من يصنع المهارة؟

من يصنع المهارة؟
التعليم وسوق العمل في عصر التحول التقني
منبر نور
مقالات من بطون كتب ونبض الميدان

المقدمة
بعد أن تتبعنا في مقالاتنا السابقة مسار التقنية من السلطة إلى المعرفة
، ومن المعرفة إلى الصناعة
، نصل اليوم إلى الحلقة الأكثر حساسية في هذا البناء كله:
الإنسان
. فمن دون مهارة حقيقية،
تصبح التقنية أدوات صامتة،
وتتحول المصانع إلى هياكل جامدة،
وتبقى المعرفة حبيسة الكتب.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط كيف نُدخل التقنية إلى الاقتصاد،
بل كيف نُنشئ الإنسان القادر على التعامل معها، تطويرها،
وتحويلها
إلى قيمة.

إن المهارة لم تعد مجرد تدريب مهني محدود، بل أصبحت رأس مال اقتصادي قائم بذاته، ومصدرًا أساسيًا للقوة في عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.

هذا المقال يستند إلى رؤى عميقة في أدبيات الاقتصاد المعرفي ورأس المال البشري، حيث تتضح العلاقة الوثيقة بين التعليم، والمهارة، والإنتاج، وكيف أن الدول التي نجحت لم تبدأ بالمصانع، بل بالإنسان الذي يديرها.

تشير الأدبيات الحديثة إلى أن المهارة لم تعد ثابتة،
بل أصبحت متغيرة ومتجددة.
لم يعد كافيًا أن يتعلم الفرد مهنة واحدة ويستمر بها طوال حياته
، بل أصبح مطالبًا بالتعلم المستمر،
وإعادة التأهيل، والتكيف مع تحولات السوق.

وهنا يظهر خلل كبير في كثير من أنظمة التعليم، التي ما زالت تُخرّج طلابًا بعقول محفوظة لا بقدرات تحليلية، وتمنح شهادات لا مهارات.

الفرق بين التعليم والمهارة جوهري. التعليم قد يكون نظريًا، بينما المهارة عملية، مرتبطة بسوق العمل، وقابلة للقياس من خلال الإنتاج.
الدول التي فهمت هذا الفرق أعادت تصميم أنظمتها التعليمية لتكون مرتبطة بالصناعة، لا منفصلة عنها.

لم تعد المدرسة مكانًا للحفظ، بل أصبحت بيئة للتفكير، والتجريب، والعمل الجماعي.

في الاقتصادات المتقدمة، نشأ ما يمكن تسميته بـ “نظام المهارة المتكامل”،
حيث تتداخل مؤسسات التعليم مع الشركات
، ويصبح التدريب جزءًا من العملية الإنتاجية نفسها.
الطالب لا ينتظر التخرج ليبدأ العمل، بل يدخل سوق العمل تدريجيًا عبر التدريب العملي، والتلمذة، والتطبيق المباشر.

هذا النموذج لا يختصر الزمن فقط،
بل يخلق توافقًا طبيعيًا بين ما يتعلمه الفرد وما يحتاجه السوق.

أما في كثير من الدول الناميه فالمشكلة ليست في قلة الخريجين،
بل في فجوة المهارة.

سوق العمل يطلب، والتعليم يقدّم شيئًا آخر. النتيجة بطالة متعلمة، وعجز في الكفاءات في الوقت نفسه.

وهنا تظهر مفارقة مؤلمة: لدينا شباب يبحث عن عمل، ولدينا قطاعات تبحث عن مهارات، لكن الجسر بينهما مفقود.

التقنية تزيد هذه الفجوة تعقيدًا. فكلما تسارعت وتيرة التطور، أصبحت المهارات المطلوبة أكثر تخصصًا، وأكثر ارتباطًا بالفهم العميق لا بالمعرفة السطحية.

وهنا لا يكفي إصلاح المناهج، بل يجب إعادة التفكير في فلسفة التعليم نفسها.
هل نُعلّم الطالب ليحفظ، أم ليفكر؟
هل نُعدّه لوظيفة محددة، أم لمسار مهني متغير؟

الواقع
في السياق السوداني والعربي، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة الاعتبار للتعليم التقني
والتدريب المهني.

لسنوات طويلة، جرى التقليل من شأن هذه المسارات لصالح التعليم الأكاديمي التقليدي، مما أدى إلى خلل هيكلي في سوق العمل.
لكن الواقع الاقتصادي يفرض اليوم تصحيح هذا المسار. الصناعة، والزراعة الحديثة، والخدمات التقنية، كلها تحتاج إلى مهارات تطبيقية، لا إلى شهادات فقط.

المبادرات المحلية، مثل إنشاء كليات تقنية، يمكن أن تكون نقطة تحول إذا أُحسن إدارتها وربطها بسوق العمل.

التجارب العالمية تثبت أن الاستثمار في المهارة هو أسرع طريق لرفع الإنتاجية، وتقليل البطالة، وتحقيق نمو مستدام.

الخاتمة
المهارة هي الجسر بين المعرفة والصناعة
. ومن دون هذا الجسر، تبقى كل الخطط الاقتصادية معلّقة في الهواء.
العالم اليوم لا يقيس الدول بعدد سكانها، بل بقدرة هؤلاء السكان على الإنتاج، والتعلم، والتكيف.

إن بناء الإنسان الماهر ليس مشروعًا تعليميًا فقط،
بل مشروع اقتصادي واستراتيجي، يحدد موقع الدول في المستقبل.

رؤية المقال القادم في السلسلة
في المقال القادم ننتقل إلى سؤال التمويل:
من يمول هذا التحول؟ وكيف تُبنى المنظومات المالية التي تدعم الابتكار، والصناعة، والمهارة دون أن تغرق في الديون أو التبعية؟
وسنقرأ من بطون كتب تتناول رأس المال التنموي، والتمويل الذكي، ودور البنوك والمؤسسات المالية في بناء اقتصاد منتج.
.
عبد العظيم الريح مدثر
متقاعد من المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا

مؤسس منبر نور البحثي

sanhooryazeem@hotmail.com

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

كشكول نوبل (1)

حين أنقذ الدواء الجسد… وأنقذ الفكر كرامة الإنسان منبر نور البحثي – مقالات من بطون …