نحو مبادرة وطنية: كيف يصنع الأكاديميون والمجتمع المدني السلام في السودان

محمد الأمين عبد النبي

في ذروة الحروب، تبدو المعركة وكأنها اختبار للقوة والسلاح، غير أن ما يغيب عن كثيرين هو أن السلام يمثل المعركة الأكثر تعقيداً، والأشد كلفة من حيث الفكر والقدرة على إدارة التناقضات. فالحرب، مهما طال أمدها، تُدار بمنطق الحسم أو الاستنزاف، بينما يُبنى السلام على تفكيك عميق لجذور الصراع، واستيعاب شبكة المصالح والهويات والهواجس التي تتجاوز سطح المواجهة.
إن صناعة السلام تتطلب أدوات معرفية دقيقة، وعقولاً أكاديمية قادرة على التحليل المركب، إلى جانب مجتمع مدني فاعل يمتلك القدرة على سبر أغوار المشهد، وطرح الأسئلة الصعبة التي غالباً ما يتم تأجيلها في زمن الحرب. فالإخفاق في بناء سلام حقيقي لا يعني سوى تأجيل الحرب وإعادة إنتاجها.
ولعل التجربة السودانية تُروى بوصفها قصة إخفاق دائم في مسارات السلام. ففي كواليس التفاوض؛ لم تدخل حكومة البشير معركة السلام بعقلٍ منفتح على احتمالات الاتفاق، وإنما بذهنية تمرير مواقفها كاملة، وكأن طاولة التفاوض مجرد امتداد لميدان الحرب، لا فضاءً لإعادة تعريف المصالح الوطنية.
فقد روى الدكتور غازي صلاح الدين في كتابه “عبقرية الإخفاق”، فإن تلك المرحلة كشفت كيف تحولت العملية التفاوضية إلى مسار طويل ومثقل بالتعقيدات مكمل للحرب، ويرجع ذلك لصعوبة القضايا وغياب الإرادة السياسية الحقيقية للبحث عن حلول. كانت المواقف تُطرح باعتبارها خطوطاً نهائية، فتعطلت فرص الاختراق، وتراكمت التفاصيل، واستُنزف الزمن. وبهذا المعنى، فشل نظام البشير في معركة السلام مع سبق الإصرار والترصد؛ إذ غابت الأجندة الوطنية الجامعة، وحضر فقط هاجس تثبيت السلطة، فاختلطت الأولويات، وتعقدت المسارات، حتى انتهت المفاوضات إلى ما يشبه الدوران في حلقة مفرغة، لولا تدخل بيوت الخبرة المحلية والدولية لإنتاج إتفاقية نيفاشا بكل عيوبها.
اليوم، ومع اشتداد المعارك وغياب أفق واضح للسلام، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً للاستعداد لمعركة السلام، كمسار يجب التفكير فيه بالتوازي مع الحرب. فهذه المرحلة تستدعي تدخل الأكاديميين، وخبراء التفاوض، وقادة المجتمع المدني، للإجابة عن تساؤلات جوهرية تتعلق بشكل الدولة، وطبيعة التوازنات، وضمانات الاستدامة، بدل الاكتفاء بالسعي نحو تسويات سلطوية قصيرة الأمد.
وفي ظل تعنت الأطراف، وغياب قنوات تواصل فعالة، وتراجع الرؤية الحقيقية لمعنى السلام، تبرز ضرورة إطلاق مبادرة وطنية جادة تعيد تعريف الأولويات، وتنقل النقاش من مربع الصراع على السلطة إلى أفق بناء سلام مستدام. فالمعركة القادمة لن تُحسم في ميادين القتال، بل في قدرة السودانيين على إنتاج تصور عقلاني وشجاع للسلام، قبل أن تفرضه جولة حرب جديدة بشروط أكثر قسوة.
في هذه الحظات، حين تبدو المعارك وكأنها تحسم المصير، تتوارى في الخلفية أسئلة أكثر تعقيداً من الحرب ذاتها. فبين اتساع رقعة القتال، وانهيار مؤسسات الدولة، وغياب قنوات الاتصال الرسمية، يتشكل فراغ سياسي ومعرفي خطير؛ فراغ ينبغي أن تملأه أنماط بديلة أقل ضجيجاً وأكثر قدرة على كسر الجمود.
ومهما طال أمد الحرب، فإن نهايتها تكون باتفاق سلام، ليصبح التحدي الحقيقي كامناً في كيفية وقف القتال وإدارة ما بعده؛ أي كيفية إعادة بناء علاقة سياسية ومجتمعية داخل دولة لم يعد أي من أطرافها قادراً على فرض استقرار مستدام بمفرده.
لقد أثبتت التجربة السودانية، منذ اندلاع الحرب، أن الرهان على الخارج بوصفه مساراً حصرياً للحل لم ينتج سوى جمود ممتد. فالمبادرات الدولية، رغم أهميتها، ظلت رهينة توازنات خارجية، وتناقضات أجندات، وافتقار إلى فهم دقيق لتعقيدات الداخل السوداني. وفي المقابل، ظل الداخل في حالة انتظار سلبي، يترقب لحظة دولية قد تتأخر، أو تأتي بشروط لا تعكس أولوياته.
في هذا السياق، تبرز أهمية المسار المدني كضرورة وطنية ملحّة لتفعيل قنوات غير رسمية، يقودها أكاديميون وباحثون ومراكز تفكير ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات عامة ذات مصداقية، بهدف خلق مساحات للحوار، وبناء الثقة، وتطوير تصورات للحل خارج القيود السياسية المباشرة. وتكمن أهمية هذا المسار في قدرته على تجاوز الاستقطاب الحاد بين الأطراف المتحاربة، وإعادة بناء الحد الأدنى من الثقة الاجتماعية، وإنتاج أفكار واقعية للحل تنبع من الداخل لا تُفرض عليه.
ذلك أن تعثر المسارات الرسمية يعود إلى غياب مركز قرار موحد داخل الأطراف المتحاربة، وانعدام الشرعية السياسية والمؤسسية، وارتباط بعض الفاعلين بحسابات عسكرية قصيرة المدى، فضلاً عن انفصال المبادرات الدولية عن البنية الاجتماعية والسياسية المحلية. وهذه العوامل مجتمعة تجعل أي مبادرة رسمية او خارجية قابلة للانهيار عند أول اختبار.
إن إطلاق مبادرة وطنية في هذه المرحلة مهمة لا تقبل التأجيل؛ فلا وقت لانتظار الأطراف المتحاربة لإنتاج مقاربة “ففاقد الشيء لا يعطيه” كما لا يمكن التعويل الحصري على الوسطاء الخارجيين. مبادرة قد لا تستهدف التفاوض المباشر، بقدر ما تركز على بناء بنية تحتية فكرية وسياسية للحل، عبر إنتاج رؤية وطنية مشتركة، وتحديد مبادئ أساسية لما بعد الحرب، لا سيما شكل الدولة، والعلاقة بين المركز والأطراف، وإصلاح القطاع الأمني، ومسارات العدالة الانتقالية.
كما تشمل خلق مساحات حوار آمنة من خلال لقاءات غير رسمية تضم ممثلين غير معلنين أو غير رسميين من مختلف الأطراف، بما يسمح بطرح أفكار دون كلفة سياسية فورية، وإعادة تعريف المصالح بنقل النقاش من سؤال “من ينتصر؟” إلى “كيف يمكن للجميع تجنب الانهيار الكامل؟”، فضلاً عن بناء شبكات ثقة طويلة الأمد، وهي العنصر الأكثر ندرة والأكثر أهمية، خصوصاً في سياق تفكك اجتماعي عميق.
تشير تجارب دولية عديدة إلى أن التحولات الكبرى لا تبدأ من طاولات التفاوض الرسمية، بل من مساحات غير رسمية تُختبر فيها الأفكار وتُبنى فيها العلاقات. وما يميز هذه المساحات هو المرونة، والقدرة على التراجع، وإمكانية إشراك أطراف لا يمكنها الظهور في العلن. وفي السودان، تزداد أهمية هذا النهج لأن القنوات الرسمية، فضلاً عن كونها معطلة، أصبحت جزءاً من الأزمة نفسها.
إن أخطر ما في الحالة السودانية اليوم ليس الحرب في حد ذاتها، بل الاعتياد عليها؛ إذ حين يتحول الصراع إلى وضع طبيعي، تتراجع الإرادة السياسية والمجتمعية لإيجاد مخرج. وهنا تحديداً تكمن أهمية التحرك الآن، لا بعد توقف القتال. فالمبادرات التي تُبنى في زمن الحرب، حتى لو بدت هامشية، هي التي تكون جاهزة عندما تنفتح نافذة الحل، أما انتظار نضوج الظروف فغالباً ما يكون وصفة لضياع الفرص.
وقد أثبتت التجربة السودانية نفسها أن المبادرات الوطنية قادرة على كسر الجمود حين تتعطل السياسة الرسمية؛ إذ شكّلت ورشة نقابة المحامين السودانيين، التي انعقدت في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021، نموذجاً عملياً على قدرة الفاعلين المدنيين على فتح مسار سياسي في لحظة انسداد كامل، حيث نجحت في جمع طيف واسع حول مشروع دستوري انتقالي، وأعادت تعريف النقاش من صراع على السلطة إلى بحث في أسس الشرعية وإعادة بناء الدولة. وهو ما يؤكد أن المبادرات المنبثقة من الداخل يمكن أن تؤدي دوراً تأسيسياً يتجاوز وزنها المؤسسي ويمهد فعليًا لأي عملية سياسية لاحقة.
ومن نافلة القول إن قضايا الحرب والسلام تتطلب إنتاجاً معرفياً يكشف ديناميكيات التنافس على الموارد، وتعقيدات الترتيبات الأمنية، وهشاشة المصالحات الاجتماعية. فالنزاع ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل منظومة متشابكة من الاختلالات التي تعيد إنتاج العنف كلما تُركت دون معالجة منهجية؛ فالعنف كالماء يبحث دائماً عن منفذ، سواء في أطراف الهشاشة أو في قلب المراكز الحضرية، ما يجعل تجاهل هذه الديناميكيات مدخلاً لانفجارات جديدة يصعب احتواؤها. وهنا يبرز الدور الحاسم للأكاديميين وقادة المجتمع المدني في تصميم مقاربات علمية للاحتواء والتصالح، تستند إلى تحليل دقيق لطبيعة النزاع وتوازناته، وتعيد توجيه الجهود نحو منع تفكك الدولة.
وفي هذا الإطار، يصبح التفكير في بناء إستراتيجية قومية جديدة للسلام مرهوناً بقدرة النخب على طرح الأسئلة الصحيحة قبل تقديم الإجابات: هل يُبنى السلام عبر توازن مدروس بين المسارين الداخلي والخارجي؟ ما القضايا التي ينبغي طرحها؟ من هم الفاعلون الحقيقيون الذين يجب إشراكهم؟ وهل يقتصر ذلك على من يمتلكون شرعية سياسية رسمية، أم يشمل أيضاً من يمتلكون تأثيراً اجتماعياً فعلياً؟ وكيف يمكن إعادة إدماج المتحاربين في مسار سياسي دون اختزال ذلك في معادلة أمنية صرفة؟ مثل هذه الأسئلة، حين تُطرح ضمن أطر بحثية ومجتمعية جادة، تتحول إلى أدوات لإعادة تعريف الأزمة وطرق حلها.
وعليه، فإن الدور الأعمق للأكاديميين وقيادات المجتمع المدني يكمن في قدرتهم على دمج المسارات المتعددة ضمن رؤية كلية واحدة، تتجاوز الانقسامات التقليدية بين الداخل والخارج، وبين الرسمي وغير الرسمي، وتعيد صياغة عملية السلام بوصفها عملية مركبة تتطلب تنسيقاً عالي المستوى بين مختلف الفاعلين. فبدون هذا الجهد التركيبي، تبقى فرص السلام رهينة التناقضات، أما حين يتوفر هذا الإطار، فإن تراكم المعرفة والخبرة يمكن أن يتحول إلى قوة دافعة تفتح الطريق نحو تسوية أكثر تماسكاً واستدامة.
ولا يمكن فهم أي أفق حقيقي للخروج من الأزمة السودانية دون التوقف عند الدور التأسيسي الذي لعبه الأكاديميون، وعلى رأسهم أساتذة الجامعات، في صياغة الرؤى السياسية ومقاربة جذور النزاع بعيداً عن الشعارات والتجاذبات. فقد مثّلت هذه النخبة، عبر عقود، العقل التحليلي الذي أنتج مفاهيم الدولة والانتقال والعدالة، وأسهم عبر دوائر الخبرة في بلورة عدد من المبادرات التي تحولت لاحقاً إلى مداخل فعلية لعمليات السلام، مثل وثيقة الدوحة ووثيقة هايدلبيرغ، وغيرها من المسارات التي لم تكن لتتبلور لولا التراكم المعرفي والبحثي الذي سبقها.
إن معركة السلام في السودان تُكسب بالإرادة السياسية وبقدرة العقول على إنتاج معرفة تقودها، وبشجاعة المجتمع المدني في فتح مسارات بديلة حين تنغلق الأبواب الرسمية. فحين تتعطل السياسة، يصبح التفكير المنظم هو خط الدفاع الأخير، وربما الفرصة الأولى لبناء سلام لا يعيد إنتاج الحرب، بل يضع حداً لها.

wdalamin_2000@hotmail.com

محمد الأمين عبد النبي

في ذروة الحروب، تبدو المعركة وكأنها اختبار للقوة والسلاح، غير أن ما يغيب عن كثيرين هو أن السلام يمثل المعركة الأكثر تعقيداً، والأشد كلفة من حيث الفكر والقدرة على إدارة التناقضات. فالحرب، مهما طال أمدها، تُدار بمنطق الحسم أو الاستنزاف، بينما يُبنى السلام على تفكيك عميق لجذور الصراع، واستيعاب شبكة المصالح والهويات والهواجس التي تتجاوز سطح المواجهة.
إن صناعة السلام تتطلب أدوات معرفية دقيقة، وعقولاً أكاديمية قادرة على التحليل المركب، إلى جانب مجتمع مدني فاعل يمتلك القدرة على سبر أغوار المشهد، وطرح الأسئلة الصعبة التي غالباً ما يتم تأجيلها في زمن الحرب. فالإخفاق في بناء سلام حقيقي لا يعني سوى تأجيل الحرب وإعادة إنتاجها.
ولعل التجربة السودانية تُروى بوصفها قصة إخفاق دائم في مسارات السلام. ففي كواليس التفاوض؛ لم تدخل حكومة البشير معركة السلام بعقلٍ منفتح على احتمالات الاتفاق، وإنما بذهنية تمرير مواقفها كاملة، وكأن طاولة التفاوض مجرد امتداد لميدان الحرب، لا فضاءً لإعادة تعريف المصالح الوطنية.
فقد روى الدكتور غازي صلاح الدين في كتابه “عبقرية الإخفاق”، فإن تلك المرحلة كشفت كيف تحولت العملية التفاوضية إلى مسار طويل ومثقل بالتعقيدات مكمل للحرب، ويرجع ذلك لصعوبة القضايا وغياب الإرادة السياسية الحقيقية للبحث عن حلول. كانت المواقف تُطرح باعتبارها خطوطاً نهائية، فتعطلت فرص الاختراق، وتراكمت التفاصيل، واستُنزف الزمن. وبهذا المعنى، فشل نظام البشير في معركة السلام مع سبق الإصرار والترصد؛ إذ غابت الأجندة الوطنية الجامعة، وحضر فقط هاجس تثبيت السلطة، فاختلطت الأولويات، وتعقدت المسارات، حتى انتهت المفاوضات إلى ما يشبه الدوران في حلقة مفرغة، لولا تدخل بيوت الخبرة المحلية والدولية لإنتاج إتفاقية نيفاشا بكل عيوبها.
اليوم، ومع اشتداد المعارك وغياب أفق واضح للسلام، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً للاستعداد لمعركة السلام، كمسار يجب التفكير فيه بالتوازي مع الحرب. فهذه المرحلة تستدعي تدخل الأكاديميين، وخبراء التفاوض، وقادة المجتمع المدني، للإجابة عن تساؤلات جوهرية تتعلق بشكل الدولة، وطبيعة التوازنات، وضمانات الاستدامة، بدل الاكتفاء بالسعي نحو تسويات سلطوية قصيرة الأمد.
وفي ظل تعنت الأطراف، وغياب قنوات تواصل فعالة، وتراجع الرؤية الحقيقية لمعنى السلام، تبرز ضرورة إطلاق مبادرة وطنية جادة تعيد تعريف الأولويات، وتنقل النقاش من مربع الصراع على السلطة إلى أفق بناء سلام مستدام. فالمعركة القادمة لن تُحسم في ميادين القتال، بل في قدرة السودانيين على إنتاج تصور عقلاني وشجاع للسلام، قبل أن تفرضه جولة حرب جديدة بشروط أكثر قسوة.
في هذه الحظات، حين تبدو المعارك وكأنها تحسم المصير، تتوارى في الخلفية أسئلة أكثر تعقيداً من الحرب ذاتها. فبين اتساع رقعة القتال، وانهيار مؤسسات الدولة، وغياب قنوات الاتصال الرسمية، يتشكل فراغ سياسي ومعرفي خطير؛ فراغ ينبغي أن تملأه أنماط بديلة أقل ضجيجاً وأكثر قدرة على كسر الجمود.
ومهما طال أمد الحرب، فإن نهايتها تكون باتفاق سلام، ليصبح التحدي الحقيقي كامناً في كيفية وقف القتال وإدارة ما بعده؛ أي كيفية إعادة بناء علاقة سياسية ومجتمعية داخل دولة لم يعد أي من أطرافها قادراً على فرض استقرار مستدام بمفرده.
لقد أثبتت التجربة السودانية، منذ اندلاع الحرب، أن الرهان على الخارج بوصفه مساراً حصرياً للحل لم ينتج سوى جمود ممتد. فالمبادرات الدولية، رغم أهميتها، ظلت رهينة توازنات خارجية، وتناقضات أجندات، وافتقار إلى فهم دقيق لتعقيدات الداخل السوداني. وفي المقابل، ظل الداخل في حالة انتظار سلبي، يترقب لحظة دولية قد تتأخر، أو تأتي بشروط لا تعكس أولوياته.
في هذا السياق، تبرز أهمية المسار المدني كضرورة وطنية ملحّة لتفعيل قنوات غير رسمية، يقودها أكاديميون وباحثون ومراكز تفكير ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات عامة ذات مصداقية، بهدف خلق مساحات للحوار، وبناء الثقة، وتطوير تصورات للحل خارج القيود السياسية المباشرة. وتكمن أهمية هذا المسار في قدرته على تجاوز الاستقطاب الحاد بين الأطراف المتحاربة، وإعادة بناء الحد الأدنى من الثقة الاجتماعية، وإنتاج أفكار واقعية للحل تنبع من الداخل لا تُفرض عليه.
ذلك أن تعثر المسارات الرسمية يعود إلى غياب مركز قرار موحد داخل الأطراف المتحاربة، وانعدام الشرعية السياسية والمؤسسية، وارتباط بعض الفاعلين بحسابات عسكرية قصيرة المدى، فضلاً عن انفصال المبادرات الدولية عن البنية الاجتماعية والسياسية المحلية. وهذه العوامل مجتمعة تجعل أي مبادرة رسمية او خارجية قابلة للانهيار عند أول اختبار.
إن إطلاق مبادرة وطنية في هذه المرحلة مهمة لا تقبل التأجيل؛ فلا وقت لانتظار الأطراف المتحاربة لإنتاج مقاربة “ففاقد الشيء لا يعطيه” كما لا يمكن التعويل الحصري على الوسطاء الخارجيين. مبادرة قد لا تستهدف التفاوض المباشر، بقدر ما تركز على بناء بنية تحتية فكرية وسياسية للحل، عبر إنتاج رؤية وطنية مشتركة، وتحديد مبادئ أساسية لما بعد الحرب، لا سيما شكل الدولة، والعلاقة بين المركز والأطراف، وإصلاح القطاع الأمني، ومسارات العدالة الانتقالية.
كما تشمل خلق مساحات حوار آمنة من خلال لقاءات غير رسمية تضم ممثلين غير معلنين أو غير رسميين من مختلف الأطراف، بما يسمح بطرح أفكار دون كلفة سياسية فورية، وإعادة تعريف المصالح بنقل النقاش من سؤال “من ينتصر؟” إلى “كيف يمكن للجميع تجنب الانهيار الكامل؟”، فضلاً عن بناء شبكات ثقة طويلة الأمد، وهي العنصر الأكثر ندرة والأكثر أهمية، خصوصاً في سياق تفكك اجتماعي عميق.
تشير تجارب دولية عديدة إلى أن التحولات الكبرى لا تبدأ من طاولات التفاوض الرسمية، بل من مساحات غير رسمية تُختبر فيها الأفكار وتُبنى فيها العلاقات. وما يميز هذه المساحات هو المرونة، والقدرة على التراجع، وإمكانية إشراك أطراف لا يمكنها الظهور في العلن. وفي السودان، تزداد أهمية هذا النهج لأن القنوات الرسمية، فضلاً عن كونها معطلة، أصبحت جزءاً من الأزمة نفسها.
إن أخطر ما في الحالة السودانية اليوم ليس الحرب في حد ذاتها، بل الاعتياد عليها؛ إذ حين يتحول الصراع إلى وضع طبيعي، تتراجع الإرادة السياسية والمجتمعية لإيجاد مخرج. وهنا تحديداً تكمن أهمية التحرك الآن، لا بعد توقف القتال. فالمبادرات التي تُبنى في زمن الحرب، حتى لو بدت هامشية، هي التي تكون جاهزة عندما تنفتح نافذة الحل، أما انتظار نضوج الظروف فغالباً ما يكون وصفة لضياع الفرص.
وقد أثبتت التجربة السودانية نفسها أن المبادرات الوطنية قادرة على كسر الجمود حين تتعطل السياسة الرسمية؛ إذ شكّلت ورشة نقابة المحامين السودانيين، التي انعقدت في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021، نموذجاً عملياً على قدرة الفاعلين المدنيين على فتح مسار سياسي في لحظة انسداد كامل، حيث نجحت في جمع طيف واسع حول مشروع دستوري انتقالي، وأعادت تعريف النقاش من صراع على السلطة إلى بحث في أسس الشرعية وإعادة بناء الدولة. وهو ما يؤكد أن المبادرات المنبثقة من الداخل يمكن أن تؤدي دوراً تأسيسياً يتجاوز وزنها المؤسسي ويمهد فعليًا لأي عملية سياسية لاحقة.
ومن نافلة القول إن قضايا الحرب والسلام تتطلب إنتاجاً معرفياً يكشف ديناميكيات التنافس على الموارد، وتعقيدات الترتيبات الأمنية، وهشاشة المصالحات الاجتماعية. فالنزاع ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل منظومة متشابكة من الاختلالات التي تعيد إنتاج العنف كلما تُركت دون معالجة منهجية؛ فالعنف كالماء يبحث دائماً عن منفذ، سواء في أطراف الهشاشة أو في قلب المراكز الحضرية، ما يجعل تجاهل هذه الديناميكيات مدخلاً لانفجارات جديدة يصعب احتواؤها. وهنا يبرز الدور الحاسم للأكاديميين وقادة المجتمع المدني في تصميم مقاربات علمية للاحتواء والتصالح، تستند إلى تحليل دقيق لطبيعة النزاع وتوازناته، وتعيد توجيه الجهود نحو منع تفكك الدولة.
وفي هذا الإطار، يصبح التفكير في بناء إستراتيجية قومية جديدة للسلام مرهوناً بقدرة النخب على طرح الأسئلة الصحيحة قبل تقديم الإجابات: هل يُبنى السلام عبر توازن مدروس بين المسارين الداخلي والخارجي؟ ما القضايا التي ينبغي طرحها؟ من هم الفاعلون الحقيقيون الذين يجب إشراكهم؟ وهل يقتصر ذلك على من يمتلكون شرعية سياسية رسمية، أم يشمل أيضاً من يمتلكون تأثيراً اجتماعياً فعلياً؟ وكيف يمكن إعادة إدماج المتحاربين في مسار سياسي دون اختزال ذلك في معادلة أمنية صرفة؟ مثل هذه الأسئلة، حين تُطرح ضمن أطر بحثية ومجتمعية جادة، تتحول إلى أدوات لإعادة تعريف الأزمة وطرق حلها.
وعليه، فإن الدور الأعمق للأكاديميين وقيادات المجتمع المدني يكمن في قدرتهم على دمج المسارات المتعددة ضمن رؤية كلية واحدة، تتجاوز الانقسامات التقليدية بين الداخل والخارج، وبين الرسمي وغير الرسمي، وتعيد صياغة عملية السلام بوصفها عملية مركبة تتطلب تنسيقاً عالي المستوى بين مختلف الفاعلين. فبدون هذا الجهد التركيبي، تبقى فرص السلام رهينة التناقضات، أما حين يتوفر هذا الإطار، فإن تراكم المعرفة والخبرة يمكن أن يتحول إلى قوة دافعة تفتح الطريق نحو تسوية أكثر تماسكاً واستدامة.
ولا يمكن فهم أي أفق حقيقي للخروج من الأزمة السودانية دون التوقف عند الدور التأسيسي الذي لعبه الأكاديميون، وعلى رأسهم أساتذة الجامعات، في صياغة الرؤى السياسية ومقاربة جذور النزاع بعيداً عن الشعارات والتجاذبات. فقد مثّلت هذه النخبة، عبر عقود، العقل التحليلي الذي أنتج مفاهيم الدولة والانتقال والعدالة، وأسهم عبر دوائر الخبرة في بلورة عدد من المبادرات التي تحولت لاحقاً إلى مداخل فعلية لعمليات السلام، مثل وثيقة الدوحة ووثيقة هايدلبيرغ، وغيرها من المسارات التي لم تكن لتتبلور لولا التراكم المعرفي والبحثي الذي سبقها.
إن معركة السلام في السودان تُكسب بالإرادة السياسية وبقدرة العقول على إنتاج معرفة تقودها، وبشجاعة المجتمع المدني في فتح مسارات بديلة حين تنغلق الأبواب الرسمية. فحين تتعطل السياسة، يصبح التفكير المنظم هو خط الدفاع الأخير، وربما الفرصة الأولى لبناء سلام لا يعيد إنتاج الحرب، بل يضع حداً لها.

wdalamin_2000@hotmail.com

عن محمد الأميـن عبد النبي

محمد الأميـن عبد النبي

شاهد أيضاً

دمج الحركات والمليشيات في الجيش: دعوةُ حقٍ أُريد بها باطل

محمد الأمين عبد النبي تطرح تصريحات القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ومعاونيه، ومن …