نتنياهو ولعبة الموت..تحليل من منظور نظرية ال MAD

من حيث يدري العالمُ أو لا يدري فقد نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أن يجره للهاوية بالحرب التي شنها ضد إيران دون أن يكون له أفق واضح منها. فالدافع الأساسي الذي طرحه هو وقف برنامج إيران النووي ، وتدمير بنية مفاعلاتها النووية.
بضؤ أخضر من إدارة ترمب شن الحرب بمباغتة إيران وإختراقها في العديد من الجبهات إستخبراتياً بإغتيال نخبة من قادتها العسكريين وعلمائها النوويين.
تُعتبر خطوة شن الحرب تهوراً بكافة المقاييس، فهو ليس أكثر دهاءاً ولا خبرةً من الأمريكان – إبان إدارة أوباما- ولا الأوربيون الذين لم يرغبوا في رؤية ان تكون إيران قوة نووية. بيد أنهم لم يتجهوا نحو خيار الحرب لسبب بسيط وبديهي.. وهو أن وقف وتفكيك أي برنامج نووي هو عملية فنية و سياسية معقدة وليس عسكريةً بأي حال… فإمتلاك القدرة النووية يبدأ عادة بالمعرفة التقنية للأمر
(Tech know – how)
وهذه المعرفة عادة لا تُحارب، وإنما يتم السيطرة والتحكم فيها بطرقىفنية وبمعرفة منظمة الطاقة النووية… فاليابان على سبيل المثال ليست جزءاً من النادي النووي، لكنها في واقع الأمر تمتلك المعرفة اللازمة للدخول في هذا النادي متى ما شاءت، والأمر ينطبق على كثيرٍ من دول العالم المتقدم التي تمتلك تلك المعرفة التقنية بالأمر. لذلك فإن عملية التدخل العسكري في هذا المنحى فوق أنها غير منطقية، فهي تنطوي على مخاطر عالية، ليس فقط للدولة المراد تفكيك قدراتها، وإنما حتى على جيرانها. ذلك لأن الخيار العسكري سيخلف حتماً نوعاً من المخاطر النووية لا يمكن التنبؤ بما قد تخلفه من آثار تدميرية، على منطقة جغرافية مكتظة بالدول كما في الحالة الإيرانية وقد لا تنجو إسرائيل نفسها من عواقبها الكارثية.
في خطابه الذي يشبه خطاب الفشل في العملية العسكرية دعى نتنياهو الشعب الإيراني للثورة على النظام في بلدهم، بإعتبار أنه قد خلخل لهم بنيته بضربه المفاجئ. وهذه نقطة تثير الشفقة عليه وتؤكد أنه لم يحسب حساباته بدقة. فالمعروف في مخيلة أي مواطن إيراني أن نتنياهو لا يتمتع بالأهلية الأخلاقية والمشروعية القيمية التي يمكن أن تسمح له بالمساهمة في تغيير الأنظمة بالمنطقة مهما كانت درجة تخلفها أو ديكتاتوريتها، فنتنياهو في المخيلة العامة لسائر مواطني المنطقة عبارة عن قاتل ومجرم حرب ومطلوب للعدالة الدولية، ولا يمكن لأي كيانات سياسية معارضة مهما كانت درجة وضاعتها أو تواطؤها أن تبني على ما أسسه.
على عموم الأمر، وبالعودة للمشروع النووي الإيراني، الواضح أن نتنياهو لم يعرف بالضبط حجم المقدرات الإيرانية في هذا الصدد. و هل لديها سلاح نووي بالفعل؟ أم لها قدرات؟؟ والفرق كبير بين الإثنين. فإذا كان ينوي التخلص من ترسانة سلاح نووي، فالحرب والمواجهة العسكرية ليست خياراً مقبولاً ولا منطقياً. لأن مخاطرها عالية وغير مقبولة هذا فضلاً عما تحدده مستويات توازن الردع الإستراتيجي بين قوى تمتلك أسلحة نووية. والمعروف عن إسرائيل أنها دولة نووية “غير معلنة” وهي تريد أن تكون كذلك في هذا الجزء من العالم لتظل تفرض نوعاً من التوازن المرعب في محيط هي ليست غريبة عليه فحسب، وإنما هي “مستزرعة” فيه بفعل القوى العظمى (الغرب الأوربي وأمريكا).
