كتب د. محمد عبد الحميد
أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
wadrajab222@gmail.com
بينما تطلق الجهات الحكومية ومعظم القطاعات الشعبية على التعدين في السودان وصف “التعدين الأهلي”، أصرّ بصفتي خبيراً في دراسات الكوارث بأن هذا النشاط، وإن بدا أهلياً من حيث ممارسته الواسعة، إلا أنه في الجوهر عشوائي. من حيث التوجه، والأدوات، وطرق الاستخراج، وتقاسم العوائد، فضلاً عن أثره البليغ على البيئة والصحة العامة والنسيج الاجتماعي.
وينبع اهتمامي الشخصي بهذا الموضوع من “سمنار” عقده معهد دراسات الكوارث واللاجئين – جامعة أفريقيا العالمية- في العام 2013 حول التعدين العشوائي في السودان، حيث كنتُ آنذاك ضمن السكرتارية التي نظمت ذلك السمنار وتابعت مخرجاته. ومنذ ذلك الوقت، ومعايشتي الأكاديمية تؤكد أن عمليات التعدين الحالية لا “تستدعي” المخاطر فحسب، وإنما تخلقها خلقاً.
هوس الثروة: الوجه الآخر للكارثة
لقد خلق التعدين العشوائي بالصورة “الأميبية” التي تكاثر بها حالة من هوس الثروة (Wealth Mania) غير مسبوقة، دفعت بآلاف الشباب وحتى الأطفال في بعض المناطق لترك التعليم والزراعة والحرف، مدفوعين بآمال الغني السريع. النتيجة كانت تفككاً اجتماعياً وانهياراً في منظومة القيم التي تقدّر العمل المنتظم. إننا أمام ممارسة “مرذولة بيئياً” وتحفها مخاطر متعددة منها إزهاق الأرواح بأمراض السحار السيليسي (كحة الذهب) والانهيارات، وتسمم الأجيال القادمة بالزئبق، وتدمير رأس المال الطبيعي الدائم (الزراعة) لصالح مورد ناضب، ومحركاً للنزاعات. وحتى يتجنب السودان تبعات هذه الكارثة، يجب إعادة النظر في عمليات التعدين وفقاً لمبدأين مهمين: الأول مستمد من إدارة الأعمال، والثاني من أدبيات إدارة الكوارث والتدخلات الإنسانية.
المبدأ الأول: خلق القيمة المشتركة ( Creating Shared Value CSV)
وهو المبدأ الذي طوره “مايكل بورتر” والذي يهدف لتحقيق الربح الاقتصادي من حل مشكلات المجتمع المحلي والمعروف اختصاراً بـ CSV، وهو ما من شأنه أن ينقل التعدين من العشوائية إلى التقنين عبر إنشاء “مراكز معالجة مركزية” متطورة ترفع نسبة الاستخلاص من 30% إلى 90% باستخدام تقنيات بديلة للزئبق كالسيانيد في حيز مغلق أو غيرها من “التقنيات الخضراء”.
هنا يصبح التقنين “مصلحة” للمعدن البسيط وليس “قيداً” عليه. فالشركة تربح من المعالجة، والمعدن يربح من زيادة الذهب، والبيئة تربح بمنع الزئبق. ولكي لا يتحول هذا الحل إلى وهم، يجب أن تُبنى هذه المراكز على شراكات واضحة (عامة-خاصة-مجتمعية) وتُدار بشفافية مطلقة، ربما عبر أنظمة رقمية لتتبع الذهب من المنجم إلى نقطة البيع، لقطع الطريق على الفساد واحتكار النخبة والتهريب.
التجربة الغانية في هذا الصدد تحمل دروساً مستفادة عظيمة حيث استطاعت غانا، ثاني أكبر منتج للذهب في أفريقيا، أن تواجه معضلة مماثلة لمعضلتنا. في التسعينيات، كان التعدين العشوائي (Galamsey) يدمر أنهارها ويسمم أطفالها. لكن بين عامي 2010 و2017، تبنت الحكومة الغانية استراتيجية مزدوجة: تقنين صارم مع بدائل اقتصادية. أنشأت مراكز معالجة مشتركة في 14 منطقة تعدينية، ودربت أكثر من 35,000 معدن على تقنيات خالية من الزئبق، وربطت العوائد ببرامج تنمية محلية مباشرة (مدارس، مستوصفات).
النتيجة؟ انخفضت معدلات التسمم بالزئبق بنسبة 60% في خمس سنوات، وارتفع الناتج الرسمي من التعدين الصغير بنسبة 120%. وفي جوارنا العربي، حاولت مصر تنظيم المنقبين عبر شركتها للثروة التعدينية، بينما نجحت تنزانيا نسبياً في الدمج عبر التعاونيات. الدرس الموحد واضح: التقنين يُعد استثماراً اقتصادياً ذكياً.
المبدأ الثاني: عدم إلحاق الضرر ( Do No Harm DNH)
وهو المبدأ الذي أرسته الباحثة ماري أندرسون في كتابها “النهوض من الرماد”، يتقاطع مع قول الرسول الكريم “لا ضرر ولا ضرار”. جدوى هذا المبدأ تكمن في كونه يضع “الخطوط الحمراء” التي تحول دون تحول التعدين إلى كارثة اجتماعية.
والتقنين هنا هو “سلوك”. بتطبيق (DNH)، حيث تُلزم كافة الأطراف بخرائط تعدينية صارمة تبتعد عن مجاري السيول، والمناطق الزراعية، ومناطق الرعي. ويجب أن يمتد هذا المبدأ ليشمل “عدم إلحاق الضرر بالمستقبل”، عبر برنامج وطني لإعادة تأهيل المناطق الملغمة والمُلوّثة، كجزء لا يتجزأ من أي ترخيص جديد. وتتمثل جدوى هذا المبدأ في كونه يمنع تسميم المياه الجوفية وعدم إثارة النزاعات القبلية حول ملكية الأراضي.
ويجدر القول هنا بأننا لسنا إزاء عملية تعدين “مستدام” (فالموارد ستنضب يوماً)، ولكننا نضمن تعديناً “مقنناً” لا يترك خلفه أرضاً ميتة أو مجتمعات ممزقة.
الرقابة الشعبية والمعدن كرائد أعمال
ولكي ننجح في هذين المبدأين نحتاج إلى مراقبة مجتمعية حقيقية. يجب إنشاء لجان أهلية في كل منطقة تعدينية، تُمنح صلاحيات الإبلاغ المباشر عن المخالفات، مع تطوير تطبيقات رقمية بسيطة تسمح للمواطنين بتوثيق الانتهاكات البيئية والإبلاغ عنها فوراً. فالتقنين بلا رقابة شعبية سيتحول حتماً إلى فساد حكومي جديد، حيث تُباع التراخيص لأعلى مزايد دون مراعاة للمعايير.
إن ميزة المبدأين أنهما يتعاملان مع المعدنين بوصفهم رواد أعمال (Entrepreneurs) يمتلكون روح المبادرة والمغامرة، لكن طاقاتهم تُهدر في العشوائية. لذلك، فإن أي استراتيجية حقيقية للتقنين يجب أن تتضمن:
برامج تأهيل مهني: تدريب المعدنين على تقنيات آمنة (كاستخدام جهاز Retort لاستعادة الزئبق، أو تقنيات الطرد المركزي).
الدمج الاقتصادي: تحويلهم من عمال موسميين إلى “شركاء” في التعاونيات التعدينية المُرخصة، مع ضمان حصص عادلة من الأرباح.
الحماية الاجتماعية: توفير تأمين صحي يغطي أمراض المهنة المتنوعة، من تسمم بالمعادن إلى إصابات العمل وأمراض الجهاز التنفسي، مع برامج محو أمية لأطفالهم لكسر دائرة الفقر.
إننا نتحدث عن تحويل المعدنين من “مخالفين” إلى “رأسمال بشري” في صناعة منظمة. فالتقنين لن ينجح أبداً ضد إرادة مئات الآلاف من البشر الذين يعتمدون على هذا القطاع الذي صار وسيلة رئيسية لكسب العيش.
لغة الأرقام: تكلفة العشوائية
هناك ملاحظة محزنة تتحدث عنها الأرقام، خلاصتها: ووفقاً لتقديرات البنك الدولي (2019)، يخسر السودان سنوياً ما بين 2-3 مليار دولار من عائدات الذهب المُهرَّب عبر القنوات غير الرسمية، وهو استنزاف مباشر للاحتياطي الأجنبي يساهم في انهيار العملة وزيادة التضخم. في المقابل، تُقدّر تكلفة إنشاء 50 مركز معالجة مركزي متطور (يغطي كل مناطق التعدين الرئيسية) بحوالي 200 مليون دولار فقط كاستثمار أولي.
أما تكلفة معالجة التلوث الزئبقي لاحقاً؟ دراسة لمنظمة الصحة العالمية (2021) أشارت إلى أن معالجة حالة واحدة من التسمم المزمن بالزئبق تكلف نظام الصحة حوالي 3,000-5,000 دولار سنوياً. مع وجود أكثر من 300,000 معدن معرضين لخطر الزئبق، فإننا نتحدث عن فاتورة صحية مستقبلية لتسمم الزئبق وعلاج أمراض الرئة قد تتجاوز مليار دولار سنوياً.
السؤال الحقيقي: هل نستثمر اليوم 200 مليون لنوفر غداً مليارات، أم ننتظر حتى تصبح الكارثة أغلى من أن نعالجها؟
من اللون الأصفر إلى اللون الأخضر
إن الانتقال نحو “الذهب الأخضر” لا يعني أننا سنغير طبيعة المعدن، وإنما سنغير “طريقة الوصول إليه”. التعدين المقنن يعني:
الرقابة التقنية: استبدال المواد الكيميائية القاتلة بدورات استخلاص مغلقة وآمنة.
الحوكمة المالية: تحويل عوائد الذهب من اقتصاد الظل والتهريب إلى قنوات رسمية تساهم في التنمية المحلية.
المسؤولية البيئية: الإقرار بأن التعدين نشاط مؤقت، وبالتالي يجب أن يتضمن التقنين خطة خروج (Exit Plan) تضمن إعادة تأهيل المواقع بعد النضوب لتقليل الضرر الدائم.
خطوة أولى: مشروع تجريبي (Pilot Project) ذو حوكمة رصينة
الحديث عن الاستراتيجيات الكبرى مُلهم، لكن التغيير الحقيقي يبدأ بخطوة أولى ملموسة. أقترح إطلاق مشروع تجريبي في منطقة واحدة (مثل أبو حمد)، يتضمن:
إنشاء مركز معالجة مركزي واحد بمواصفات عالمية.
تسجيل 500 معدن كـ “مجموعة تجريبية” وتدريبهم لمدة 3 أشهر.
ربط 30% من عائدات المركز ببرامج تنمية محلية ملموسة (مدارس، مستوصفات، شبكات مياه… الخ).
توثيق النتائج (كمية الذهب، معدلات التلوث، الرضا المجتمعي) خلال سنة واحدة.
الشرط الحاسم هو أن يُرفق هذا المشروع بآلية حوكمة شفافة تشمل المجتمع المحلي والإعلام والجهات الرقابية، ليكون نموذجاً يُحتذى.
التكلفة: قد لا تتجاوز 5 مليون دولار. العائد المتوقع: نموذج قابل للتكرار في 50 منطقة أخرى، ودليل ملموس على جدوى التقنين يُسكت المتشككين ويُلهم المترددين.
خاتمة: سؤال مصيري – الذهب بكل الألوان
إن التعدين العشوائي في السودان هو “كارثة من صنع الإنسان”، والاستمرار في تجميله بمسميات “أهلية” هو نوع من التخدير للضمير الوطني. إننا بحاجة لشجاعة الاعتراف بأن هذا النشاط بوضعه الحالي هو ممارسة “مرذولة بيئياً”، وعلاجه ليس في المنع الأمني فقط، بل في تبني استراتيجيات (CSV) و(DNH) التي تضمن –على الأقل– أننا لن نترك للأجيال القادمة رماداً بدلاً من الأرض.
الذهب الحقيقي في الإنسان الذي نحميه من الضرر، وفي الأرض التي نصونها من العشوائية. الذهب الأصفر الذي نستخرجه اليوم بعشوائية، ندفع ثمنه غداً بذهب أحمر وقد دفعناه فعلاً (دماء في النزاعات)، وأسود وقد بدأنا بدفعه (تلوث يقتل الأرض)، وأبيض (أموال تهرب لشراء الأدوية).
يبقى السؤال الذي لا يحتمل التأجيل: هل سنستمر في بيع ذهبنا بثمن بخس ونشتري علاج أطفالنا من التسمم بثمن باهظ؟ إن تجربة التعدين العشوائي للذهب أثبتت أنها لعنة حقيقية علينا لأننا بالفعل تركناها للعشوائية فصار هذا المعدن “النفيس” يشتري السلاح بدل الدواء، ويرهن سيادة البلاد بدل أن يصونها، وعنصر شقاء للإنسان تشريداً ونزوحاً ولجوءاً ودماراً بيئياً.. وغائلة من غوائل الدهر نمرُ بها ونحن عنها غافلين.
د. محمد عبد الحميد
أستاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم