نعم توجد علاقة بين الطماطم وقيمة الدولار وكمان الفساد .. بقلم: برفيسور احمد مصطفى الحسين
18 أكتوبر, 2014
منشورات غير مصنفة
31 زيارة
قرأت فى صحيفة الراكوبة بتاريخ اليوم 17/ 10/ 2014 لقاء منشورا مع السيد سالم الصافي رئيس اللجنة الاقتصادية بالبرلمان اثار عجبى واستغرابى لانه صادر من رجل يفترض فيه اولا ان يكون على دراية تامة ليس فقط بعلم الاقتصاد ولكن ايضا بالدينميكية التى تؤثر فى مجرياته وعملياته. ومما أثار حفيظتى من كل اللقاء ان الرجل يتكلم كرجل تنفيذى يبحث عن المبررات لأزمات الحكومة واخفاقاتها وهو المفترض فيه كبرلمانى ممثل للشعب ان يكون ناقدا لها ولسياساتها مدافعا عن المصلحة العامة وليس عن مصلحة النظام. فالحكومة وسياساتها ليست هى المسئؤلة عن الغلاء عنده ولكن المسئؤلية تقع على الازمة المالية العالمية …!!! وجشع التجار ….!! وانعدام الرقابة، وهو يعلم ان الذين يقومون بالرقابة هم مسئؤلون ايضا عن ارتفاع الاسعار بل انهم يفتعلون ارتفاع الاسعار بما لديهم من سلطات حتى يتكسبوا منها ويتكسب محاسيبهم. ان من علامة رشد الحكومات انها لا تبرر مشاكلها بعيدا عن مسوؤليتها، فلم نسمع مسوؤلا امريكيا يقول ان غلاء الاسعار عندهم سببه ازمة دارفور.
ردا على سؤال (يقول الكثيرون ان السوق بات لا يطاق، ما تعليقك على ذلك؟) يقول السيد رئيس اللجنة الاقتصادية بالبرلمان مبررا (نعم هناك ارتفاع في الاسعار الا ان عبارة لا يطاق هي كلمة فضفاضة، فإذ تنطبق الكلمة على السوق عندما تكون هناك ندرة في السلع، والغلاء الموجود الآن في معظمه شيء عالمي بسبب ازمات ضربت اقتصاديات الكثير من الدول، اما الغلاء في السودان فهو ناتج عن ارتفاع كمية الاستهلاك عن الانتاج، فالانتاجية المحدودة لا تكفي للاستهلاك المتزايد.) ولعمرى أن عبارة “لا يطاق” التى استنكرها السيد المحترم هى التعبير الفعلى ليس قفظ عن حالة الاسواق فى السودان ولكن حالة السودان نفسه. وكدأب مسئولى الانظمة التى ابتلينا بها فى الدول الفاشلة،علق المسئؤل التشريعى مشكلة الغلاء على الشماعة الممجوجة (الغلاء الموجود الآن في معظمه شيء عالمي بسبب ازمات ضربت اقتصادات الكثير من الدول،) وهو يعلم ان هذه قولة حق اريد بها باطل ، فإنه لحق ان ان العالم يعيش فى اعقاب ازمة مالية عالمية، استطاعت الكثير من الدول تجاوز الجزء المدمر من اثارها، ولكنه ليس حقا انما يعيشه السودان حاليا من غلاء فاحش سببه الازمة المالية التى حدثت فى عام 2008 بعد حوالى عقدين من مجئ الانقاذ. ولا اعتقد ان الازمة جعلت مواطنى الولايات المتحدة، وهى مهد الازمة، يأكلون وجبة”بوش” واحدة فى اليوم او يفطرون بالبليلة.
وفى نفس الاتجاه التبريرى يخبرنا السيد سالم الصافى ان ( الغلاء في السودان فهو ناتج عن ارتفاع كمية الاستهلاك عن الانتاج، فالانتاجية المحدودة لا تكفي للاستهلاك المتزايد). وبطبيعة الحال هذا تشخيص صندوق النقد الدولى للمشكلة الاقتصادية فى الدول النامية والتى يبرر بها وصفته التقشفية القاسية لاعادة التوازن بين الاستهلاك والانتاج. اى استهلاك متزايد هذا الذى يشير اليه المسئول المحترم…؟؟؟وغالبية اهل السودان يعيشون فى شبه مجاعة وتنعدم فيه حتى الادوية المنقذة للحياة!!! ان وصفة صندوق النقد الدولى تفترض انها هناك هياكل اقتصادية مرنة وجهاز حكومى كفء وخالى من الفساد يستطيع ان يتجاوب مع مقتضيات الوصفة. ولكن الحكومة دمرت الهياكل المنتجة كمشروع الجزيرة والسكة حديد والنقل البحرى وغيرها، فلم تكن نتيجة الوصفة فى السودان الا تضخما وتدنى فى الانتاجية. وقد جربت الانفاذ الوصفة فيما يسمى بسياسات حمدى للتحرير الاقتصادى والتى كانت اساسا للفساد الذى استشرى الان بصورة غير مسبوقة. حيث ادت الى سياسات خصخصة غير رشيدة بيعت بمقتضاها مؤسسات الحكومة الناجحة لافراد من موالى النظام لتحقيق اهداف سياسات التمكين وما رافقه من فساد. اما قوله عن تدنى الانتاجية فهو حق، وكان الأحرى ان يقوده الى تشخيص اسباب هذا التدنى فى الانتاجية. فهو يعلم ان سبب هذا التدنى هو السياسات الحكومية التى ضربت اعمدة الاقتصاد السودانى فى الزراعة والصناعة والترحيل ومكنت للانشطة التجارية الطفيلية التى هى السبب الرئيسى لزيادة الاسعار والتضخم . وكان من الممكن ان يقوده هذا التشخيص لتحليل دور الحروب التى افتعلتها الحكومة لتمكين نظامها وسلطتها فى غلاء الاسعاء وتدنى مستويات المعيشة وحالة الضنك التى يعيشها اهلنا فى السودان فى كل بقاعه.
وفات ايضا على السيد المسئول ان يوضح لنا دور ذلك الفساد المتجذر فى ارتفاع الاسعار ودور سياسات الحكومة فى محاباة مواليها والمؤلفة قلوبهم بخلق الاحتكارات المفتعلة، عن طريق استخدام السلطة السياسية لتحقيق مصالح اقتصادية خاصة، التى تمكنهم من رفع الاسعار. فليس ذاك سبب ارتفاع الاسعار عنده ولكن سببه هو (انعدام الرقابة في الاسواق ومن غير المنطق «ترك الحبل على القارب»، وعلى أجهزة الدولة المعنية في المركز والولايات النزول الى الأسواق لضبط الفوضى ووقف التلاعب في الاسعار وفرض الرقابة المطلوبة، فهناك ممارسات تحدث في السوق تكتسب صفة التعمد من قبل التجار وهي عبارة عن مضاربات خلقتها سياسة التحرير الاقتصادي، والسوق الحر). ومن الذى ” ترك الحبل على القارب”. اليست هذه السياسة التى تحقق مصالح الطبقات التجارية الطفيلية التى أنشأتها الحكومة نفسها لخلق قاعدة منتفعة تدافع عنها من اعضاء الحزب والمؤلفة قلوبهم من الانتهازيين.
ولعل الاجابة الاكثر استفزازا تلك التى وفرها السيد الصافى للسؤال (الكل يُحمّل ارتفاع سعر صرف الدولار المسؤولية فيما تشهده الأسواق من غلاء؟) بقوله (هذا فهم غير صحيح وعليكم انتم في الاعلام ازالته،، مؤكدا ان عدم استقرار سعر صرف الدولار له تأثيره على السوق ولكن لا يمكن جعل ارتفاع الدولار «شماعة» نعلّق عليها أي شيء فما علاقة الطماطم بالدولار). بل هذا هو الفهم الصحيح الوحيد، فاسعار العملة هى المرأة التى تعكس درجة الصحة التى يتمتع بها الاقتصاد وقدراته النتاجية. وفى اطار عولمة الاقتصاد الحالى وارتباط اقتصاد السودن بالدولار فان منتج الطماطم يقيم سلعته على حسب قوة الجنيه السودانى وقيمته الشرائية المرتبطة بالدولار، فاذا ارتفعت قيمة السلع المحلية والمستوردة المقيمة بالدولار فانه مضطر لرفع قيمة سعر طماطمه بالصورة التى تحقق له توازنا فى دخله. اقول قولى هذا وانا اعرف ان بين منتج الطماطم ومستهلكها النهائي الكثير من عمليات السمسرة الطفيلية التى تتكسب من بيعها عشرات المرات قبل ان تصل للمستهلك النهائي. ولكن ما السبب فى كل ذلك؟ اليست سياست الحكومية الموجهة لخدمة التجارة الطفيلية والتى كان يجب ان تكون هدفا لانتقادات السيد الصافى وليس لتبريراته فقد شبعنا تبريرات. وختاما اقول نعم هناك علاقة بين سعر الدولار وليس فقط سعر الطماطم ولكن ايضا سعر اللحم والبليلة والجرجير والفساد.
hamadna@yahoo.com