فإذا كانت إسرائيل كدولة نووية تريد أن تنازل عسكرياً دولة نووية أخرى كإيران (بفرض أن إيران تمتلك سلاحاً نووياً ) فهذا أمر لا يقره منطق العلاقات الدولية، خاصة في المواجهات النووية. فتجربة الحرب الباردة تظل خير شاهد على هذا التوجه. فالدول النووية كانت تُدرك مخاطر مثل هذه المواجهات فيما يعرف بنظرية MAD التي وفرت وعلى مدار سني الحرب الباردة وما أعقبها نوعاً من الرشد والعقلانية في التعامل مع خطر الأسلحة النووية. فالقادة السياسيون كانوا يدركون المخاطر الكارثية المترتبة على أي مجابهة نووية. فالنظرية من مدلول إسمها تؤكد إستحالة أن يفوز أي طرف نووي بحرب ضد خصم نووي آخر. فإسم النظرية كاملاً Mutually Ashured Destruction وهو (الدمار المؤكد المتبادل ) الذي سيكون بالطبع نتيجة حتمية لأي مواجهة نووية… لذلك جنحت الدول النووية للإنخراط في سلسة من التفاهمات والإتفاقات كانت آخرها تطوراً إتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية NPT
Non – Proliferation Treaty
وهي الإتفاقية التي لم تعبأ بها إسرائيل.
يجدر بالتحليل هنا أن يتوقف عند نقطتين مهمتين أُولاهما أن ” مجازفة” نتنياهو بالدخول في هذه المغامرة الخطيرة قد أغفل طبيعة التركيبة الإجتماعية والنفسية لمواطني بلده. وهي تركيبة كما تم وصفها سابقاً أنها ” مستزرعة” أي أنها غير متسقة بالمنطق المعروف في بناء الدول، بمعنى أن التركيبة الإجتماعية لكيان دولة إسرائيل غير قائمة على الولاء القومي، فهي مؤلفة من شتات عناصر متنافرة من جماعات يهودية قادمة من مناطق متفرقة ليس بينها لحمة وطنية (أشكناز، وسفرديم ومزراحيم وغيرهم ) التي تطلعت لإيجاد وطناً لهم بعد طول شتات وتيه. أما التركيبة النفسية فقد تكفّل القرآنُ الكريم بشرحها بل وفضحها وهي نفسية على أسماها الحرص على (حياة) دون تعريفها بالألف واللام. وهنا يمكن إستخلاص معادلة بسيطة وهي لو تُرك للإسرائيليين الخيار بالبقاء في ظل واقع حرب تُدك فيه المدن التي يستوطنونها لما توانوا بالفرار للنجاة بأنفسهم حرصاً على (حياة) دون أن يكون لهم إلتزام وطني بالدفاع عن وطنهم المزعوم. لذلك فإن واقع إسرائيل الداخلي لا يمتلك القدرة على الصمود في مواجهة حرب مفتوحة بهذا القدر من القوة التدميرية والشراسة.
النقطة الثانية والأهم في سياق نظرية MAD وهي توازن القوى في الإقليم والشعور بالأخوّة والآصرة الإسلامية الذي أكدته وبلا مواربة موقف دولة عضو في النادي النووي وهي دولة باكستان. التي أكدت أنها تقف في خندق واحد مع إيران. فإذا ثبت بالفعل أن إيران لا تمتلك سلاحاً نووياً، فمن المؤكد الآن أن لديها حليفاً إستراتيجياً يمتلك ترسانة نووية يمكن أن تجعل نظرية MAD واقعاً عملياً يردع إسرائيل أو أي دولة أخرى من المضي قدماً في تدمير إيران.

wadrajab222@gmail.com

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد

د. محمد عبد الحميد

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …