مختار العوض موسى
عند خروج الدول من الحروب، لا تقتصر مهمة إعادة البناء على ترميم الجسور والطرق والمباني؛ بل تتجاوز ذلك إلى مهمة أعمق وأكثر تعقيداً هي إعادة بناء الوعي العام؛ من خلال الإعلام بوصفه أحد أهم الفاعلين في تشكيل هذا الوعي وتوجيهه الوجهة السليمة.
فالكلمة بعد الحروب ليست مجرد رأي عابر؛ إنها قوة اجتماعية قادرة إما على تضميد الجراح أو على فتحها من جديد؛ ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه السودانيون اليوم ليس فقط: ما الإعلام الذي نريده؟ بل: أي دور حضاري ينبغي أن يؤديه الإعلام في مرحلة إعادة بناء الدولة؟
أثبتت تجارب عديدة في العالم أن الإعلام يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في مصير المجتمعات الخارجة من النزاعات؛ ففي بعض الحالات تحوّل الإعلام إلى منصة للتحريض وتأجيج الكراهية، كما حدث خلال الإبادة الجماعية في رواندا، حيث لعبت بعض الإذاعات دوراً خطيراً في دفع المجتمع نحو هاوية العنف؛ وفي المقابل، نجحت تجارب أخرى في تحويل الإعلام إلى أداة للمصالحة الوطنية وبناء الوعي بعد الحروب.
ونحن في السودان اليوم في أمس الحاجة إلى إعلام مختلف؛ إعلام يبني لا يهدم؛ إعلام يرشد لا يضلل؛ إعلام يدرك أن مسؤوليته التاريخية لا تقل أهمية عن مسؤولية المؤسسات السياسية أو العسكرية أو الاجتماعية؛ إعلام وطني لا إعلام تعبئة ودعاية، إعلام ينطلق من مصلحة الوطن العليا؛ يحافظ على وحدة الدولة، ويرفض خطاب الكراهية، ويبتعد عن تغذية الانقسامات القبلية أو الجهوية التي كانت أحد عوامل هشاشة الدولة السودانية عبر عقود من الزمن.
الإعلام الذي نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى هو إعلام يعزز فكرة الوطن الواحد المشترك، ويذكّر السودانيين بأن اختلافاتهم الطبيعية يجب أن تظل داخل إطار الانتماء الوطني لا خارجه.
نحتاج إلى إعلام أخلاقي؛ قبل أن يكون تقنياً في عصر التكنولوجيا الرقمية؛ وقبل أن يكون تطوره يقاس بسرعة نقل الخبر أو بانتشار المنصات، لا بد أن ندرك أن الأخلاق هي جوهر العمل الإعلامي؛ فإذا افتقد للضوابط الأخلاقية يمكن أن يتحول بسهولة إلى أداة للتضليل أو التحريض؛ ويؤدي بذلك إلى نشر الفوضى. ولذلك فإن الإعلام الذي نحتاجه ينبغي أن يقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية، أهمها احترام الحقيقة، وصون كرامة الإنسان، وتجنب نشر الشائعات أو الأخبار غير الموثقة وأن يكون هدفه خدمة الوطن لا تدميره؛ وأن يكون
إعلاما معرفيا لا انفعاليا؛ حيث ثبت أن واحدة من أكبر مشكلات الإعلام في أزمنة الأزمات هي هيمنة الخطاب الانفعالي الذي يكتفي بإثارة العاطفة دون أن يقدم فهماً حقيقياً للأحداث؛ فالمجتمعات الخارجة من الحروب تحتاج إلى إعلام يساعدها على الفهم لا الانفعال؛ إعلام يشرح السياقات التاريخية والسياسية للأحداث، ويقدم تحليلات رصينة تسهم في رفع مستوى النقاش العام لاستيعاب كل قضايا خدمة الوطن؛
فالمجتمع الذي يفهم أزماته بعمق يكون أكثر قدرة على تجاوزها.
كما نحتاج إلى إعلام يبني المستقبل لا يكتفي بوصف الأزمة؛
إذا ظل أسيراً للأخبار اليومية، فإنه سيبقى يدور في دائرة الأزمة؛ ولا بد أن يفتح نقاشاً واسعاً حول المستقبل؛ ويكون منصة للحوار حول قضايا إعادة بناء الدولة وهي
الإصلاح السياسي، والتنمية الاقتصادية، وإصلاح التعليم، والعدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية.
وبهذا المفهوم يصبح الإعلام شريكاً أساسيا في صياغة مستقبل البلاد لا مجرد ناقل للأحداث.
وهنا نطرح سؤالا: كيف نبني إعلاماً منضبطاً أخلاقياً؟ وهذا لا يحدث تلقائياً؛ بل يحتاج إلى إرادة مجتمعية ومؤسسية؛ وصياغة ميثاق أخلاقي وطني للإعلام يحدد المبادئ التي ينبغي أن يلتزم بها الصحفيون والمؤسسات الإعلامية؛ ولعلنا نحتاج لتعزيز استقلال المؤسسات الإعلامية عن الاستقطاب السياسي، حتى لا تتحول إلى أدوات في صراعات القوى المختلفة.
إلى جانب ذلك، تبرز أهمية تأهيل الصحفيين معرفياً وأخلاقياً، لأن الإعلامي ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو في جوهر عمله صانع وعي عام.
وإذا نجح السودان في بناء إعلام مهني وأخلاقي، فإن هذا الإعلام يمكن أن يتحول إلى إحدى ركائز الدولة الحديثة؛ ويكون حارسا أمينا مسؤولا عن القيم الوطنية، ومنصة فاعلة للحوار بين مختلف مكونات المجتمع، وأداة لمكافحة الفساد، وجسراً للتواصل بين الدولة والمجتمع.
وبذلك يتحول الإعلام من مجرد مرآة تعكس الواقع إلى قوة فاعلة في تغييره نحو الأفضل.
وقد يتساءل السودانيون: هل نريد إعلاماً يعيش على صخب الصراع؟ أم إعلاماً يساعد المجتمع على تجاوزه وبناء المستقبل؟ فالسودان الذي يطمح إلى النهوض بعد هذه الحرب يحتاج إلى إعلام مختلف: إعلام تحكمه الأخلاق قبل المصالح، والحكمة قبل الانفعال، والمعرفة قبل الضجيج.
فالدول لا تُبنى بالقوة وحدها، بل تُبنى أيضاً بالكلمة الصادقة المسؤولة التي تحمي الوعي العام وتفتح الطريق نحو مستقبل أكثر استقراراً وعدلاً.
والله ثم الوطن من وراء القصد
mokhtaralawad@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم