجة نزاع الحدود عبر التفاوض والوثائق، من دون التعامل مع كل تواصل اجتماعي بين سكان المنطقة بوصفه خطرًا على السيادة.
كما يساعد مفهوم بناء الهوية السياسية في تفسير استخدام التاريخ لتعبئة الجمهور. فالهويات الوطنية ليست وهمية، لكنها تتشكل عبر التعليم والإعلام والذاكرة العامة والتجارب السياسية. وعندما تُعرض العلاقة مع الجار باعتبارها صراعًا أبديًا، تُنتقى أحداث بعينها وتُهمَل فترات التعاون والتعايش. وفي المقابل، عندما يُعرض التاريخ بوصفه وحدة مثالية لا خلاف فيها، تُهمَل المظالم والاختلالات. ويقتضي التحليل العلمي الاعتراف بالجانبين، مع التمييز بين الوقائع التاريخية وتفسيراتها السياسية المعاصرة. ويمكن للتعليم والإعلام أن يقدما تاريخًا أكثر توازنًا يعرض فترات التعاون والخلاف، ويشرح السياق السياسي والاقتصادي لكل مرحلة، بدل تحويل التاريخ إلى قائمة اتهامات متبادلة.
وتقدم نظرية الاعتماد المتبادل المعقد إطارًا بديلًا؛ إذ توضح أن الدول قد ترتبط عبر التجارة والمياه والهجرة والأمن والطاقة والاتصالات، وأن التعاون في مجال لا يلغي الخلاف في مجال آخر. ويمكن لمصر والسودان أن يتعاونا في مكافحة التهريب وتطوير الزراعة، بينما يختلفان في نزاع حدودي؛ وأن ينسقا في ملف مياه النيل، بينما تختلف تقديراتهما بشأن بعض المشروعات. ولا يعني ذلك ضعف السيادة، بل يعني أن إدارة الاعتماد المتبادل تحتاج إلى مؤسسات وقواعد واضحة. وكلما زادت الروابط المؤسسية والتجارية المشروعة، أصبح لدى الطرفين حافز أكبر لمنع التصعيد، بشرط أن تكون تلك الروابط عادلة وألا تُستخدم للضغط غير المشروع على أحدهما.
وتساعد دراسات التضليل المعلوماتي في فهم كيفية انتشار الادعاءات المضللة، ولا سيما عندما تكون متصلة بهويات وطنية أو مخاوف أمنية. فالمعلومات التي تثير الغضب قد تنتشر على نطاق واسع قبل التحقق منها، بينما يحتاج التصحيح إلى وقت وجهد أكبر. ولهذا فإن أفضل مواجهة ليست الرد الانفعالي على كل منشور، بل بناء بيئة معلوماتية تتيح الوصول إلى الوثائق الأصلية وتدعم الصحافة المهنية وتصحح الأخطاء علنًا. كما ينبغي أن تكون المؤسسات الرسمية شفافة في نشر البيانات، لأن غياب المعلومات يخلق فراغًا يمكن للشائعات أن تملأه.
أما نظرية الألعاب فتساعد في تفسير المعضلات التي تنشأ عندما يخشى كل طرف أن يؤدي ضبط النفس إلى استغلال الطرف الآخر له. فإذا اعتقدت دولة أن التهدئة ستضعف موقفها التفاوضي، فقد تفضّل التصعيد حتى لو كان التعاون أكثر فائدة على المدى الطويل. ويمكن الحد من هذه المعضلة من خلال إجراءات متبادلة وقابلة للتحقق، مثل تبادل المعلومات، وتحديد قنوات اتصال مباشرة، وإعلان الخطوات المتفق عليها، وإنشاء آلية لمعالجة الحوادث قبل تحولها إلى أزمة سياسية. وفي ملف المياه، مثلًا، يمكن أن يسهم تبادل البيانات في تقليل الشكوك بشأن التصريف والتشغيل؛ وفي التجارة، يمكن أن تساعد الشفافية الجمركية على منع الاتهامات المتبادلة؛ وفي الحدود، يمكن لقنوات الاتصال المباشر أن تمنع تحول حادث محلي إلى أزمة دبلوماسية.
وتكشف هذه الأطر مجتمعة أن العداء ليس نتيجة حتمية للتاريخ أو الجغرافيا. إنه قد ينشأ من تفاعل المصالح والمخاوف والاختلالات المؤسسية والتعبئة الإعلامية. وبما أن هذه العوامل قابلة للتغيير، فإن بناء علاقة أكثر إيجابية ليس مجرد أمنية، بل مشروع سياسي واقتصادي وإعلامي يمكن قياس تقدمه. كما أن النظريات لا تُغني عن الأدلة؛ فهي تساعد على تفسير الأنماط، لكنها لا تثبت وحدها دوافع فاعل معين أو وجود مؤامرة منظمة. ويجب أن تظل كل فرضية قابلة للاختبار والتعديل في ضوء الوقائع.
- من التقارب الرسمي إلى التعاون الفعلي: ما الذي تثبته الوقائع الحديثة؟
تقدم التطورات الرسمية في عامي 2025 و2026 أدلة على استمرار التواصل بين مصر والسودان رغم الحرب. ففي 2 فبراير 2025، استقبل وزير الخارجية المصري نظيره السوداني للتشاور حول العلاقات الثنائية والتطورات الميدانية في السودان. وأكد الجانب المصري خصوصية العلاقات التاريخية والروابط بين الشعبين، وتضامنه مع الشعب السوداني، ودعمه لسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، كما ناقش الطرفان الاستجابة الإنسانية والأمن المائي والجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى دعم السودان (وزارة الخارجية المصرية، 2025). وتوضح هذه الواقعة أن التواصل الدبلوماسي استمر خلال الحرب، وأن الملفات السودانية ظلت موضع تشاور رسمي.
وفي 24 فبراير 2025، انعقد الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية والري في القاهرة، وناقش الجانبان التعاون المائي والمشروعات التنموية واحتياجات السودان في إعادة إعمار البنية التحتية المائية. وأعلن البيان المشترك الاتفاق على تعزيز مفهوم الأمن المائي والعمل المشترك للحفاظ على الحقوق المائية وفق الاتفاقيات المبرمة وقواعد القانون الدولي واجبة التطبيق، والتنسيق في المحافل الإقليمية والدولية، ومواصلة التعاون التدريبي بين وزارتي الري والموارد المائية. كما عبّر الجانب المصري عن دعمه جهود إعادة الإعمار وتحسين إمدادات المياه في بعض الولايات السودانية (وزارة الخارجية المصرية، 2025). وهذه واقعة واضحة تتجاوز الشعارات العامة إلى ملفات فنية محددة، وإن كان قياس أثرها يتطلب معرفة ما نُفذ من برامج تدريب ومشروعات وما تحقق من تحسينات في الخدمات.
ويضاف إلى ذلك أن الربط الكهربائي المصري السوداني دخل التشغيل الفعلي في 5 أبريل 2020، بعد استكمال المرحلة الأولى من الخط الذي تبلغ سعته الأولية المستهدفة 70 ميغاوات، مع خطة لرفع القدرة إلى 300 ميغاوات في مرحلة لاحقة. وبلغ طول الخط في الجانب المصري نحو 100 كيلومتر، وفي الجانب السوداني نحو 70 كيلومترًا، وفق المعلومات المنشورة عن المشروع (هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة المصرية، 2020). ويثبت المشروع وجود تعاون بنيوي في قطاع الطاقة، لكنه يوضح كذلك أن إعلان مشروع الربط لا يكفي وحده للحكم على استدامة الإمداد أو كفايته؛ إذ يتطلب التقييم بيانات عن التشغيل الفعلي والتوسعات والأعطال والتكاليف والاحتياجات السودانية.
وتكشف هذه التطورات عن ثلاث حقائق. أولًا، أن العلاقة الرسمية لم تنقطع رغم الحرب السودانية. ثانيًا، أن ملفات المياه والأمن والتسوية السياسية والتعاون الاقتصادي ظلت حاضرة في الحوار. ثالثًا، أن الحكومتين أعلنتا التزامهما بوحدة السودان واحترام السيادة المتبادلة. لكن ينبغي عدم المبالغة في تفسير هذه الوقائع؛ فالبيانات الرسمية دليل على المواقف المعلنة والاتصالات، وليست بديلًا من التحقق المستقل من التنفيذ والنتائج. ولا يصح كذلك تجاهل التناقضات التي قد تظهر بين التصريحات والسياسات، بل ينبغي توثيقها ومناقشتها وفق الوقائع.
وتتمثل الخطوة التالية في تحويل التقارب السياسي إلى برامج قابلة للقياس. ففي المجال الاقتصادي، يمكن وضع أهداف سنوية معلنة لزيادة التجارة المتوازنة والاستثمارات المشتركة، مع نشر البيانات المتعلقة بالسلع والقيمة المضافة وفرص العمل. وفي مجال المياه، يمكن إنشاء نظام منتظم لتبادل البيانات والتنبؤات الهيدرولوجية والتنسيق في حالات الطوارئ. وفي مجال اللاجئين، يمكن تحسين التسجيل والإجراءات القانونية والوصول إلى التعليم والصحة، مع توفير دعم دولي للمجتمعات المضيفة. وفي مجال الحدود، يمكن إنشاء مسارات اتصال لمعالجة الحوادث ومنع التصعيد. وينبغي أن تكون لهذه البرامج جداول زمنية ومؤشرات أداء ومسؤوليات محددة، حتى يمكن التمييز بين الإعلان السياسي والإنجاز الفعلي.
كما ينبغي أن تشمل العلاقة المؤسسات الأكاديمية والجامعات ومراكز البحث، لا الحكومات وحدها. فالتعاون في علم الأوبئة والصحة العامة ومكافحة الأمراض العابرة للحدود والتدريب الطبي وإدارة المستشفيات والصحة البيئية يمكن أن يحقق فوائد مباشرة للسكان. ويمكن كذلك تطوير برامج مشتركة في الزراعة وإدارة المياه والتصحر والطاقة الشمسية والتدريب المهني، بما يسمح بتبادل الخبرات وتطوير حلول تتناسب مع احتياجات المجتمعات المحلية. ويستطيع التعاون العلمي أن يساعد في بناء قواعد بيانات مشتركة، وتدريب الكوادر، وتقييم البرامج الصحية والزراعية، وتحديد الأولويات على أساس الأدلة بدل الانطباعات السياسية.
ولا بد من إشراك السودانيين والمصريين الذين يعيشون في البلد الآخر في تصميم البرامج وتقييمها. فالجاليات ليست مجرد موضوع للسياسة الخارجية، بل يمكن أن تكون جسرًا اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا. وينبغي أن تشمل آليات المشاركة اتحادات مهنية وروابط طلابية وجمعيات مدنية ومؤسسات ثقافية، مع حماية استقلالها ومنع استخدامها في التعبئة السياسية أو التمييز. ويمكن أن تساعد هذه المشاركة على تحديد المشكلات العملية التي لا تظهر في البيانات الحكومية، مثل تعقيدات الوثائق أو الاعتراف بالشهادات أو تكاليف السكن أو صعوبات التجارة الصغيرة.
والأهم أن يُقاس نجاح التقارب بمؤشرات ملموسة: انخفاض الحوادث الحدودية، وتحسن ظروف التنقل القانوني، وزيادة التجارة ذات القيمة المضافة، وتحسن الوصول إلى الخدمات، وتراجع الخطاب التحريضي، وارتفاع مستوى الثقة في المعلومات العامة. أما تكرار العبارات الأخوية من دون تغير ملموس في حياة المواطنين فلن يكون كافيًا لبناء علاقة مستدامة. كما ينبغي نشر تقارير دورية تتيح للجمهور معرفة ما تحقق وما تعثر، وما الأسباب، وما الخطوات التصحيحية اللازمة.
- إطار عملي لعلاقة استراتيجية عادلة: السيادة المتبادلة والمصالح المشتركة والمساءلة
إن تجاوز العداء بين السودان ومصر لا يتطلب إلغاء الاختلافات، بل بناء مؤسسات قادرة على إدارتها. وينبغي أن يقوم هذا الإطار على مجموعة من المبادئ العملية المترابطة، بحيث لا تظل العلاقة محصورة في الاتصالات الدبلوماسية، بل تتحول إلى تعاون مؤسسي ينعكس على حياة المواطنين.
أول هذه المبادئ الاعتراف المتبادل بالسيادة. فالسودان دولة مستقلة يحق لشعبها تقرير مستقبله السياسي والدستوري والاقتصادي، كما أن مصر دولة مستقلة لها مصالحها وحقوقها. ولا يجوز أن تتحول العلاقات الثنائية إلى وسيلة لفرض ترتيبات سياسية على السودان أو التدخل في خياراته الوطنية، كما لا يجوز أن يُطلب من مصر تجاهل مخاوفها الأمنية المشروعة. وتتحقق السيادة المتبادلة عندما تُدار المخاوف عبر الاتفاقات والقانون، لا عبر الإكراه أو التهديد أو الوصاية. كما ينبغي أن تكون المواقف المصرية من القوى السودانية المختلفة قائمة على احترام حق السودانيين في بناء مؤسساتهم السياسية، وأن يكون موقف السودان من مصر قائمًا على التمييز بين المصالح الوطنية المشروعة وأي تدخل يمكن إثباته.
وثانيها إنشاء آليات دائمة لتسوية النزاعات. ففي ملف حلايب وشلاتين، ينبغي توثيق الحجج القانونية وتبادل الوثائق وتحديد مسار تفاوضي واضح. وفي ملف المياه، ينبغي تعزيز تبادل البيانات والتعاون الفني والتنسيق في الطوارئ. وفي التجارة، ينبغي تطوير آلية مشتركة لمعالجة القيود والإجراءات التي تعوق السلع المشروعة. وفي ملف الهجرة واللجوء، ينبغي توفير إجراءات واضحة وعادلة تضمن حماية الحقوق وتحدد مسؤوليات المؤسسات. ويمكن أن تشمل هذه الآليات لجانًا فنية مشتركة، وجداول زمنية، ونظمًا لتوثيق القرارات، وآلية لتصعيد الخلاف إلى مستوى سياسي أعلى عند تعذر الحل الفني.
وثالثها تعزيز التعاون الاقتصادي على أساس القيمة المضافة. فبدل الاكتفاء بتبادل المنتجات الخام والسلع النهائية، يمكن تطوير مشروعات مشتركة في التصنيع الزراعي والغذائي والدوائي والجلود والمنسوجات ومعدات الطاقة والمستلزمات الطبية. وينبغي أن تتسم العقود بالشفافية، وأن تُنشر بيانات الاستثمارات والتوظيف والضرائب، وأن تُتاح فرص عادلة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في البلدين. كما ينبغي تقييم المشروعات وفق آثارها على الوظائف والإنتاج المحلي والتدريب ونقل المعرفة، لا وفق حجم رأس المال وحده.
ورابعها حماية المواطنين والجاليات. ويشمل ذلك مكافحة التمييز والتحريض، وضمان الوصول إلى الخدمات وفق القواعد القانونية، وتحسين إجراءات الإقامة والعمل والتعليم، وإنشاء قنوات للشكاوى القانونية. كما ينبغي أن تُعالج أي انتهاكات بصورة مستقلة، وألا تُستخدم العلاقات السياسية لتبريرها أو التستر عليها. فحماية المواطن ليست تهديدًا للعلاقة الثنائية، بل أحد أسس استقرارها. وينبغي كذلك أن تكون إجراءات الترحيل والاحتجاز خاضعة للقانون والضمانات الإجرائية، وأن تتاح للمحتجزين إمكانية التواصل مع محامين وأسرهم والجهات القنصلية وفق القواعد المعمول بها.
وخامسها تطوير التعاون الإنساني في ظل الحرب السودانية. ويمكن لمصر والسودان، بالتعاون مع المنظمات الدولية، دعم برامج التعليم والصحة والتدريب المهني والمساعدة القانونية للأسر المتضررة، وتيسير لمّ شمل العائلات، وتحسين التنسيق بشأن الحالات الإنسانية. كما ينبغي دعم المجتمعات المصرية المضيفة التي تواجه ضغوطًا اقتصادية، وتوفير تمويل دولي أكثر انتظامًا حتى لا تتحمل الأسر المحلية واللاجئة وحدها تكلفة الأزمة. ويمكن أن تشمل البرامج توفير فرص تعليمية للطلاب السودانيين، ودعم المدارس التي تستوعب أعدادًا إضافية، وتسهيل الحصول على الرعاية الصحية الأساسية، وتقديم مساعدة قانونية للأسر التي فقدت وثائقها أو ممتلكاتها.
وسادسها وضع بروتوكول مشترك لمكافحة التضليل. وينبغي أن يحدد البروتوكول آليات التحقق من الأخبار، ومسؤولية المؤسسات عن تصحيح المعلومات، وطرق التعامل مع الصور والمقاطع المضللة، ومبادئ حماية حرية التعبير. ولا ينبغي أن يتحول إلى أداة لمنع النقد أو تصنيف المعارضين باعتبارهم عملاء؛ فالتمييز بين التحريض والمساءلة ضرورة لحماية المجال العام. كما ينبغي أن يتيح البروتوكول نشر المعلومات الأصلية والبيانات التي تسمح للصحفيين والباحثين بفحص التصريحات الرسمية، وأن يحدد مهلة معقولة لتصحيح الأخطاء المثبتة.
وسابعها تشجيع البحث العلمي المستقل. ويمكن إنشاء برامج بحثية مشتركة لدراسة التجارة والحدود والهجرة والمياه والصحة العامة وخطاب الكراهية، مع إتاحة البيانات غير الحساسة للباحثين ونشر النتائج المنهجية. وينبغي أن تتضمن هذه البرامج وجهات نظر سودانية ومصرية متعددة، وأن تسمح بنشر النتائج التي تنتقد السياسات الرسمية من أي جانب. ويمكن أن تشمل البحوث تقييم أثر المعابر البرية على التجارة، ودراسة احتياجات المجتمعات الحدودية، وتحليل سلاسل القيمة الزراعية، وقياس أثر النزوح على الخدمات، وتقييم برامج التدريب والتعاون الصحي.
وثامنها وضع مؤشرات معلنة لمتابعة التنفيذ. ويمكن أن تشمل هذه المؤشرات حجم التجارة وتنوعها، وعدد المشروعات المشتركة، وسرعة تسوية الخلافات التجارية، ومستوى التعاون المائي، وعدد المستفيدين من البرامج التعليمية والصحية، ونتائج الشكاوى المتعلقة بالإقامة والحقوق، واتجاهات الخطاب العام. ويجب نشر تقرير سنوي يوضح ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك، حتى لا تتحول الاتفاقات إلى إعلانات رمزية. وينبغي أن تراجع جهة مستقلة بعض هذه المؤشرات، وأن تكون منهجية الحساب واضحة حتى لا تُستخدم الأرقام لأغراض دعائية.
وتاسعها الاعتراف بالتاريخ بصورة متوازنة. فالتعليم والإعلام والمراكز الثقافية يمكن أن تعرض مراحل التعاون والخلاف معًا، وأن تميز بين الوقائع والتفسيرات، وأن تتيح للباحثين دراسة الملفات الحساسة من دون تخوين. ولا يعني ذلك إنتاج رواية مشتركة مصطنعة، بل إتاحة مساحة للاختلاف المبني على الأدلة. ويمكن تنظيم مؤتمرات علمية مشتركة حول تاريخ الحدود والروابط النوبية وتطور التجارة والهجرة، مع نشر الوثائق المتاحة وتشجيع الدراسات المقارنة التي توضح كيف أثرت السياسات في حياة السكان.
وعاشرها رفض الكراهية القومية. فلا ينبغي وصف المصريين جميعًا بالهيمنة، ولا السودانيين جميعًا بالجحود أو العداء. ويجب أن يظل نقد الحكومات والسياسات والقرارات مفتوحًا، مع رفض التحريض على المواطنين بسبب جنسيتهم. إن العلاقة بين البلدين أقوى عندما يكون كل طرف قادرًا على الدفاع عن مصالحه من دون شيطنة الطرف الآخر. وينبغي أن تلتزم وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والجمعيات المدنية بهذا المبدأ، وأن ترفض التعميمات العنصرية أو القومية التي تحرض على التمييز أو العنف.
- الخاتمة النقدية: لا للعداء المصطنع، نعم لعلاقة عادلة تحفظ الحقوق وتوسّع المصالح المشتركة
تُظهر الأدلة التاريخية والاقتصادية والدبلوماسية أن العلاقة السودانية المصرية أكثر تعقيدًا من رواية العداء الدائم. فقد شهدت مراحل من الخلاف السياسي والتوتر الحدودي، كما شهدت اتفاقات وتبادلات اقتصادية وروابط اجتماعية واتصالات مؤسسية استمرت حتى خلال الحرب السودانية. ويقدم اتفاق الحريات الأربع لعام 2004 مثالًا على محاولة توسيع الحركة والإقامة والعمل والتملك، كما يقدم فتح معبري قسطل وأرقين، وبدء التشغيل الفعلي للربط الكهربائي في أبريل 2020، والتنسيق المائي في فبراير 2025 أمثلة محددة على وجود مشروعات وأطر للتعاون. وتكشف بيانات التجارة لعامي 2023 و2024 عن تبادل اقتصادي ملموس، رغم تراجعه بين العامين، فيما تؤكد بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وجود أعداد كبيرة من السودانيين المسجلين في مصر في ظل الحرب (الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، 2025؛ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 2026؛ وزارة الخارجية المصرية، 2025؛ هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة المصرية، 2020).
لكن هذه الأدلة لا تبرر تجاهل النزاعات أو تقديم صورة مثالية للعلاقة. فنزاع حلايب وشلاتين لم يُحل، وملف مياه النيل يحتاج إلى إدارة مستمرة، والتجارة تعاني اختلالات وفرصًا غير مستغلة، كما أن أوضاع بعض السودانيين في مصر تستلزم متابعة حقوقية وإنسانية جادة. والاعتراف بهذه المشكلات لا يضعف الدعوة إلى التعاون؛ بل يجعلها أكثر مصداقية، لأن الصداقة المستدامة لا تُبنى على الإنكار، وإنما على الاعتراف بالمشكلة وإيجاد آلية عادلة لمعالجتها. كما أن احترام العلاقة لا يقتضي إغلاق الملفات الخلافية، بل يقتضي منع استخدامها لتبرير الكراهية أو تعطيل البحث عن حلول.
ولا تسمح الأدلة المتاحة بتحديد جهة واحدة تصنع كل العداء بين البلدين، أو بإثبات أن جميع الأصوات الناقدة تعمل وفق أجندة خارجية. لكن التحليل يوضح كيف يمكن لبعض السياسيين والإعلاميين وشبكات المصالح والتيارات القومية المتشددة أن تستفيد من تضخيم الخلافات، سواء من خلال صرف الانتباه عن الأزمات الداخلية، أو تعبئة الأنصار، أو زيادة التفاعل الإعلامي، أو استغلال الفوضى الحدودية. ويجب أن يُثبت دور أي جهة بعينها من خلال الأدلة، لا عبر الاتهامات العامة. كما أن وجود خلاف حقيقي لا يعني أن كل من يتحدث عنه يصنع العداء؛ فقد يكون النقد وسيلة ضرورية لإصلاح السياسات، وقد يصبح تحريضًا عندما يتحول إلى تعميم أو تضليل أو دعوة إلى التمييز.
والمعيار الفاصل هو سلوك الخطاب: هل يعرض الوقائع والوثائق؟ هل يميز بين الحكومة والشعب؟ هل يقبل التصحيح؟ هل يقدم حلولًا قابلة للتطبيق؟ أم يعمم الذنب ويختلق الأخبار ويحوّل الخلاف القانوني إلى كراهية قومية؟ إن الخطاب الذي يرفض الكراهية لا يعني تبرئة الحكومات من أخطائها، والخطاب الذي يدافع عن السيادة لا يحتاج إلى التحريض على المواطنين من الجانب الآخر. كما أن الدعوة إلى التعاون لا ينبغي أن تتحول إلى مطالبة المتضررين بالصمت؛ فالمواطن الذي يطالب بحقه لا يصنع العداء لمجرد أنه ينتقد سياسة حكومية، بل قد يسهم في تحسين العلاقة إذا قدم الأدلة ودعا إلى حل عادل.
إن مصلحة السودان تقتضي بناء دولة مستقلة وقادرة، ومؤسسات مدنية خاضعة للمساءلة، واقتصاد منتج، وعلاقات خارجية متوازنة. ولا يتحقق ذلك بخلق عدو دائم في مصر، كما لا يتحقق بالتنازل عن المطالب السودانية أو السكوت عن الانتهاكات. وبالمثل، فإن مصلحة مصر تقتضي سودانًا مستقرًا وموحدًا وقادرًا على إدارة موارده وحدوده ومؤسساته، لا بلدًا منهكًا بالحرب والانقسام والفقر. ويمكن لهذه المصالح أن تلتقي في مجالات عديدة، شريطة أن تقوم العلاقة على الندية والشفافية واحترام السيادة.
ويجب أن تكون الأولوية في المرحلة الراهنة لوقف الحرب السودانية، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات، ودعم مسار سياسي سوداني شامل، مع منع تحويل المأساة إلى أداة للمنافسة الإقليمية أو الاستقطاب القومي. كما ينبغي أن يتقدم التعاون في التعليم والصحة والتجارة والمياه وإعادة الإعمار، وأن تُنشأ آليات مستقلة لمتابعة حقوق السودانيين في مصر، وتسوية الخلافات الحدودية، ومواجهة التضليل. وينبغي أن تكون أي مساعدة لإعادة الإعمار مبنية على أولويات يحددها السودانيون أنفسهم، وأن تخضع للشفافية والمساءلة، وألا تتحول إلى وسيلة لفرض ترتيبات سياسية أو اقتصادية غير متوازنة.
والخلاصة أن السودان ومصر ليسا محكومين بالعداء، ولا توجد ضرورة تاريخية أو جغرافية تجعل الصراع بينهما قدرًا محتومًا. فالتاريخ يضم فترات من الهيمنة والخلاف كما يضم روابط وتعاونًا، والجغرافيا تفرض تحديات مشتركة كما تتيح فرصًا للتكامل، والاقتصاد يكشف مصالح متبادلة لكنها تحتاج إلى مزيد من التوازن. أما العداء، فيمكن تضخيمه حين تتحول المخاوف إلى اتهامات جماعية، وحين تُستخدم القضايا الوطنية لتعبئة الجمهور، وحين تُقدَّم الشائعات على أنها حقائق. ويمكن الحد منه عندما تُتاح المعلومات الموثوقة، وتُعالج المظالم بآليات قانونية، وتُبنى المشروعات المشتركة على المنافع القابلة للقياس.
إن البديل ليس الصمت عن الخلاف، بل إدارته بوضوح وعدالة. وليس المطلوب أن يتخلى السودانيون عن حقوقهم أو أن تتجاهل مصر مصالحها، بل أن يدافع كل طرف عن حقوقه من خلال القانون والتفاوض والتعاون، وأن تُحاسَب الحكومات على أفعالها بدل إدانة الشعوب بهوياتها. فالمعادلة التي تستحق العمل من أجلها هي: سيادة سودانية كاملة، واحترام متبادل، وحقوق مصونة، ومصالح اقتصادية عادلة، وتعاون مائي وإنساني، ورفض صريح للتحريض والتضليل.
إن مقاومة العداء المصطنع لا تبدأ بترديد شعارات الأخوة وحدها، بل ببناء وقائع جديدة تجعل التعاون أكثر نفعًا للمواطنين من الخصومة، وتجعل الحقيقة أكثر حضورًا من الشائعة، وتجعل القانون أقوى من التعبئة القومية. وعندها يصبح التقارب بين السودان ومصر مشروعًا عمليًا قابلًا للقياس، لا مجرد خطاب رسمي، وتصبح العلاقة بين الشعبين أساسًا لاستقرار إقليمي يخدم مصالحهما ويحفظ كرامتهما وحقوقهما.
المراجع
- الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. العلاقات الاقتصادية بين مصر والسودان خلال عام 2024. بيان صحفي، 28 أبريل 2025؛ تاريخ الاطلاع: 13 أكتوبر 2026.
- المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. سياق اللاجئين في مصر: بيانات المسجلين حتى 30 يونيو 2026. القاهرة وجنيف، 2026؛ تاريخ الاطلاع: 13 أكتوبر 2026.
- وزارة الخارجية المصرية. بيان مشترك صادر عن الاجتماع التشاوري لوزراء الخارجية والري في السودان ومصر. القاهرة، 24 فبراير 2025؛ تاريخ الاطلاع: 13 أكتوبر 2026.
- وزارة الخارجية المصرية. وزير الخارجية والهجرة يستقبل وزير خارجية السودان للتشاور حول العلاقات الثنائية والتطورات الميدانية في السودان. القاهرة، 2 فبراير 2025؛ تاريخ الاطلاع: 13 أكتوبر 2026.
- هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة المصرية. بدء تشغيل خط الربط الكهربائي بين مصر والسودان. 5 أبريل 2020؛ تاريخ الاطلاع: 13 أكتوبر 2026.
- Collins R O. The Waters of the Nile: Hydropolitics and the Jonglei Canal, 1900–1988. Oxford: Clarendon Press; 1990.
- Mekonnen D Z. International water conventions, the exploitation of trans-boundary rivers and the Nile water dispute among Ethiopia, Sudan and Egypt. Heliyon. 2024.
- Mohyeldeen S. The Egypt-Sudan Border: A Story of Unfulfilled Promise. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace; 2020. تاريخ الاطلاع: 13 أكتوبر 2026.
- Reuters. Sudan’s war refugees describe horrors in Egyptian jails, surging deportations. 24 June 2026; accessed 13 October 2026.
- Water History. The evolution of the Nile regulatory regime: a history of cooperation and conflict. 2021; accessed 13 October 2026.
- Zeitoun M, Mirumachi N. Transboundary water interaction I: reconsidering conflict and cooperation. International Environmental Agreements: Politics, Law and Economics. 2008.
- Zeitoun M, Warner J. Hydro-hegemony—a framework for analysis of trans-boundary water conflicts. Water Policy. 2006;8(5):435–460.
