موقف السيارات – عندما تتعدد فيه المواقف
قصة من واقع صباح هذا اليوم
بقلم د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
على غير عادة الشتاء في الجزيرة البريطانية، أشرقت شمس هذا الصباح الشتوي بلطف واسترخاء ، فَعَانَقَت أشعتها الصفراء الخافتة الأرضَ الظمأى إلى الدفء. ارتفعت درجة الحرارة بضع درجات، ودبَّ النشاط في كل مكان. حتى الطيور غير المهاجرة راحت تزقزق ، ترقص وتدور في فرح، كأنها تُرَنِّم: “نحن والجمال والحنان والإنسان حولنا من خلق الرحمن”.
كغيري من الكائنات التي تنتعش بالدفء، خرجت مبكراً لأتسوق. ففي مدينتنا مركزٌ تجاري ضخم، يجذب الناس بماركاته وتصاميمه وكل وسائل الراحة التي يوفرها فقصدته .
عند وصولي وأنا أصف سيارتي في الموقف المخصص، لفت نظري منظرٌ يبكي العين قبل القلب!. رجل في عقده السابع يجهز كرسياً متحركاً من سيارته، ثم يساعد امرأة عجوزاً نحيلة، ربما تجاوزت التسعين. بكل لطف وتؤدة، رفعها بين يديه وكأنه يحمل جوهرة ثمينة، وأجلسها على الكرسي ببراعة. ثم بدأ يدفعها ببطء نحو المركز التجاري، والابتسامة لا تفارق وجهه.
وقفت مبهوراً أمام هذا المشهد الإنساني النادر. تذكرتُ أمي التي رحلت منذ أربعة عقود، لكنها أبداً لم ترحل من قلبي ولا ذاكرتي. جالت في ذهني ذكريات الطفولة بشقاوتها، ومراهقتي بتحدياتها، وشبابي بطموحاته . كانت هي حاضرة في كل موقف، ترعاني، تدعو لي، تفرح لفرحي وتحزن لحزني وعند قدوم ضيوفي تهش وتكرمهم بسخاء بما يلذ ويطيب من الطعام . ليتها كانت حية ورفيقتي تلك اللحظة
كم فرحت يوم تخرجي! وكم ابتهجت يوم زواجي! لا أنسى كيف كسرت حاجز العرف الاجتماعي و”غنت” لي بأمجاد الأسرة والجدود بصوتها الشجي. ولا أنسى آخر وداع بيننا، حين نظرت إليّ بعينيها الدامعتين وأنا مسافرٌ للعمل في الغربة، وكأننا كنا نعلم أنه الوداع الأخير. رحمة الله عليك يا أمي الغالية الحبيبة .
هذا الرجل الإنجليزي، في ذلك الصباح البريطاني، كان يقدم درساً عملياً في البر والوفاء. رغم انشغالات الحياة، لم يحرم أمه الضعيفة متعة التسوق ومشاهدة الناس. إنه يمثل قمة الإنسانية الرائعة . كيف لا وأمه هي سبب وجوده، وقد سهرت ليالٍ لترعاه، وتحملت المشاق لترى منه في المستقبل إنساناً له قيمة
“لا يعرف الشوق إلا من يكابده، ولا الصبابة إلا من يعانيها”. هذا الموقف جدَّد أحزاني وشوقي لأمي. تمنيت لو أستطيع العودة بالزمن لأرد لها الجميل، لأمسك بيدها وأساعدها كما يفعل هذا الابن البار. يا له من إنسان رائع وسعيد حقاً!
نصيحتي لأصدقائي وللشباب جميعاً من تجربتي بفقد الوالدين وموقف ذلك الرجل الإنجليزي النادر أقول: “عضوا بالنواجذ على نعمة وجود والديكم أحياء. هذه النعمة لا تعوَّض، ولا يعرف قيمتها إلا من فقدها”. إعتنوا بهم خاصة في مرضهم وكبرهم. بروهم بسخاءٍ ودعاءٍ لا ينقطع اثناء الحياة وبعد الموت. حتى أصدقاءهم لا تنسوهم بالبر والعطاء
دخلت المركز التجاري واخترت ركناً هادئاً في أحد المقاهي. على كوب من الشاي، وجدت نفسي أردد القليل الذي أحفظه من كلمات أغنية “ست الحبايب” لفايزة أحمد. لو كان هذا الابن البار يفهم العربية، لأهديته هذه الكلمات التي تعجز عن وصف فضل الأم. فهي حقاً “ست الحبايب” التي لا تعوض :
ست الحبايب يا حبيبة، يا أغلى من روحي ودمي
يا حنينة وكلك طيبة، يا رب يخليكي يا أمي
زمان سهرتي وتعبتي وشيلتي من عمري ليالي
ولسه برضو دلوقتي بتحملي الهم بدالي
أنام وتسهري وتباتي تفكري
وتصحي من الآذان وتيجي تشقري
كذلك لا ننسي فضل الأم “المدرسة ” كما وصفها الشاعر حافظ إبراهيم عليه رحمة الله في قصيدته المشهورة :
الأمُ مدرسةٌ إذا أعددتها
أعددت شعباً طيبَ الأعراقِ
الأمُ روضٌ إن تعهده الحيا
بالريِّ أورقَ أيما إيراقِ
الأمُ أستاذُ الأساتذةِ الألى
شغلت مآثرهم مدى الآفاقِ
نعم الإم مدرسة، بل في كل وطن كبير هي تربته الخصبة. في الساحة الأدبية شعراء كثيرون مجدوا فضل الأم وخلدوا ذكريات طفولتهم والنشأة الحنونة معها. من السودانيين تحضرني هنا رائعة الشاعر الأستاذ التيجاني حاج موسى “أمي الله يسلمك”، حيث يقول فيها:
أمى يا دار السلام
يا مرضعانى الطيبة بالصبر الجميل
يا سعد أيامي وهناى
أنا مهما أفصح عن مشاعرى
برضو يخوني الكلام
وقولة بحبك
ما بتكفى وكل كلمات الغرام
لقد صدق وما أعظمها روعة التعبير عن مشاعره ب”كلمة بحبك ما بتكفي ولا كل كلمات الغرام “. ما أروعك يا تجانى، رحمة الله على والدتك
بعد انتهاء تسوقي وعودتي إلي موقف السيارات كان ذلك الرجل الرائع ووالدته قد غادرا وسيارة أخرى أخذت مكانهم. لكن دفء ذلك المشهد وبريق عينيه الهادئتين بقيا معي أكثر اشراقاً من شمس ذاك الصباح الشتوي النادر
Alarabi AA © Sudanile January 2026
aa76@me.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم