نظم الأجور وتقييم الوظائف قلب العدالة الإدارية

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان مقالات من بطون كتب

ليست العدالة الإدارية شعارًا يُرفع ولا نيةً حسنة تُعلَن، بل هي نظام دقيق تُقاس به قيمة العمل قبل أن تُقاس قيمة الأشخاص
. وحين تختل منظومة الأجور، لا يختل الدخل فقط، بل يختل الإحساس بالإنصاف، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب مؤسسة أو دولة.

الأجر في جوهره ليس رقمًا في كشف الرواتب، بل رسالة صامتة تقول للموظف كيف تراه المؤسسة، وماذا تنتظر منه، وأين تضعه في سلم القيمة المهنية.
ولهذا فإن نظم الأجور ليست شأنًا ماليًا محضًا، بل مسألة إدارية وأخلاقية في آن واحد.

في التجارب الرشيدة، يبدأ الحديث عن الأجور من الوظيفة لا من شاغلها.
ما طبيعة العمل؟
ما مسؤولياته؟
ما حجم تأثيره؟
ما درجة تعقيده؟
وما المخاطر المرتبطة به؟
حين تُجاب هذه الأسئلة بموضوعية، يصبح الأجر نتيجة منطقية لا منحة مزاجية.

لكن في كثير من واقعنا العربي، انقلبت المعادلة. صرنا نحدد الأجر بناءً على الشخص لا الوظيفة، وعلى القرب لا الكفاءة، وعلى التاريخ الوظيفي لا القيمة الفعلية للعمل.
وهنا تبدأ أولى شروخ العدالة الإدارية.

تقييم الوظائف هو العمود الفقري لأي نظام أجور عادل.
هو العملية التي تُجرِّد الوظيفة من شاغلها، وتضعها على طاولة التحليل البارد، لتُقاس بمعايير واضحة تشمل المعرفة المطلوبة، والمهارات، والمسؤولية، وجهد العمل، وظروف الأداء.
دون هذا التقييم، تصبح الرواتب أرقامًا متضاربة لا يجمعها منطق.

وحين يغيب تقييم الوظائف، تظهر ظواهر مألوفة لكنها مدمرة. وظائف متشابهة بأجور مختلفة، ومسميات براقة بلا مضمون، وقفزات غير مبررة في السلم الوظيفي، وشعور عام بأن الجهد لا علاقة له بالمكافأة. في مثل هذا المناخ، لا يُقتل الحافز فقط، بل تُقتل الثقة في المؤسسة نفسها.

الأخطر من ذلك أن الظلم في الأجور لا يبقى محصورًا في الشؤون المالية، بل يتسرب إلى السلوك الإداري.
الموظف المظلوم أجرًا يتحول تدريجيًا إلى موظف بحدٍّ أدنى من الأداء، لا عن كسل، بل عن قناعة داخلية بأن العدل غائب.
وهكذا تدفع المؤسسة ثمنًا مضاعفًا أجرًا غير عادل وإنتاجية منخفضة.

نظم الأجور العادلة لا تعني المساواة المطلقة، بل تعني الإنصاف.
فليس كل عمل سواء، ولا كل مسؤولية متكافئة.
العدالة الحقيقية أن يُعطى كل عمل وزنه الحقيقي،
وأن يشعر العامل بأن الفرق في الأجر مبرر ومفهوم، حتى لو لم يكن لصالحه.

وحين تُبنى الأجور على تقييم علمي للوظائف، يصبح الحديث عن الترقيات أكثر وضوحًا، وعن الحوافز أكثر صدقية، وعن الأداء أكثر ارتباطًا بالنتائج. عندها يتحول الراتب من حق مكتسب بالزمن إلى عائد مرتبط بالقيمة.

في المؤسسات التي تهمل نظم الأجور، تظهر مفارقة لافتة.
ميزانيات الأجور تتضخم،
لكن الرضا الوظيفي يتآكل.
والسبب أن المال يُوزَّع بلا معيار، فيُهدر حيث لا أثر، ويُبخل حيث يجب التحفيز.
هنا لا يكون الخلل في حجم الإنفاق، بل في طريقته.

العدالة الإدارية لا تتحقق بقانون واحد أو لائحة واحدة، بل بمنظومة متكاملة تبدأ بتوصيف دقيق للوظائف، يليه تقييم موضوعي، ثم ربط الأجر بالمسؤولية والأداء، ثم مراجعة دورية تُصحح الانحراف قبل أن يتحول إلى أزمة.

ومن أخطر ما يواجه نظم الأجور تدخل السلطة غير المهنية فيها. حين يُرفع أجر لإرضاء، أو يُخفض عقابًا، أو تُمنح علاوة بلا مبرر مهني، تنهار الثقة في النظام بأكمله، ويصبح الحديث عن العدالة مجرد خطاب إنشائي.

التجارب العالمية تُظهر أن الدول والمؤسسات التي استثمرت في بناء نظم أجور عادلة لم تفعل ذلك بدافع الكرم، بل بدافع الكفاءة.
فالعدالة الإدارية أقل كلفة من الفوضى، والإنصاف أوفر من معالجة آثار الظلم.
وحين ننظر بعمق، نجد أن كثيرًا من أزمات الخدمة العامة في دولنا ليست ناتجة عن ضعف الأفراد، بل عن نظم أجور لا تعكس قيمة العمل ولا تحترم تدرج المسؤولية.
الموظف لا يهرب من العمل، بل يهرب من الظلم المقنن.

في النهاية، يمكن القول بثقة إن نظم الأجور وتقييم الوظائف ليست تفصيلًا إداريًا، بل قلب العدالة الإدارية النابض. فإذا صلح هذا القلب، تدفقت العدالة في أوصال المؤسسة، وإذا فسد، فلا قانون ولا رقابة تستطيع إنقاذ الجسد.

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

الإدارة والسلطة: متى تتحول الوظيفة إلى عبء؟

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان – مقالات من بطون كتب ليست السلطة في ذاتها شرًّا،كما أن …