من يملك حق العودة؟

دكتور محمد عبدالله

ليس من قبيل المصادفة أن ترتفع في هذا التوقيت نبرة التهديد، وأن يُستدعى قاموس الإقصاء القديم بكل مفرداته: “ما بترجعوا السودان”، وكأن الوطن تحول إلى ضيعة خاصة أو إرث عائلي يتوارثه أهل الولاء دون سواهم. هذه اللغة ليست جديدة، بل هي صدى متأخر لزمن اعتقد أصحابه أن البلاد تُدار بالعصا، وأن الانتماء يُقاس بالقرب من السلطة.

لكن ما يغيب عن هؤلاء أن السودان الذي يتحدثون عنه لم يعد كما كان يوم كانوا يملكون مفاتيحه. البلاد تغيّرت، ليس فقط في شوارعها التي أنهكتها الحرب، بل في وعي أهلها، وفي تعريفهم البسيط والعميق للوطن: الوطن ليس سلطة ولا جيشاً ولا أجهزة أمن، بل هو الناس… كل الناس.

حين يقول أحدهم لمن هم خارج السودان: “لن تعودوا”، فهو لا يخاطب أشخاصاً بقدر ما يكشف عن أزمة تصور عميقة. أزمة من يعتقد أن الهجرة خيانة، وأن المنفى اختيار مريح، وأن من غادر قد “باع” البلاد. وهذه، في أحسن الأحوال، قراءة ساذجة، وفي أسوأها، تزييف أخلاقي فاضح.

من خرجوا من السودان لم يغادروه لأنهم كرهوا رائحة البصل في رمضان، ولا لأنهم ضاقوا بموسيقى “الفترة المفتوحة” أو ضجيج الأسواق. خرجوا لأن البلاد ضاقت بهم، لأن الخوف صار نظاماً، ولأن الحياة نفسها أصبحت مؤجلة. خرجوا يحملون السودان في حقائبهم الصغيرة: في لهجتهم، في طقوسهم، في حنينهم اليومي الذي لا يُرى.

أما استدعاء تفاصيل رمضان والعيد – البروش، التراويح، شاي الصباح، وزحمة الوقفة – بوصفها “امتيازات” حُرم منها هؤلاء، فهو نوع من المزايدة العاطفية الرخيصة. كأن الانتماء يُقاس بعدد مرات الإفطار الجماعي، أو بمقدار الحنين إلى صوت المؤذن. والحقيقة أن هذه التفاصيل نفسها هي ما يجعل الغياب مؤلماً، لا ما يبرر الشماتة فيه.

ثم إن المفارقة الأكبر تكمن في هذا الخطاب الذي يحتفي بالجيش “المتقدّم” و”تحرير كل شبر”، بينما يتجاهل سؤالاً بسيطاً: تحرير الأرض ممن؟ ولمن؟ وما معنى التحرير إذا كان نصف أهل البلاد يُقال لهم إنهم غير مرحّب بهم؟

الوطن الذي يُبنى على الإقصاء لا يُحرَّر، بل يُعاد إنتاج أزمته.

غير أن ما يكمن خلف هذه اللغة المتصلبة ليس قوة كما تبدو، بل خوفٌ مكتوم. فصاحب التهديد، في الغالب، لا يتحدث من موقع الثقة، بل من حافة القلق. إن الإصرار على إقصاء الآخرين، والتلويح بمنعهم من العودة، لا يكشف عن يقينٍ بالنصر بقدر ما يشي باستشعار هزيمة تلوح في الأفق. وكأن هذه العبارات الصاخبة ليست سوى محاولة متأخرة لرفع معنوياتٍ تتآكل، أو لإخفاء ارتباكٍ لا
إنها لغة من يخشى المستقبل، لا من يملكه.

إن التهديد بعدم السماح بالعودة ليس موقفاً سياسياً بقدر ما هو إعلان إفلاس أخلاقي. لأن من يملك حق العودة هو المواطن، لا الحاكم. ولأن الحدود التي تُغلق في وجه الناس لا تحمي الأوطان، بل تعزلها عن نفسها.

ولعل الأجدر بهؤلاء، بدلاً من توزيع صكوك الانتماء، أن يسألوا أنفسهم: لماذا يخافون من عودة المختلفين؟ ولماذا يبدو لهم الوطن هشّاً إلى هذا الحد، بحيث لا يحتمل تعدد أصواته؟

السودان، في النهاية، ليس مكاناً يُمنح الإذن بالدخول إليه، بل فكرة أكبر من ذلك. فكرة لا تُختزل في سلطة، ولا تُحتكر بواسطة جماعة. ومن يظن أنه قادر على منع الآخرين من العودة، إنما يعلن – دون أن يدري – أنه لم يفهم بعد معنى أن يكون للوطن شعب، لا رعايا.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

وهم “النموذج الأمريكي”

وهم “النموذج الأمريكي”د. فؤاد زكريا ونقد أساطير النهضة الجاهزةد. محمد عبدالله حين نعيد قراءة العرب …