زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
أودّ ابتداءً أن أؤكد أنني لست طرفًا مباشرًا في الحوار الفكري الدائر بين الأساتذة الأفاضل- الدكتور صديق الزيعلي، والأستاذ تاج السر بابو، والأخت الدكتورة ناهد محمد الحسن , غير أن المرور المتأمّل على هذه الكتابات يبعث على الفرح والاطمئنان
إذ يكشف أن الساحة الفكرية السودانية ما تزال حيّة، وقادرة على إنتاج نقاشات جديدة، تنبض بالحِصافة والعمق، وتتجاوز ضجيج اللحظة السياسية , ومن هذا الموقع، لا بوصفه اصطفافًا ولا ردًّا سجاليًا، تأتي هذه القراءة بوصفها محاولة للتفكير مع
ما طرحه الدكتور صديق الزيعلي، لا التفكير ضدّه
لا يقتصر النقد الذي يطرحه الأستاذ صديق الزيعلي على حدود السجال السياسي الضيق، بل يتعدّاه ليمسّ لبّ إشكالية فلسفية عميقة تتعلّق بهيكلية الفكر الماركسي في السياق السوداني، وهي إشكالية التصادم بين أنطولوجيا سياسية حيّة، تتغذّى من تعقيد الواقع
ودوغمائية منهجية جامدة تتعامل مع التاريخ بوصفه مسارًا محكومًا بقوانين مكتملة سلفًا
هذه الإشكالية، في حقيقتها، لا تنحصر في التجربة السودانية وحدها، بل تشكّل مأزقًا بنيويًا رافق اليسار العربي في أكثر من سياق، وهو ما يمنح قراءة الزيعلي أفقًا يتجاوز المحلي، ويضعها ضمن تقليد نقدي عربي ممتد
أولاً فجوة الكليّة وصنمية الاقتصاد
يقدّم الزيعلي نقدًا فلسفيًا جوهريًا لمفهوم “الحتمية الاقتصادية” كما تجلّى في التطبيق المحلي. ففي حين سعت الماركسية الكلاسيكية إلى بناء تفسير “كلي” للتاريخ عبر العامل الاقتصادي، يكشف الواقع السوداني حدود هذا الاختزال، حين يتحوّل إلى
ما يشبه العمى المعرفي تجاه تعقيدات الوجود الإنساني. فاختزال قضايا الهوية، والانتماء الإثني، والدين، والنسق الجندري، في إطار التفاوت المادي المجرّد، يفصل النظرية عن الحياة المعاشة
هذا المأزق ذاته سبق أن تنبّه إليه مفكّرون يساريون عرب، من بينهم صادق جلال العظم، الذي رأى أن أزمة اليسار لا تكمن في الماركسية بوصفها أداة تحليل، بل في تحوّلها إلى منظومة اعتقادية تُقدّس النص وتُهمل الواقع، فتُختزل الذات الإنسانية
إلى كائن اقتصادي، وتُفرَّغ التجربة التاريخية من أبعادها الثقافية والرمزية. وهنا يتقاطع نقد الزيعلي مع هذا المسار، بوصفه دعوة إلى استعادة الإنسان كذات تاريخية وثقافية، لا كوظيفة إنتاجية فحسب
ثانياً مفارقة “العلمية” وفراغ نظرية الدولة
يلفت الزيعلي الانتباه إلى تناقض جوهري في الخطاب الماركسي السائد: كيف يمكن لمنهج يدّعي “العلمية” والقدرة على التنبؤ بحركة التاريخ، أن يعجز عن تقديم نظرية متماسكة للدولة بوصفها البنية الأكثر تعقيدًا في تجسيد السلطة؟
إن ادّعاء امتلاك قوانين حتمية للتاريخ، مع القصور عن فهم الدولة في تشكّلاتها التاريخية والاجتماعية والثقافية، يجعل من النظرية أقرب إلى خريطة دقيقة لمدينة وهمية
هذا السؤال ليس جديدًا في الفكر العربي. فقد نبّه عبد الله العروي إلى خطورة تحوّل الماركسية، في سياقها العربي، إلى ما يشبه “لاهوتًا تاريخيًا” يمنح التاريخ طابعًا قدريًا، ويُفرغه من طابعه الصراعي المفتوح
وعند هذه النقطة، يصبح غياب نظرية الدولة ليس مجرد نقص تقني، بل دليلًا على أزمة أعمق في فهم السلطة بوصفها علاقة اجتماعية وثقافية، لا مجرد انعكاس مباشر للبنية الاقتصادية
ثالثاً غرامشي… الجسر التحويلي لا الذريعة التبريرية
في تناوله لمفهوم “الهيمنة الثقافية” عند أنطونيو غرامشي، يرفض الزيعلي توظيف هذا المفهوم بوصفه أداة تبريرية لإعادة إنتاج الجمود أو لتوسيع الاقتصادوية بأدوات لغوية جديدة. فغرامشي لم يكن بصدد إضافة ملحق ثقافي للاقتصاد
بل كان يؤسّس لفهم الثورة بوصفها فعلًا ثقافيًا وتربويًا طويل النفس، يتشكّل في الوعي واللغة والمؤسسات، قبل أن يتجسّد في التحوّلات المادية
هنا، يمكن قراءة نقد الزيعلي بوصفه امتدادًا لروح “الماركسية النقدية” التي ترى أن الوعي والثقافة ليسا انعكاسًا ميكانيكيًا للاقتصاد، بل قوّتين فاعلتين في تشكيل التاريخ. وهو تقاطع يضعه كذلك على تماس مع محاولات مفكّرين مثل مهدي عامل
الذي سعى إلى بناء مقاربة نظرية للدولة، وإن ظلّ في كثير من الأحيان أسير التفسير البنيوي الصارم، ما كشف حدود المقاربة الطبقية الخالصة حين تُعزل عن السياقات الثقافية والرمزية
رابعاً الحزب المُتعلِّم والقطيعة مع فلسفة الوصاية
تبلغ رؤية الزيعلي ذروتها الفلسفية عند استحضاره لوثيقة عبد الخالق محجوب (1963)، حيث يتجلّى الانتقال من منطق الوصاية إلى منطق الحوار. فالتحذير من تحوّل الحزب إلى جهاز بيروقراطي مغلق هو، في جوهره، تحذير من الاغتراب المعرفي؛
حين تنفصل اللغة الحزبية عن واقع الناس، وتتحوّل إلى خطاب نخبوي مكتفٍ بذاته
في هذا السياق، تلتقي دعوة الزيعلي مع تحوّلات فكرية عرفها يساريون عرب مثل ياسين الحافظ، الذي انتقل من أفق الثورة العقائدية إلى مساءلة شروط الحداثة وبناء الدولة الوطنية، معتبرًا أن القطيعة مع الدوغمائية ليست ترفًا فكريًا،
بل شرطًا لأي مشروع تحرري قابل للحياة
نحو يقظة فكرية متجدّدة
تمثّل رؤية صديق الزيعلي دعوة ملحّة لليقظة الفكرية، لا بوصفها هدمًا للتراث اليساري، بل بوصفها محاولة لتحريره من أقفاله العقائدية
إنها دعوة للخروج من “كهف” النظريات المجرّدة إلى فضاء الواقع السوداني المتعدّد، حيث تتداخل العوامل الدينية والثقافية والإثنية في تشكّلات لا تستجيب لمنطق التفسير الأحادي
بهذا المعنى، لا تطرح هذه القراءة بديلًا جاهزًا، بقدر ما تفتح أفقًا لإعادة التفكير في العلاقة بين النظرية والممارسة، وبين الفكر والواقع، وبين الماضي والمستقبل
وهي، في ذلك، إضاءة ضرورية في زمن كادت فيه الدوغمائية أن تُفرغ الفكر النقدي من روحه التحويلية.
*الهوامش والإحالات الفكرية
صادق جلال العظم: في نقده لتحوّل الماركسية العربية إلى منظومة اعتقادية مغلقة، خصوصًا في كتاباته حول العقلانية والنقد الإيديولوجي، حيث شدّد على أولوية الواقع على “قداسة النص”.
عبد الله العروي: مفهوم “اللاهوت التاريخي” كما ورد في أعماله حول الإيديولوجيا العربية المعاصرة، ونقده للقراءات القدرية للتاريخ.
أنطونيو غرامشي: مفهوم “الهيمنة الثقافية” كما ورد في دفاتر السجن، بوصفه انتقالًا من الاقتصادوية إلى الفعل الثقافي والتربوي.
مهدي عامل: مقاربته لبنية الدولة في المجتمعات العربية، وحدود التفسير البنيوي الطبقي الصارم في فهم تعقيدات السلطة.
عبد الخالق محجوب (1963): الوثيقة المرجعية حول الحزب الجماهيري والحوار الداخلي، بوصفها انتقالًا من الوصاية إلى التعلم من الجماهير.
ياسين الحافظ: تحوّلاته الفكرية من اليسار العقائدي إلى مساءلة شروط الحداثة وبناء الدولة الوطنية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم