موقف حركة حق من التطورات الأخيرة فى المشهد السياسى
10 يناير, 2013
بيانات
39 زيارة
حركة القوى الجديدة الديمقراطية (حق)
موقف الحركة من التطورات الأخيرة فى المشهد السياسى
– نحترم خيارات الجبهة الثورية السودانية فى إعتماد العمل المسلح وسيلة لإسقاط النظام.
– نرحب بالتنسيق مع المعارضة المسلحة لتفادى الإنزلاق نحو حرب أهلية شاملة.
– ميثاق الفجر الجديد مبادرة واقعية لوقف الإقتتال وترسيخ السلام فى ربوع البلاد.
– مطلوب من القائمين بأمر المبادرة التحلى بقدر عالى من الحساسية والمرونة تجاه النقد والتطوير.
– نطالب السلطة بالتراجع الفورى عن قرار إغلاق مراكز الإستنارة وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.
إلى جماهير شعبنا الصابرة
تمر علبنا هذه الأيام الذكرى السنوية لإستقلال البلاد وما زالت الأزمة الوطنية التى إستفحلت بإنقلاب الإنقاذ على النظام الشرعى قبل أكثر من عقدين من الزمان تمسك بخناق البلاد والعباد وتتناسل دوائرها لتتعمق وتنداح. فما زالت الرقابة الامنية سيئة السمعة على الصحف تمارس الإبتزاز للرأى الآخر فى المجتمع. وما يزال الإنهيار الاقتصادى والاجتماعى والاخلاقى يشكل الملامح الرئيسية لقسمات المشروع الحضارى، إضافة الى الحجر على حريات التعبير والتنظيم وإحتكار الإعلام ومصادرة إستقلال السلطة القضائية وتفشى الفساد وسط قيادات المؤتمر الوطنى الحاكم.
تابعنا فى خضم هذا الواقع المرير وبإرتياح عميق التنسيق الذى تم بين القوى المعارضة التى تحمل السلاح ممثلة فى الجبهة الثورية السودانية من جهة وقوى الإجماع الوطنى التى تعتمد الحراك المدنى من جهة ثانية، وهو تنسيق أعلن عن هدفه بوضوح كامل، وهوإسقاط النظام وإستعادة الشرعية ليستعيد معها السودان عافية الإستقرار الأمنى والإقتصادى والإجتماعى، وذلك فيما عرف بميثاق الفجر الجديد. تأييدنا للميثاق يأتى من واقع أن هذه الخطوة تعتبر ضرورية فى تفعيل العمل السياسى وتوسيع دوائر التأييد الشعبي للفعل الوطنى المعارض لما يحمله الإتفاق من آمال عريضة تتمثل، وقبل كل شىء، فى حقيقة أن إسقاط النظام يحمل معه ضمانات وقف الحرب الاهلية الدائرة فى النيل الازرق وجنوب كردفان ودارفور، والإستقرار والتعاون مع دولة الجنوب التى تربطنا بها علاقات ثقافية وإقتصادية وإجتماعية عميقة الجذور. كما يأتى تأييدنا للميثاق من واقع أنه أعلن عن نواياه وإلتزامه بإقامة النظام الديمقراطى التعددى الفيدرالى وتحقيق السلام العادل، وعن بناء دولة تتأسس فيها الحقوق على المواطنة وليس على الإنتماء للدين أو الجهة أو العرق ، مع تأكيد الإحترام العميق للأديان والمعتقدات. أكد الميثاق على ضرورة تطبيق مبدأ العدالة والمحاسبة ومفاهيم وآليات العدالة الإنتقالية والإلتزام بمبادىء وقيم حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا، ولخص ميثاق الفجر الجديد ضمنيا أسباب سعيه لإلحاق الهزيمة بسلطة الإنقاذ، فى أنها لم تقبل السلام الوفاقى القائم على التسامح الفكرى وإحترام التنوع والتعدد فى السودان، وأن تجربتها طوال أكثر من عقدين من الزمان قد أكدت خطورتها وطبيعتها الفاشية على مستقبل البلاد، وهى تجربة يجمع الكافة على حقيقة أنها ما اورثتنا شىء غير التمزق والإحتراب، ولذلك فإن إسقاطها وتصفيتها يعنى الهزيمة الماحقة لمنهجها الفاشى فى فرض فكرها السياسى تحت ستار الدين، ووضع الضمانات حتى لا تتكرر تجربتها المريرة فى عالم يقوم على القدرة فى التنافس الإقتصادى ويناضل من أجل التطور القانونى والأخلاقى.
تعهد ميثاق الفجر الجديد بفترة إنتقالية لمدة أربع سنوات وحدد مهامها المتمثلة فى تصفية النظام، وإرساء أسس الديمقراطية، ووضع اللبنات الأولى فى النهضة اللإقتصادية، والنضال بلا هوادة من أجل تحقيق تطلعات شعبنا فى الديمقراطية والحياة الكريمة، وعقد مؤتمر دستورى لحل القضايا المصيرية لحسم قضايا الهوية، وعلاقة الدين بالدولة، والتنمية وإقتسام السلطة والثروة، وإعداد مسودة الدستور الدائم على أساس مقرراته، وإجراء الإنتخابات العامة فى نهاية الفترة، كما حدد القوى التى تحكم الفترة الإنتقالية وهى تتكون أساسا من أحزاب قوى الإجماع الوطنى والجبهة الثورية السودانية. وتضمن الميثاق تأكيدات فى أكثر من فقرة على إلتزامه بقضية الإنصاف الإثنى والجندرى.
من الواضح أن سلطة الإنقاذ قد أصابها الهلع بعد توقيع الميثاق ولجأت الى أسلوبها المعروف فى القمع والإعتقالات، ورصيدها فى الإرهاب والترويع، فقامت بإعتقال عدد من الشرفاء بتهمة المشاركة فى فعالية التوقيع على الميثاق، وهو مسلك يلازم طبيعة السلطة وينسجم مع طابعها الإقصائى، وقد تابعنا مؤخرا وبقلق بالغ الهجمة الشرسة على هامش الحريات العامة الضيق أصلا والمتمثلة فى إغلاق مركز الدراسات السودانية ومركز الخاتم عدلان للإستنارة والتنمية البشرية وبيت الفنون، والتهديد بإغلاق إتحاد الكتاب السودانيين مصحوبا بحملة إعلامية وأمنية واسعة لدمغ المركزين والقائمين على أمرهما بالخيانة والعمالة. نسجل إدانة لمسلك السلطة الإقصائى هذا ونعلن رفضنا التام لإغلاق مراكز الإستنارة وأى منظمة طوعية ما دامت تعمل وفقا للقانون، رغم إعتراضنا على بعض فقرات القانون المنظم لعمل المنظمات الطوعية فى السودان. كذلك نعلن عن رفضنا لطريقة التعامل مع المذكرة المشروعة التى كانت قد تقدمت بها كونفيدرالية منظمات المجتمع المدنى ورفض الجهات الحكومية المسئولة إستلامها، والإعتداءات الامنية المنفلتة على الوقفة السلمية وعلى بعض القيادات التى تقدمت بالمذكرة وبعض من حاول تغطيتها من الإعلاميين. ننطلق فى كل ذلك من إيماننا بالدور الحيوى الذى تقوم به المنظمات الطوعية وضرورة التمويل الاجنبى خاصة هذه الأيام حيث تذهب كل اموال دافع الضرائب تقريبا للصرف غير المبرر على الأمن والدفاع لتنفيذ أجندة الإنقاذ التى لا علاقة لها بالمصالح العليا بالبلاد، مع غياب الدعم الحكومى تماما عن الخدمات الصحية والتعليمية والتوعية ودعم السلع الأساسية ومشاريع البنية التحتية. وننطلق أيضا من إيماننا العميق بضرورة إستقلالية النقابات ومنظمات المجتمع المدنى المختلفة طالما ظلت تلك المنظمات تؤدى واجباتها المتمثلة فى العمل وفقا للقانون وإجراءات الشفافية المطلوبة فى الإعلان عن الدعم واوجه الصرف، ولا نجد أى مبرر لمصادرة عمل المنظمات الطوعية وفق أجندة سياسية غير معلنة تضيق بالرأى الآخر كما يحدث الآن. فى تقديرنا أن دور المنظمات الطوعية لا يقتصر على الفوائد الخدمية التى تجنيها لعضويتها أو التى يستفيد منها المجتمع، بل يتعدى ذلك الى ما هو أهم بكثير حيث تكون مثل هذه المنظمات فى العادة مصدرا مهما للمعلومة فى المجال الذى تعمل فيه، وتستطيع أن تمارس تأثيرا إيجابيا فى تشكيل الرأى العام وتكسبه المشروعية وتسبغ عليه القبول، وهو أمر مهم يجعل الرأى العام معيارا فى نقد القرارات السياسية وفى توجيه دفة السياسات العامة فيما يخدم المصالح العليا للبلاد.
فى إطار رصدنا لردود الأفعال المختلفة على الميثاق، لاحظنا والمداد الذى كتب به لم يجف بعد، صدور بيانات لأطراف مؤثرة داخل تحالف قوى الإجماع عبرت عن عدم موافقتها على بنوده مثل البيان الذى أصدره حزب الأمة وأعلن فيه عما أسماه ب(ترهلات وتناقضات فى جسد الميثاق وضروة التوفيق بين تطلعات المؤمنين والمساواة فى المواطنة) وعبر عن رفضه لما أسماه أيضا ب(العنف والإستنصار بالخارج) فى إشارة لا تخطئها العين لقوى الجبهة الثورية السودانية، كما اصدرت الحركة الطالبية للمؤتمر الشعبى بيانا فى ذات الاتجاه، وربما يحمل المستقبل القريب أنباء بتنصل قوى أخرى داخل تحالف المعارضة المدنية، الأمر الذى إضطرت معه الأمانة العامة لقوى الإجماع للإعلان عن نيتها فى مراجعة بنود الميثاق. ولذلك نبدى تحفظات على غياب التنسيق والتواصل والحوار المخلص المطلوب بين القوى السياسية التى صاغت الميثاق. وهو أمر يدعونا لمخاطبة الاطراف التى صاغت مشروع الميثاق ووقعت عليه بأن تقوم بإستكمال مهام التشاور الواسع وتقديم بعض التنازلات فى الصياغة تستطيع معها المحافظة على اكبر قدر ممكن من الإجماع الوطنى، ولكن وفقا لمبدأ عدم المساومة في كل ما يتهدد إقامة النظام الديمقراطى وإستقراره، وأن تسعى نصوص الميثاق سعيا حثيثا ليس فقط تجاه تصفية آثار “الإنقاذ” وإجراءات المحاسبة وإستعادة اموال الشعب المنهوبة وبقية القضايا التى تحتاج لعلاج حاسم، ولكن يجب ان يبقى التركيز والإهتمام الحقيقى على بناء المؤسسات الديمقراطية فى الفترة الإنتقالية ، والحرص على أن يأتى الدستور بعد مشاورات واسعة مع كل القوى السياسية التى ناضلت وقدمت التضحيات فى معركة إسقاط النظام. نعتقد بضرورة التنازلات المتبادلة والحوار البناء من أجل بناء جسور الثقة والتعاون بين الأطراف الموقعة على الميثاق، ونسجل تحفظاتنا تجاه إجماع يستوعب المؤتمر الشعبى لشكوكنا العميقة فى إمكانية التوصل الى إتفاق حد ادنى معه دون المساس بالمبادىء التى تنهض عليها الديمقراطية أصلا، كما نتحفظ وكثيرا على أى إمكانية واقعية فى تطبيق مبدأ العدالة والمحاسبة فى ظل وجود الترابى وحزبه على رأس السلطة الإنتقالية، ونعتقد ان وجود هذا الحزب فى جسد العمل المعارض شيئا ضارا بمصداقيته، ومن الأفضل تركه خارج إطار المعارضة، إذ ولن يمنعه ذلك من البقاء وتصفية حساباته المؤجلة مع غريمه فى السلطة .
نعتقد أن الميثاق به العديد من الثقوب ولكن ذلك لا يمنع من الإحتفاء به ونقده فى إتجاه الأصلاح الديمقراطى من أجل تفعيله، ولكن تبقى بعض الملاحظات التى تحتاج الى إجراءات عاجلة ويمكن إجمالها فى ضرورة تمثيل أكبر للشباب والنساء والشخصيات والمنظمات المستقلة التى ترغب فى ذلك ، بدلا عن التمثيل الانتقائى الحالى مع كامل إحترامنا للشخصيات الوطنية الناشطة فيه حتى الآن، والحرص على تمثيل تلك القوى ليس على مستوى القواعد، بل فى أعلى الهيئات القيادية، وهذه التدابير تعتبر مهمة حتى لا نكرر تجربة التجمع الفاشلة وعزلته الجماهيرية. كما لاحظنا فى الميثاق عبارة التأكيد على مبدأ العدالة والمحاسبة بما يتفق مع السياق السودانى، ونرى أن الصياغة غير موفقة لأنها توحى برفض االتعامل مع المحكمة الجنائية الدولية، الشىء الذى قد يتناقض مع إعلان الفجر الجديد إلتزامه بالمواثيق الدولية لأن الجنائية تجسد التطور القانونى والأخلاقى الذى توصلت اليه البشرية حتى الآن. كذلك نعيب على الميثاق إشتراطه التوقيع على الميثاق للمشاركة فى السلطة الإنتقالية، وهو إتجاه يعبر عن وصاية يجب تجاوزها بتعديل الفقرة لتشترط النضال الفعال لمشاركة الكيانات السياسية والافراد فى إسقاط السلطة، بدلا عن إشتراط مجرد التوقيع، وهو إجراء يضع فى إعتباره توازنات القوى لحظة إسقاط النظام. على أن أهم ما يجب الإلتفات إليه على الإطلاق، هو غياب تحديد نسب متفق عليها فى السلطة الإنتقالية لحظة إسقاط النظام، والحرص على تفاديه فى الميثاق الحالى ، ونؤكد بدورنا على أهمية مواجهة ذلك منذ الآن مع مراعاة تمثيل الجبهة الثورية تمثيلا جيدا، ومراعاة التوازن الإقليمى إضافة الى مشاركة المرأة فى الإختيار ، والأخيرة وردت فى الميثاق نوردها من باب التاكيد على أهميتها. نحن نفهم أن القضايا التى تتسم بالدينامية مثل الثورات من الصعب التنظير لها أو الإتفاق على نتائجها، ولكن من المفهوم لدينا كذلك أن بعض المبادىء الأساسية يجب أن تصاغ من أجل إلهام وتحفيز القوى المؤثرة والفعالة فى التغيير ومن أجل إلزام الجهات المنخرطة فى عملية التغيير ببعض الأطر التى يجب ألا تخرج عليها. ومن هنا يجب ان تأتى المبادىء التى يهتدى عليها الميثاق من العمومية بحيث تستوعب المستجدات التى قد تصاحب التغييرات المصاحبة لطريقة إسقاط النظام. أو على الاقل تستوعب أكثرها أهمية وحسما. وإذا كان ذلك ينطبق على المبادىء العامة فإنه ينطبق من باب أولى على الإتفاقيات المحددة . وهو أمر نعتقد أنه لم يتوفر مطلقا لهذا الإتفاق فيما يخص القوى التى سيكون من حقها تكوين السلطة الإنتقالية، وتسيير البلاد بعد إسقاط النظام بطريقة تضمن عدم تكرار التجارب الفاشلة السابقة.
لنترك الباب مفتوحا لخصائص الوضع الجماهيرى فى صبيحة الإنتصار معبرين تعبيرا مؤسسيا عن تواضعنا إزاء شعبنا المعروف بباعه الطويل فى الخلق والإبتكار.
نشيد بروح الميثاق ونهيب بجماهير شعبنا على إختلاف مشاربها بدعمه ومساندته والإلتفاف حول القوى التى تبنته وإلتزمت به، ونناشد القوى السياسية المبادرة بالعمل على بناء جسور الثقة والتعاون مع الجماهير وفتح كل المنافذ التى تمكنهم من المشاركة فى تحرير بلادهم. وفى ذكرى إستقلال السودان نستعيد كل معانى الصمود والجسارة والتضحيات ونستمد منها العزم وشحذ الهمم من أجل حياة أفضل وغد مشرق.
حركة القوى الجديدة الديمقراطية (حق)
المجلس القيادى فى 9 يناير 2013