hafiz_63@yahoo.com
عبدالحافظ سعد الطيب
الخرطوم – بعد أكثر من ستة وثلاثين عامًا من الحكم، يقف السودانيون اليوم أمام حقيقة دامغة: تجربة الإسلام السياسي في السودان قد ماتت. ليست مسألة رأي أو موقف سياسي، بل واقع يفرض نفسه بعد أن أُعطيت الحركة الإسلامية فرصة لم تُتح لأي تنظيم آخر في المنطقة، فاستولت على الدولة بكل مواردها وأدواتها، وانتهت إلى فشل شامل.
من “المشروع الحضاري الإسلامي ” إلى الخراب
حين استولى الإسلاميون على السلطة عام 1989، رفعوا شعارات براقة: “الإسلام هو الحل”، “المشروع الحضاري الإسلامي”، “الجهاد”. وبعد عقود من الحكم، لم يجد السودانيون سوى الخراب: حرب الجنوب التي انتهت بانفصاله، تدمير الاقتصاد رغم عائدات النفط، تفشي الفساد، وتفجير صراعات قبلية ومناطقية لا تزال مستمرة.
حتى حسن الترابي، مؤسس الحركة وزعيمها التاريخي، اعترف في مراجعاته المقتضبة بفشل المشروع بعد أن أُقصي من الحكم. حاول أن يطرح “النظام الخالف” كبديل، لكن القيادات التي خلفته لم ترَ في الأمر سوى تهديد لسلطتها. هكذا ظل التنظيم أسير نزعة التمكين والهيمنة، بعيدًا عن أي فكر إصلاحي.
سقوط الشعارات الكبرى
التجربة أهدت السودانيين أهم شيء: إسقاط الوهم. فقد انهارت عمليًا كل الشعارات التي خاضوا بها السجال لسنوات:
الإسلام لم يكن الحل، بل غطاء للسلطة.
الدين لم يكن دولة، بل أداة قمع.
الشريعة لم تُطبق كعدالة، بل كوسيلة انتقائية لتكريس الحكم.
الجهاد لم يكن سوى حرب على مواطني الدولة نفسها.
اندثار شامل
هكذا انتهى النقاش النظري حول الإسلام السياسي، ليس بالكتب والمناظرات، بل بتجربة عملية حكمت شعبًا كاملًا ثم انهارت.
هل نحتاج إلى محاكمة فكرية؟
كان همّ كثيرين وانا منهم قبل سنوات هو إجراء “محاكمة فكرية” لتنظيم الحركة الإسلامية، لنقد أفكاره وكشف تناقضاته. لكن الحرب التي أشعلها التنظيم، والانتهاكات الموثقة، والدمار الذي خلفه، أثبتت أن المحاكمة الفكرية لم تعد ضرورية. السبب بسيط: لم يكن هناك مشروع فكري إنساني أصلًا.
ما وُجد على أرض الواقع لم يكن فكرًا، بل مشروع “أبرتهايد” إسلاموعروبي عنصري، قائم على التمييز والنهب والسيطرة. لم يكن الأمر سجالًا فكريًا، بل ممارسة سلطوية غاشمة. لذلك، فالمطلوب اليوم ليس مناظرة فكرية، بل محاسبة جنائية وسياسية.
انتحار فكري-سياسي ام هزيمة أنطولوجية
التنظيم يواجه اليوم هزيمة وجودية شاملة:
فكريًا: غياب أي مرجعية فكرية مقنعة، وانكشاف خواء شعاراته.
سياسيًا: عزلة تامة بعد رفضه من الشارع في انتفاضة سبتمبر 2013، ثم في ثورة ديسمبر 2018.
تنظيميًا: انشقاقات وصراعات داخلية تعكس أزمة القيادة والشرعية.
قانونيًا: ملاحقات داخلية وإقليمية ودولية بتهم الفساد ونهب الموارد وانتهاكات حقوق الإنسان.
خطابات قادته، مثل نافع علي نافع، لم تُقنع أحدًا، بل كانت رصاصة الرحمة في جسد ميت. فبينما يتحدث عن مؤامرات “غربية صهيونية صليبية”، يعرف الشعب أن الحركة هي من سرق موارده، فصل الجنوب، وأغرق البلاد في القروض.
الدرس الإقليمي والدولي
سقوط كوني
ما عُرف بـ”المشروع الحضاري الإسلامي” تحوّل إلى مشروع خراب. سقوطه في السودان رسالة أوسع: الإسلام السياسي، حين يمسك السلطة، يكشف عن عجزه التام عن بناء دولة، بل يتحول إلى عبء على الدين والدولة معًا.
خاتمة بادئة
موت تجربة الإسلام السياسي في السودان ليس حدثًا محليًا عابرًا، بل إعلان نهاية مرحلة كاملة. فالتنظيم الذي امتلك السلطة المطلقة ثلاثة عقود، لم يترك سوى الحرب والانقسام والفساد. بهذا، يكون السودان قد دفن وهم الإسلام السياسي عمليًا، وفتح الباب أمام بناء بدائل مدنية وديمقراطية، تُعيد للدين مكانته الأخلاقية، وتعيد للسياسة وجهها الوطني.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم