مهزلة تفويض الجيش يوم امس

أي جيش في الدنيا مفوض لشيء واحد فقط هو حماية حدود الوطن من العدوان الخارجي واحتكار العنف والسلاح في اطار دستوري وقانوني ، عندما يتحول الجيش الى حزب سياسي تكثر بهلوانيات تفويض القوات المسلحة التي لا تعني سوى مباركة هيمنة الجيش على السياسة! وهنا نتساءل ماذا كانت نتيجة هذه الهيمنة الممتدة ل 56 عاما من سنوات الاستقلال السبعين!
النتيجة انقسام السودان لدولتين وحروب اهلية قتلت ملايين السودانيين جنوبا ومئات الالاف غربا فضلا عن مذلة اللجوء والنزوح، النتيجة هي دولة فقيرة ومتخلفة رغم مواردها العظيمة ، النتيجة ان الجيش ببركات نظام الحركة الاجرامية المسماة اسلامية فشل في احتكار سلاح الدولة اذ اعتمد في حروبة وما زال على المليشيات فتعددت الجيوش المتنافسة على السلطة وفي النهاية انفجرت نواة الاستبداد العسكري بفعل الكيزان وانشطرت فكانت كارثة حرب الخامس عشر من ابريل 2023 التي تنذر بتفتيت البلاد بعد ان قلبت حياة المواطنين جحيما ، وفي هذه الحرب انسحب الجيش الى داخل ثكناته تاركا المواطنين وجها لوجه مع الد.عم السريع الذي ارتكب فيهم ابشع الانتهاكات! وبسبب سيطرة الكيزان عليه يرفض هذا الجيش انقاذ ما يمكن انقاذه من السودان والسودانيين عبر ايقاف الحرب والانخراط في مفاوضات سلام جادة! يرفض مجرد الهدنة بحجة انه لن يجلس مع الد.عم السريع الا بعد ان ينسحب من المدن التي يسيطر عليها ويسلم سلاحه!! ولكن نفس هذا الجيش يتفاوض مع الد.عم السريع ويتفق معه على تسليم ارض سودانية (هجليج) لجيش دولة مجاورة (جنوب السودان) تنفيذا لاوامر عليا من الخارج! يرفض الجيش تسليم كادوقلي والدلنج لجيش عبد العزيز الحلو لحماية المواطنيين من ويلات القصف والحصار والتجويع ولكنه بكل سهولة يسلم هجليج لجيش سلفاكير حماية للبترول! الفرق ان تسليم هجليج صدرت اوامره من الخارج اما تسليم الدلنج وكادوقلي فصدرت من الداخل!! من الادارات الأهلية ومن المواطنين السودانيين! وبعد ذلك يحدثونك حديث العمالة والخيانة التي يلصقونها بالقوى المدنية الديمقراطية! ولا ادري ما هي الوطنية التي يمثلها الجيش! وما هو السبب المنطقي الذي يجعل شخصا راشدا يفوضه؟ يفوضه ليفعل ماذا؟ هل ما فعله هذا اجيش بالسودان لاكثر من نصف قرن يستوجب تفويضا ام محاسبة ومساءلة صارمة؟ بامانة هذا الجيش يجب ان يطلب من المواطنين السودانيين السماح والغفران على الارواح التي ازهقت والاعراض التي انتهكت والاموال التي نهبت بسببه وبسبب المليشيات التي صنعها وما زال يصنع في المزيد منها وبسبب عجزه عن حماية المواطنين عندما كانوا في امس الحاجة لحمايته! هذا الجيش يجب ان يتعهد امام السودانيين بالخروج من السياسة التي افسدها والاقتصاد الذي دمره!
اما معاتيه تفويض الجيش من غير الكيزان فانهم يجسدون سيكولوجية الانسان المقهور الذي يحاول اقناع نفسه بأنه يمتلك حرية الاختيار! فهو من يفوض الجيش! في حين ان الجيش يدوس على رقاب هذا الشعب بالحديد والنار وليس بحاجة الى تفويض اصلا! وعندما يفوض الشعب السلطة لحكومات منتخبة ديمقراطيا يضع الجيش التفويض الشعبي تحت بوته وينقلب عليه ويستبد بالسلطة!
اما الكيزان الذين رسموا خطة تفويض الجيش ودعوا لخروج المظاهرات في الداخل والخارج فهم يعملون على تفويض عناصرهم داخل الجيش لإعادة نظامهم وتكريس استبدادهم العسكري المقبل، فالجيش من وجهة نظرهم حصان طروادة الذي يختبؤون داخله! ولا غرابة ان تفشل الدعوة فشلا ذريعا ويلجأ اصحابها للذكاء الاصطناعي وفبركة الصور والفيديوهات!
وطبعا من العبث ان تقول ان الشعب ايد هذا وعارض ذاك والشعب اصلا يعيش تحت القمع ولا تتوفر له الحدود الدنيا من حرية الاختيار .

عن رشا عوض

رشا عوض

شاهد أيضاً

هكذا تعامل الكيزان والجيش مع الانتهاكات كغنيمة حرب!

رشا عوضان الانتهاكات المروعة التي ارتكبها الد.عم السريع من جرائم حرب تشمل المجازر الجماعية والسلب …