“نداء السودان” بين الحل السلمي الشامل أو الانتفاضة الشعبية .. بقلم: إمام محمد إمام

لم يأتِ “نداء السودان” الذي وقعه السيد الصادق الصديق المهدي ومني أركو مناوي نائب رئيس الجبهة الثورية وفاروق أبو عيسى رئيس هيئة تحالف المعارضة والدكتور أمين مكي مدني ممثل منظمات المجتمع المدني، بجديدٍ بالنسبة للحكومة السودانية التي سارعت إلى رفضه، وبذلت محاولاتٍ حثيثةً لمعرفة إن كانت الحكومة الإثيوبية وراء إعلان “نداء السودان” بأي شكل من الأشكال. فلم يطُل صبرها، إذ عجلت إثيوبيا بإعلان موقفها من هذا النداء السوداني المعارض الذي تم توقيعه في عاصمتها في الأسبوع الماضي، فأعلنت إثيوبيا موقفها الرافض لأي نشاط سياسي للمعارضة السودانية على أراضيها. وأكد دينا مفتي المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية في تصريحاتٍ صحافيةٍ أول من أمس (الجمعة)، عدم علم حكومته بما تم في إعلان “نداء السودان”، الذي وقعته المعارضة السودانية في الأسبوع الماضي بأديس أبابا، مبيناً أن المعارضة السودانية وصلت إلى أديس أبابا بدعوة من الآلية الأفريقية الراعية للمفاوضات بين الحكومة السودانية وأطراف المعارضة. ويبدو أن إثيوبيا الرسمية بدت منزعجةً من هذا النداء السوداني المعارض، للتقارب المشهود في العلاقات الرسمية بين البلدين، فهي لا تُريد أن تبدو في نظر الحكومة أنها مؤيدة لإعلان يتم في أراضيها بين حركات مسلحة ومعارضة مدنية، تهدف إلى إسقاط النظام بدعوى ضرورة العمل على الانتقال من دولة الحزب إلى دولة الوطن. وقال مفتي إن بلاده لم تُقدم أي دعوة إلى المعارضة السودانية، وإن حكومته ليس لها علاقة نهائياً بهذا الاتفاق.
وأحسبُ أن إعلان “نداء السودان” لا يختلف كثيراً في أهدافه ومقاصده عن إعلان باريس الذي رفضته الحكومة السودانية أيضاً، وأكد الرئيس عمر البشير في لقائه بقيادات العمل الإعلامي أن الصادق المهدي إن جاء إلى البلاد سيتعرض للمساءلة القانونية وفقاً للقانون الجنائي لسنة 1990، لتوقيعه على مذكرة تفاهم مع حركات مسلحة. وفي إطار المواءمة الإعلامية المفقودة في المعالجات الأمنية لمثل هذه الأحداث، راهن الكثيرون أن وفود المعارضة القادمة من أديس أبابا سيتعرضون للاعتقال فور وصولهم إلى مطار الخرطوم، ولكن خاب ظنهم، إذ إن وفد المعارضة وصل إلى مطار الخرطوم أول من أمس (الجمعة)، دون أن يتعرض لهم أحد بسوءٍ. ولا شك أن هذه مواءمة إعلامية مهمة كسبها النظام وخسرتها المعارضة، لأنها كانت ستشكل مضاغطة سياسية إقليمية وعالمية إذا تمت أي اعتقالات، وستخصم كثيراً من دعوة الأخ الرئيس عمر البشر إلى الأحزاب والقوى السياسية – حكومةً ومعارضةً – بما فيها الحركات المسلحة، للمشاركة في الحوار الوطني لمعالجة قضايا السودان كافةً.
وفي رأيي الخاص، أن “نداء السودان” كان من الضروري أن يُركِّز على نقاطٍ جديدةٍ لم يتضمنها إعلان باريس الذي رفضته الحكومة جملةً وتفصيلاً، وأن القاسم المشترك بين الإعلانين يتلخص في خيارين لا ثالث لهما، الأول خيار الحل السلمي الشامل الداعي إلى تغييرات جذرية في النظام الحاكم لأكثر من ربع قرن من الزمان، والدعوة في إطار هذه التغييرات إلى إطلاق الحريات والحكومة الانتقالية المطالبة بالتحضير والإعداد إلى انتخابات نزيهة وشفافة، كل ذلك من خلال تراضٍ من النظام لإنفاذ هذه الموجهات، بعيداً عن مُخرجات ومآلات الحوار الوطني الذي كان من المفترض أن تكون هذه اللقاءات من أجل تسريع خُطى انعقاده. والخيار الثاني الانتفاضة الشعبية.
أخلصُ إلى أن “نداء السودان” ينبغي أن يكون نداءً داعماً للحوار الوطني، وكان يجب أن يسعى موقعوه إلى إحداث مضاغطة سياسية قوية على المؤتمر الوطني، لدفعه إلى طاولة الحوار الوطني، من خلال الحصول على ضمانات كافية لمشاركة الحركات المسلحة وغيرها من الأحزاب والقوى السياسية الرافضة الآن المشاركة فيه. ومن الضروري، التأكيد على أن خارطة طريق الحوار الوطني تحوي حلولاً لمشكلات السودان.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ”.
وقول الشاعر العربي، عمرو بن الأهتم السعدي:
لَعَمْرُكَ مَا ضَاقَتْ بِلاَدٌ بِأهْلِهَا       وَلَكِنَّ أَخْلاَقَ الرِّجَالِ تَضِيْقُ
نَمَتْنِيْ عُرُوْقٌ مِنْ زُرَارَةَ لِلْعُلَى     وَمِنْ فَدَكِيٍّ وَالأَشَدِّ عُرُوْقُ
=====

 

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً