حين يمدّ الجيش السوداني يده إلى موسى هلال، شيخ المحاميد وأحد شهود الدم في دارفور، فالأمر يتجاوز التكتيك العسكري. إنه أشبه بفتح قبرٍ قديم، لتتصاعد منه روائح الرماد التي حسبها الناس خبت منذ عقدين.
في لحظة اهتزاز وتيه، يطلب الجيش نجدة رجلٍ ارتبط اسمه بصفحاتٍ سوداء من حرب 2003، كأن الدائرة لا تكتمل إلا بالعودة إلى بدايتها.
إنه النداء الأخير قبل الغرق. الفاشر تكاد تسقط بين أنياب المليشيا. والجيش، المُحاصر في جغرافيا مُنهكة، لا يجد سنداً إلا في زعيمٍ قبليّ كان يوماً من صانعي “الميليشيا الأم”، في حربٍ أورثت البلاد ثلاثمئة ألف قتيل وملايين النازحين. كأن دارفور تعيد كتابة فصولها، لكن بلغةٍ جديدة، أقل اكتراثاً بالذاكرة وأكثر جموحاً في استدعاء الانقسامات العرقية.
الآن، بعد أزيد من عقدين من ذلك الجرح المفتوح، يعود موسى هلال بوجه جديد ولغة مختلفة. يعلن عن التحالف مع القوات المشتركة الموالية للجيش، ويَعِد بتشكيل قوة عسكرية “تحمي الأسواق، وتفتح الطرق، وتؤمّن الموسم الزراعي”. لكن خلف لغة البيانات تكمن حقيقة أخرى: استدعاء العصبيات القبلية في مواجهة خصمٍ ينتمي إلى الدم نفسه. فالمعركة لم تعد فقط جيشاً ضد مليشيا، بل عرباً يتنازعون على الولاء، ويشقّون الصفوف، وينقلون الحرب من ساحة السياسة إلى حضيض الانتماء القبلي.
هلال، الذي دعا أبناء القبائل العربية المنخرطين في صفوف المليشيا إلى الانشقاق والانضمام إليه، يعرف أن الكلمة في دارفور لا تزال كلمة شيخ العشيرة. قالها صريحة: “من دخل دار موسى هلال فهو آمن”. كأنها عودة إلى لغة الملاذات القبلية في زمنٍ كان يُفترض أن يطويه الدستور والدولة والقانون.
الجيش يراهن على هذه الورقة. يريد ضرب الحاضنة الشعبية لحميدتي، وتمزيق الولاءات داخل بيته نفسه. لكن الرهان خطير: فالتحالفات التي تولد على أنقاض الدماء قد تنقلب إلى ألغام. ودارفور التي ذاقت في 2003 حرباً ذات دلالات إثنية واضحة، تعود اليوم كأنها جرح لم يندمل، بل كابوس يتهيأ للانبعاث.
في جنيف، لخّص فيليبو غراندي، المفوض السامي لشؤون اللاجئين، المشهد المأساوي: “جزء كبير من العنف الجاري يذكرنا بما حدث قبل عشرين عاماً… الدلالات العرقية للعنف والأساليب المتبعة”.
يضيف بمرارة: “لكنّ الاهتمام الدولي اليوم أقل بكثير. هل هو تعب؟ أم منافسة مع أزمات أخرى؟ أم قناعة بأن هذه الأزمات لا تُحل أبداً؟”.
دارفور تعود إلى مسرح التاريخ، هذه المرّة بلا ضجيج العالم. تظهر فيها ملامح 2003، ويختبئ فيها حاضرٌ أكثر بؤساً: جيش يطلب النجدة ممن كانوا يوماً جزءاً من الجراح، حركة إسلامية تتلاعب بالغزل السياسي، مليشيا تتوّسع في حفر القبور وحركات مسلّحة تبحث عن موطئ قدم وسط الخراب.
قد يكون موسى هلال خشبة نجاة مؤقتة للجيشٍ، وقد يمنحه بعض الأنفاس. وقد ينجح في شق صفوف المليشيا. لكنه أيضاً قد يكون بوابة جحيم أخرى. لأن استدعاء الزعامات القبلية لا يبني دولة، بل يرسّخ منطق الفزعة، ويعيد المجتمع إلى مربّع العصبيات الأوّل: دورة جديدة من الدم، نسخة 2025 من حرب 2003… التي لم تنته بعد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم