📝 أواب عزام البوشي
تنشط بعض المنصات الإعلامية المرتبطة بـ الحركة الإسلامية السودانية في ترويج خطاب يقوم على فكرة مفادها أن نقد التجربة السياسية أو كشف ما ارتبط بها من أزمات يمثل تحريضاً ضد السودان نفسه. يقوم هذا الخطاب على محاولة خلط متعمد بين الوطن ككيان تاريخي واجتماعي جامع وبين المشروع الأيديولوجي الذي حكم جزءاً من المشهد السياسي خلال فترات سابقة، بحيث يصبح الدفاع عن التنظيم مرادفاً للدفاع عن البلاد، بينما يُصنَّف النقد السياسي في خانة العداء الوطني.
المشكلة الجوهرية في هذا الطرح أنه يسعى إلى مصادرة حق المجتمع في مراجعة التاريخ السياسي للبلاد. فالتجارب التي شهدها السودان خلال العقود الماضية لم تكن محل توافق وطني شامل، بل ارتبطت بسلسلة من الصراعات التي طالت مناطق متعددة من البلاد، بدءاً من النزاعات المسلحة في الجنوب قبل الانفصال، مروراً بأزمات دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق. ويرى منتقدو تلك المرحلة أن إدارة تلك الصراعات لم تكن دائماً وفق منطق الدولة الحديثة، بل غلب عليها الطابع الأمني والسياسي الذي ساهم في تعقيد الأزمة الوطنية.
في هذا السياق، يبرز اسم خالد سلك ضمن الأصوات السياسية التي تدافع عن فكرة أن نقد التجربة الإسلامية السياسية لا يمثل عداءً للسودان، بل محاولة لفهم جذور الأزمة الوطنية ومعالجة أسبابها. ويستند هذا الطرح إلى أن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى عبر إعادة إنتاج نفس البنية السياسية التي ساهمت في تعميق الصراع، أو عبر تحويل الوطنية إلى معيار تمنحه الدعاية السياسية لمن يوافق خطابها فقط.
إن أخطر ما في هذا النمط من الخطاب أنه يحاول تحويل الوطنية إلى مفهوم مغلق يُستخدم كأداة سياسية في الصراع العام. فبدلاً من أن تكون الوطنية إطاراً جامعاً لكل السودانيين، تتحول أحياناً إلى معيار للاتهام بالإقصاء السياسي، حيث يتم إخراج المخالفين من دائرة الانتماء الوطني عبر ربط النقد السياسي بمفاهيم التخوين أو التشكيك في الولاء للوطن. وهذا الأسلوب لا يختلف كثيراً عن ممارسات أنظمة سياسية عديدة استخدمت خطاب الوطنية ذاته لتعزيز السيطرة على المجال العام.
كما أن الربط المتكرر بين الدفاع عن السودان والدفاع عن مشروع سياسي محدد يعكس، في نظر المنتقدين، ضعف الثقة في إمكانية مناقشة التجربة التاريخية بموضوعية. فالدول التي تجاوزت أزماتها السياسية لم تفعل ذلك عبر إسكات الأصوات الناقدة، بل عبر الاعتراف بالأخطاء ومراجعة السياسات التي ساهمت في تعقيد الصراعات الاجتماعية والعنف السياسي.
ويرى هذا الاتجاه أن الخروج من دائرة الصراع السوداني يمر عبر تفكيك البنية الأيديولوجية التي حكمت جزءاً من المشهد السياسي، وأن الاستمرار في استخدام خطاب التخوين الوطني لن يؤدي إلا إلى تعميق الاستقطاب وإطالة أمد الأزمة. ومن هذا المنظور، يميل الخطاب الدفاعي المرتبط بـ الحركة الإسلامية السودانية إلى تقديم قراءة للتجربة السياسية السابقة تحاول تجنب الاعتراف الصريح بالأخطاء التاريخية التي ارتبطت بفترات الحروب والانقسامات، وهو ما يراه منتقدون محاولة للهروب من المساءلة السياسية والتاريخية، خاصة في ضوء ما يُتداول إعلامياً حول بعض المواقف المنسوبة إلى قيادات محسوبة على هذا التيار، ومن بينهم سناء حمد التي تُذكر في هذا السياق باعتبارها من الشخصيات المرتبطة بالحركة الإسلامية، حيث يرى منتقدون أن بعض الخطابات الدفاعية تميل إلى تخفيف المسؤولية التاريخية بدلاً من مواجهة الإشكالات السياسية التي صاحبت تلك التجربة.
وفي المحصلة، يظل السودان أكبر من أي مشروع سياسي، وأعقد من أن يُختزل في خطاب دعائي يدّعي احتكار الوطنية، لأن تحويل الوطن إلى أداة صراع أيديولوجي لا يؤدي إلى بناء دولة مستقرة، بل يرسخ دورة الاستقطاب السياسي والاجتماعي التي أنهكت البلاد طويلاً.
awabazzam456@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم