يوسف عيسى عبدالكريم
الموقع و جغرافيا الإقليم
يُعد إقليم شرق السودان واحداً من أكبر أقاليم البلاد من حيث المساحة الجغرافية، إذ تبلغ مساحته نحو 336,480 كيلومتراً مربعاً، وهي مساحة تعادل تقريباً مساحة دولة فنلندا، كما تفوق مساحة عدد من الدول مثل بولندا وماليزيا والنرويج وسلطنة عُمان وسوريا. بل إن مساحة الإقليم تتجاوز مجتمعةً مساحة دول مثل بلجيكا وهولندا وسويسرا والدنمارك، كما تزيد على المساحة الكلية للكوريتين الشمالية والجنوبية معاً، وفقاً لبيانات الشعبة الإحصائية بالأمم المتحدة.
أما من حيث السكان، فتشير أحدث التقديرات إلى أن عدد سكان الإقليم يبلغ حوالي ستة ملايين نسمة، بعد أن كان نحو 4.4 مليون نسمة في إحصاء عام 2008. ويمثل هذا العدد ما يقارب 12.5% من إجمالي سكان السودان بحسب تقديرات مجموعة البنك الدولي. كما أن تعداد سكان الإقليم يعادل تقريباً مجموع سكان دول مثل جيبوتي والبحرين وقطر، ويفوق عدد سكان دول مثل إريتريا والكويت والنرويج ونيوزيلندا، ويقترب من تعداد دول كالدنمارك وسنغافورة.
وتكشف هذه الأرقام والمؤشرات الإحصائية عن حجم الإمكانات البشرية والجغرافية الضخمة التي يمتلكها إقليم شرق السودان، وهي إمكانات كان يمكن توظيفها بصورة أفضل لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لسكان الإقليم وللسودان بأكمله.
ويكتسب الإقليم أهمية استراتيجية استثنائية لكونه المنفذ البحري الوحيد للسودان، إذ يمتد ساحله على البحر الأحمر لمسافة تقارب 800 كيلومتر وفقاً لبيانات هيئة الموانئ البحرية السودانية. ويمنح هذا الموقع الإقليم أهمية اقتصادية وجيوسياسية بالغة، خاصة وأن البحر الأحمر يُعد واحداً من أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.
كما يتميز شرق السودان بموقع جغرافي شديد الحساسية، إذ تحده من الشرق دولتا إريتريا وإثيوبيا، بينما تحده مصر من الشمال، وفي الجهة المقابلة من البحر الأحمر تقع المملكة العربية السعودية. وقد أسهم هذا الموقع في تعزيز الأهمية الجيوسياسية للإقليم، لكنه في الوقت نفسه جعله أكثر عرضة للتأثر بالتجاذبات الإقليمية وصراعات النفوذ بين دول الجوار، والتي كثيراً ما انعكست على الأوضاع السياسية والأمنية داخل الإقليم.
ولفهم طبيعة هذا التشابك الحدودي، لا بد من الإشارة إلى الامتدادات القبلية والاجتماعية العابرة للحدود. ففي المناطق الحدودية بين السودان ومصر، خاصة في حلايب وشلاتين وأبو رماد، تقطن قبائل البشاريين التي تُعد جزءاً من قومية البجا، وهم السكان الأصليون للإقليم. كما يشهد الشريط الحدودي بين السودان وإريتريا تداخلاً سكانياً واسعاً لقبائل البني عامر، التي تمتد تجمعاتها السكانية عبر الحدود بين ولاية كسلا وداخل الأراضي الإريترية.
أما في ولاية القضارف، فإن الحدود مع إثيوبيا تشكل بدورها منطقة تداخل إثني وقبلي معقد، تتعايش فيها مجموعات سكانية متعددة ذات امتدادات اجتماعية وثقافية متداخلة مع الداخل الإثيوبي.
وفي الجانب المقابل من البحر الأحمر، يظهر الامتداد التاريخي والاجتماعي مع شبه الجزيرة العربية من خلال قبيلة الرشايدة، التي هاجرت منذ قرون من الجزيرة العربية واستقرت في شرق السودان، قبل أن تصبح جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والديمغرافي للإقليم.
ومن ثم، فإن شرق السودان لا يمثل مجرد إقليم جغرافي واسع، بل يشكل فضاءً استراتيجياً معقداً تتداخل فيه العوامل السكانية والاقتصادية والقبلية والجيوسياسية، وهو ما يفسر جانباً كبيراً من حساسية الأوضاع السياسية والأمنية فيه، وأهمية استقراره بالنسبة للسودان والمنطقة بأسرها.
yousufeissa79@gmail.com
