“ميناء عصب”… ذاكرة الماء المثقلة بالضغائن

رياح القرن الإفريقي استرجعت ماضيها وعادت إلى الهبوب بعنف، كأنها تأبى أن تذعن للهدوء أو تسمح للسلام بأن يترسّخ في تربة مثقلة بالدم والضغائن.
فمرة أخرى، تلوّح الحرب من خلف ستار الكلمات، حين قرر الرئيس الإريتري أسياس أفورقي أن يخرج من صمته، لا ليُبشّر بانفراجة، بل ليذكّر جاره الإثيوبي، بلغة العسكر والحدود، أن للبحر أبواباً لا تُفتح بالاشتهاء.
جاءت كلمات أفورقي، في مقابلة بثّها تلفزيون بلاده، شبيهة بصيحات الإنذار القديمة التي اعتادت هذه المنطقة أن تطلقها كلما اقتربت من هاوية جديدة. هدّد، حذّر، واستنكر الطموح الإثيوبي في الوصول إلى البحر الأحمر، واصفاً إياه بـ”المتهوّر”. قال إن من يعتقد بإغراق إريتريا بـ”هجمات بشرية” إنما يركض نحو الوهم، متناسياً أن بلاده، هي الأخرى، أرض متصدّعة بالتوترات الداخلية، وعاجزة عن عزل نفسها عن حرائق الجوار.
لكن المشهد لا يكتمل دون قراءة خلف الكلمات، إذ تأتي نبرات أفورقي الحادّة متزامنة مع إعلان إثيوبيا عن إنهاء الأعمال في سدّ النهضة، واستعدادها لتدشينه رسمياً، وهي الخطوة التي تلقفتها القاهرة بوصفها استفزازاً مباشراً، لا يُمكن أن يُفهم خارج إطار الاستعلاء على الحقوق المائية التاريخية لمصر والسودان. فهل أراد أفورقي أن يُعيد رسم المشهد بحدّ السكين، مدفوعاً بتحالفات إقليمية تُشجّع على إرباك إثيوبيا؟ أم أنه يحاول فقط العودة إلى صدارة المشهد، بعدما بهت حضوره في السنوات الأخيرة؟
الرئيس الإريتري، الذي سبق أن صافح آبي أحمد في مشهد بدا يومها مؤثراً ومبشراً بانتهاء عُقد الماضي، يبدو اليوم وكأنه يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. لكن هل يستطيع فعلاً إشعال جبهة نائمة؟ المراقبون يشككون. يقولون إن الزمن ليس زمن الحروب، ولا المصلحة في تفجير المواجهات، خصوصاً مع اقتصاد إريتري عليل، ومجتمعٍ شابٍ منهك بين المنافي والثكنات.
في المقابل، تتسارع الخطى في أديس أبابا نحو البحر. فالحكومة الإثيوبية لم تُخفِ يوماً أن غياب منفذ بحري يُشكّل اختناقاً وجودياً لها. ومع تعثر اتفاقها مع “أرض الصومال”، ورفض مقديشو لهذا التفاهم، والتدخل المصري والتركي لتقريب وجهات النظر، أصبحت إثيوبيا في مأزق دبلوماسي جديد. مذكرة التفاهم جُمّدت، والمفاوضات جارية، لكن الطموح لم يخفت.
تأتي تصريحات أفورقي متناغمة مع الخطاب المصري، الذي أكّد فيه الرئيس عبدالفتاح السيسي، مؤخراً، أن مياه النيل “قضية أمن قومي”. مصر، التي تقرأ كل ما يجري في القرن الإفريقي بعدسة سد النهضة، لا تُخفي قلقها من توسّع الدور الإثيوبي، وتجد في أفورقي حليفاً وإن كان متقلّباً، يرفع الصوت حين تهدأ الضوضاء.
واشنطن دخلت، هي الأخرى، على الخط، في محاولة لاستعادة دور الوسيط الغائب. وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحل سريع لأزمة السد، وعبّر عن تقديره لمصر ومطالبها. وبينما تتحرك السياسة في العواصم، يتصاعد التوتر في الظلال، وتبقى الحقيقة الوحيدة أن هذه المنطقة تعيش على حافة الغليان، وكلما بدا أن النار خمدت، اشتعل الرماد من جديد.
أما أفورقي، فلا يريد أن يُفهم صمته السابق ضعفاً، ولا أن يُقرأ صوته اليوم إلا بوصفه إنذاراً. يتذكّر الجميع كيف اشتعلت الحرب بين إثيوبيا وإريتريا في 1998، وظلت نارها مشتعلة حتى 2000، ثم خمدت باتفاق 2018، قبل أن تعود الصراعات في تيغراي، بدعم من أسمرة. كل ذلك ترك جراحاً لم تندمل، وأوجاعاً لم يُعتذر عنها.
ميناء عصب، الذي كان يوماً شرياناً حيوياً لأديس أبابا، لا يزال نقطة حسّاسة في الذاكرة الجيوسياسية. وقد أعلن آبي أحمد مراراً أن المنفذ البحري “ليس ترفاً بل ضرورة”، ما اعتُبر في أسمرة تلميحاً صريحاً للعودة إلى صراع قديم بلغة جديدة.
في مايو الماضي، قال أفورقي إن طرح موضوع البحر الأحمر بهذه الطريقة ليس إلا ذريعة لإشعال المنطقة، محذراً من التلاعب بقضايا مثل المياه، التي باتت ـ كما النيران ـ تشعل حدوداً وتفتح جبهات.
في العمق، لا تكمن الأزمة فقط في الماء أو الموانئ، بل في سؤال كبير عمن يملك الحق في السيطرة، ومن له القدرة على تشكيل الجغرافيا بالقرار، ومن سيُكتب له البقاء حين تعود الخريطة إلى وضع اليد.

nizarsamandal94@gmail.com

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …