lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
في لحظةٍ كرويةٍ احتفالية، لم يكن استحضار باتريس لومومبا في كأس أمم أفريقيا بالمغرب مجرّد عرضٍ فني أو إشارة رمزية عابرة، بل كان عودةً واعية إلى الجذور العميقة للوجع الأفريقي، وإلى ذلك الصوت الذي حاولوا إسكاته بالرصاص، فصار نشيدًا خالدًا في ضمير القارة. وكأن المشهد يقول، كما في الشعر: «يا لومومبا.. يا رسولَ الحريَّة يا نشيداً في فمِ الدنيا.. وصوتاً من قضيَّة» باتريس إيمري لومومبا لم يكن زعيمًا سياسيًا بالمعنى التقليدي، بل كان وعيًا متقدّمًا سابقًا لزمنه. وُلد عام 1925 في الكونغو البلجيكي، في ظل نظامٍ استعماريٍ لم يرَ في الإنسان الأفريقي سوى أداة عمل بلا كرامة. غير أن لومومبا، الذي تعلّم في مدارس المستعمِر، سرعان ما حوّل المعرفة إلى تمرّد، واللغة إلى سلاح. لم يكن حلمه استقلالًا شكليًا، بل تحررًا شاملًا يعيد للإنسان الأفريقي إنسانيته المسلوبة، ولهذا صدقت فيه الكلمات: «يا نِضالاً عبقرياً.. هزَّ أركانَ البريَّة أنتَ لم ترحل سُدىً.. بل كنتَ فجراً لضحيَّة» حين أسّس الحركة الوطنية الكونغولية، لم يكن يسعى إلى سلطةٍ بقدر ما كان يسعى إلى كسر البنية التي صمّمها الاستعمار لإدامة الانقسام. آمن بوحدة الكونغو، وبأن الثروة يجب أن تعود إلى أصحاب الأرض، لا إلى الشركات العابرة للقارات. كانت رؤيته تهديدًا مباشرًا للنظام الاستعماري القديم والجديد معًا، ولهذا لم يُنظر إليه كخصمٍ محلي، بل كخطرٍ عالمي. لقد كان بحق: «وجهاً لبلادٍ.. ذبحتها العنصريَّة» وفي الثلاثين من يونيو 1960، يوم الاستقلال، ألقى لومومبا خطابه الشهير أمام ملك بلجيكا. لم يُجامل، ولم يساوم، بل سمّى الأشياء بأسمائها: السوط، الإذلال، القتل، النهب. في تلك اللحظة، لم يكن يخاطب الكونغو وحدها، بل كان يوقظ أفريقيا بأكملها من سباتها الطويل. كان ذلك الصوت هو ذاته الذي عبّر عنه الشعر: «يا ضميرَ العالمِ الغافي.. على جُرحِ الزمانِ» لكن العالم الذي يخاف الحقيقة لا يتسامح مع من يقولها. لم يمضِ وقت طويل حتى تآمرت القوى الاستعمارية، بتواطؤٍ داخلي، لإسقاط لومومبا. اعتُقل، وعُذّب، ثم اغتيل في يناير 1961، في واحدة من أبشع الجرائم السياسية في القرن العشرين. أُلقي جسده في الغابة، ظنًّا منهم أن الغابة ستبتلع الذاكرة، وأن الصمت سيغطي الجريمة: «ورموا جسمَكَ في الغابةِ.. للطيرِ السغابِ ظنّتِ الغابةُ أن الصمتَ.. قد غطّى العذابِ» لكن ما لم يدركه القتلة أن الدم حين يسقط من أجل الحرية لا يموت. تحوّل اغتيال لومومبا إلى لحظة ميلاد جديدة، لا في الكونغو وحدها، بل في وجدان أفريقيا بأسرها. صار رمزًا، وأيقونة، وبوصلة. كما يقول الشعر: «وإذا بالدمِ ينبتْ.. في ثرى الغابةِ ناراً تحرقُ الباغينَ، تجتاحُ.. قلاعاً وحِصاراً» تأثرت به حركات التحرر في أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو، واستلهمت روحه قيادات أفريقية كبرى، لأن لومومبا كشف جوهر الصراع: أن الاستعمار قد يغيّر شكله، لكنه لا يتخلى عن مصالحه، وأن الحرية التي لا تُحمى بالوعي والسيادة الاقتصادية تظل ناقصة ومهددة. لذلك بقي حاضرًا في وجدان الشعوب، لا كذكرى حزن، بل كطاقة مقاومة: «أنتَ فينا لم تَمُت.. أنتَ نشيدٌ في المجالي أنتَ عزمٌ في يدِ الثائرِ.. يمضي للمعالي» من هنا تكتسب إعادة تجسيد لومومبا في كأس أمم أفريقيا معناها العميق. فاختياره في حدثٍ جماهيريٍ رياضي ليس ترفًا رمزيًا، بل تأكيدٌ على أن أفريقيا، حتى في لحظات فرحها، لا تنفصل عن تاريخها، ولا تنسى شهداءها. كرة القدم هنا تتحوّل إلى منصة ذاكرة، وإلى لغةٍ مشتركة تقول للأجيال الجديدة إن الحرية التي يعيشونها اليوم صُنعت بدماء الأمس. باتريس لومومبا لم يكن معصومًا، لكنه كان صادقًا، والصدق في زمن الاستعمار جريمة لا تُغتفر. ومع ذلك، بقي صوته أعلى من الرصاص، وبقي اسمه منارة، كما ختم الشعر: «سوفَ تبقى أبداً فينا.. مناراً للهُداة يا رسولاً للحرية.. يا نشيدَ المعجزات» ولم تكن قصيدة لومومبا هذه مجرّد نصٍ شعري يُتداول بعد رحيله، بل كانت فعلًا سياسيًا حيًا، نشيدًا يُتلى في ساحات الوعي لا في دفاتر الشعر. في الجامعات السودانية، كانت منابر الجبهة الوطنية الأفريقية (ANF) تضجّ بهذه الكلمات، تُنشَد لا بوصفها رثاءً، بل باعتبارها بيانًا ثوريًا. هناك، بين الجموع، كنت واحدًا من الذين يرددون: «يا لومومبا.. يا رسولَ الحريَّة يا نشيداً في فمِ الدنيا.. وصوتاً من قضيَّة» كنا نهتف باسمه كما لو كان حاضرًا بيننا، لا كزعيمٍ من الماضي، بل كرفيقٍ في المعركة، وكأن الجامعات تحوّلت إلى امتدادٍ لتلك الغابة التي حاولوا دفنه فيها، فإذا بها تُنبت وعيًا جديدًا. لم تكن الكلمات تُقال للتصفيق، بل لتثبيت موقف، ولتأكيد أن ما جرى في الكونغو لم يكن حدثًا بعيدًا، بل جرحًا أفريقيًا واحدًا، يتردّد صداه من كينشاسا إلى الخرطوم. في تلك المنابر، لم يكن لومومبا اسمًا تاريخيًا، بل معيارًا أخلاقيًا، نُقيس به معنى الالتزام، وحدود المساومة، وثمن الحرية. لذلك لم نكن نردد القصيدة بحناجرنا فقط، بل بمواقفنا، وبإيماننا بأن أفريقيا واحدة في جراحها، واحدة في معركتها، وأن دماء الشهداء لا تعرف الحدود. وكما علّمتنا تلك اللحظات، وكما ظل صوته يقول: ؛أنتَ فينا لم تَمُت.. أنتَ نشيدٌ في المَجالي أنتَ عزمٌ في يدِ الثائرِ.. يمضي للمعالي؛ يا لومومبا.. يا لومومبا يا رَسولَ الحُريَّة يا نَشيداً في فَمِ الدُّنيا.. وصوتاً من قَضيَّة يا نِضالاً عَبقرياً.. هزَّ أركانَ البَريَّة أنتَ لم تَرحل سُدىً.. بل كُنتَ فَجراً لِضحيَّة كُنتَ وجهاً لبلادٍ.. ذَبحتها العُنصريَّة يا دَماً قد صاغَهُ الفجرُ.. كِفاحاً وأماني يا ضَميرَ العالَمِ الغافي.. على جُرحِ الزَّمانِ عِندما ساروا بِكَ الموتُ.. بِليلٍ وغِيابِ وَرَموا جِسمَكَ في الغابةِ.. لِلطيرِ السَّغابِ ظَنَّتِ الغابةُ أنَّ الصمتَ.. قد غطَّى العَذابِ فإذا بالصمتِ يَمضي.. كَزئيرٍ في الشِّعابِ وإذا بالدَّمِ يَنبتْ.. في ثَرى الغابةِ ناراً تَحرقُ الباغينَ، تَجتاحُ.. قِلاعاً وحِصاراً وإذا الشَّعبُ الذي استُعبِدَ.. يَمضي لا يُدارى هاتفاً بالثأرِ.. مَرفوعَ الجبينِ، لَن يُوارى يا لومومبا.. يا أخاً سارَ.. على دَربِ النِّضالِ في جِباهِ السُّودِ يَمشي.. نورُكَ الغالي الغالي أنتَ فينا لم تَمُت.. أنتَ نشيدٌ في المَجالي أنتَ عزمٌ في يَدِ الثائرِ.. يَمضي لِلمَعالي قَسماً يا بطلاً.. صاغَ مِن الموتِ الحَياة سَوفَ نَمضي خَلفَ خُطواكَ.. نُدكُّ الظُّلمات سَوفَ تَبقى أبداً فينا.. مَناراً لِلهُداة يا رَسولاً للحرية.. يا نَشيدَ المَعجزات
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم