باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 24 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

نفوذ الجبهة الإسلامية القومية في المجلس العسكري الانتقالي ١٩٨٥: إسلامية سوار الذهب غير مثبتة وانتخابات ١٩٨٦ ثغرة لا مؤامرة

اخر تحديث: 24 أكتوبر, 2026 9:37 مساءً
شارك

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

تناول المقال سؤالاً مركزياً في تاريخ السودان الحديث، هو هل كانت الجبهة الإسلامية القومية صاحبة نفوذ حاسم داخل المجلس العسكري الانتقالي الذي حكم من السادس من أبريل ١٩٨٥ إلى السادس من مايو ١٩٨٦، وهل كان المشير سوار الذهب وغيره من أعضائه إسلاميين، وهل صُممت انتخابات ١٩٨٦ لصالح الجبهة. واعتمد المقال ترتيباً سردياً يبدأ بالخلفية ثم الانتفاضة ثم هوية الفاعلين ثم النفوذ المؤسسي ثم هندسة القواعد والنتائج ثم الفرضيات المتنافسة ثم الدروس، مع تمييز دائم بين المثبت والمرجح والمتداول، وعرض اختلاف الأرقام بين المصادر دون ترجيح متعسف.

بدأ المقال بإظهار أن علاقة الإسلاميين بنظام نميري كانت متعرجة. فقد نشأ تيارهم في أواخر الأربعينيات متأثراً بالإخوان المسلمين المصريين، وتبلور في الستينيات بقيادة حسن الترابي في جبهة الميثاق الإسلامي التي نالت نصيباً ضئيلاً من الأصوات في ١٩٦٥. وبعد انقلاب ١٩٦٩ حُل حزبهم وسُجن الترابي نحو سبع سنوات، ثم جاءت المصالحة الوطنية في ١٩٧٧ بعد فشل محاولة ١٩٧٦ الانقلابية، فدخل الإسلاميون الدولة وصار الترابي نائباً عاماً في ١٩٧٩، واستفادوا من بنك فيصل الإسلامي الذي جاء نحو ستين في المئة من رأسماله من السعودية، فبنوا قاعدة مالية وتنظيمية. وكان للترابي دور مؤثر في دعم قوانين سبتمبر ١٩٨٣. غير أن العلاقة انقلبت إلى صدام قبيل السقوط، فأُعدم محمود محمد طه في يناير ١٩٨٥، ووُجهت في مارس تهمة إثارة الفتنة إلى قيادة الإخوان وسُجن الترابي، فدخل الإسلاميون الانتفاضة ضحايا للنظام لا حلفاء له، وأعاد الترابي بعد سقوطه تنظيم جبهة الميثاق في الجبهة الإسلامية القومية.

وتناول المقال الانتفاضة فرأى أنها اندلعت في مارس ١٩٨٥ بسبب الغلاء والمجاعة والحرب وانهيار الشرعية، وبدأت إضراباتها في السابع والعشرين من مارس، وغادر نميري إلى واشنطن في الثاني من أبريل، وأعلنت قيادتها المهنية والنقابية الخرطوم مدينة ميتة في الخامس منه. وفي السادس من أبريل أعلن سوار الذهب، وكان نميري قد عينه وزيراً للدفاع في الثالث من مارس، عزل نميري وتعليق الدستور وحل البرلمان والاتحاد الاشتراكي، ثم شُكل مجلس من خمسة عشر عضواً برئاسته ونيابة الفريق تاج الدين عبد الله فضل، وأُقر دستور انتقالي بعد مشاورات مع الأحزاب والنقابات، ووصف سوار الذهب تسلمه السلطة بأنه جرى بتنسيق مع قادة الانتفاضة. وخلص المقال إلى أن الجيش تحرك لإنقاذ مؤسسته وحمايتها من الحساب لا لإنجاز تحول جذري، وأن المجلس كان قيادة مهنية لا مشروعاً أيديولوجياً، فالقول بنفوذ إسلامي منظم فيه يحتاج دليلاً خاصاً لا يكفي له تدين الجنرالات ومحافظتهم.

وفي مسألة إسلامية سوار الذهب فرّق المقال بين التدين الشخصي والانتماء التنظيمي إلى حركة تسعى إلى أسلمة الدولة. فقد وُصف سوار الذهب بأنه شديد التدين رفيع الخلق، وتختلف الروايات في ميلاده بين أم درمان ١٩٣٤ والأبيض ١٩٣٥، والتحق بالجيش في ١٩٥٨ وأبعده نميري في ١٩٧٢ فعمل مستشاراً لأمير قطر ثم عاد وتدرج إلى الأركان فوزارة الدفاع. ولا تضعه المصادر الأكاديمية بين كوادر الحركة الإسلامية، بل تصفه بأنه قليل الطموح محافظ سياسياً لعب على التناقضات بين اليسار والإسلاميين في الحركة المهنية. أما نشاطه الدعوي بعد اعتزاله، من رئاسة منظمة الدعوة الإسلامية وجائزة الملك فيصل في ٢٠٠٤ ومناصب الهيئات الإسلامية العالمية، فدليل على توجه ديني لاحق لا على انتماء للجبهة قبل ١٩٨٥. وأشار المقال إلى أن رمزيته استُحضرت من تيارات مختلفة، فقد دعا يوسف ندا في ٢٠١٤ إلى جنرال مصري على غراره، واستدعاه المجلس العسكري في ٢٠١٩ بقوله إن الحكام الجدد أبناء سوار الذهب، فالحكم على انتمائه يقتضي الفصل بين الرمز والوقائع.

وفحص المقال تركيبة المجلس فوجدها خمسة عشر ضابطاً كبيراً من قيادة مايو، منهم نائبه تاج الدين عبد الله فضل ووزير الدفاع عثمان عبد الله محمد، ولا يوجد دليل موثق على انتماء أي منهم إلى الجبهة. ووصفت قراءة تحليلية رصينة المجلس بأنه جنرالات ذوو ميول إسلامية ربطتها بمحاولة نميري احتواء الإسلاميين داخل الجيش عبر قوانين سبتمبر، لكنها لم تسمّ أسماء ولا قدمت وثائق، فعدّها المقال قرينة على مناخ أيديولوجي لا دليلاً على سيطرة تنظيمية. وميّز بين النفوذ داخل المجلس والنفوذ عبر الحكومة المدنية بقيادة الجزولي دفع الله، رئيس نقابة الأطباء ورئيس الوزراء من ٢٢ أبريل ١٩٨٥ حتى مايو ١٩٨٦، وتصنيفه مختلف عليه بين مستقل وإسلامي، وهو خلاف يكشف إشكال المفهوم. ورجح أن النفوذ الإسلامي الأوضح كان في الحركة المهنية والنقابية لا في الغرفة العسكرية، وأن المجلس استفاد من الاستقطاب المهني. وأقر بأن غياب الدليل ليس برهاناً على غياب الظاهرة لأن التنظيم عمل بسرية في الجيش كما بدا في ١٩٨٩، فصنف الاتهامات المتداولة ادعاءات غير مثبتة تنتظر فتح أرشيف المجلس وشهادات أعضائه.

وبحث المقال ما لم يفعله المجلس. فقد بقيت قوانين سبتمبر قائمة وبقيت المؤسسات المالية الإسلامية وتساهلت المحاسبة على جرائم مايو، لكن تفسير ذلك لا يقتصر على نفوذ الجبهة، فالمجلس والحكومة المنتخبة لاحقاً أيدا الشريعة مع نقد طريقة تطبيقها عند نميري، وتُرك الجنوب والشريعة لجمعية تأسيسية منتخبة، وعارضت المؤسسة العسكرية المحاسبة الشاملة حماية لنفسها وهي ذاتها ملطخة بإدارة الدولة المايوية، وشمل التساهل كل رموز مايو لا الإسلاميين وحدهم، وكانت العدالة الانتقالية في عام واحد أخف مما كانت ستكون في مرحلة أطول. وغابت الجبهة والحزب الاتحادي الديمقراطي عن إعلان كوكا دام في مارس ١٩٨٦ الذي وقعته قوى أخرى مع الحركة الشعبية، ما يدل على أن علاقتها بالانتقال كانت تنافسية لا تحالفية، وفشل المجلس في بناء إجماع وطني وحل الأزمات الاقتصادية والمجاعة والحرب في أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية.

وانتقل المقال إلى ولادة قانون الانتخابات فبيّن أنه جاء بعد مناقشات مع القوى السياسية، وحدد جمعية من ٣٠١ مقعد منها ٢٨ للخريجين. وقد طالب بعض أعضاء التجمع الوطني بتمثيل القوى الحديثة من نقابيين ومهنيين ومزارعين ونساء بما يصل إلى نصف المقاعد، بينما دعا آخرون إلى قصر التمثيل الخاص على الخريجين كما في الانتخابات السابقة، فانتهى الأمر إلى الصيغة الضيقة، أي أن المجلس لم يخترع الفكرة ولم يفرضها منفرداً، ولم يُعتمد المقترح الأنفع للتنظيمات المهنية التي كانت الجبهة فاعلة فيها. وحُدد الاقتراع من ١ إلى ١٢ أبريل ١٩٨٦ بعد قرار في ٢٩ ديسمبر ١٩٨٥، واستمرت الحملة نحو شهرين بنحو ألف مرشح من نحو ثلاثين حزباً، وأُدير الاقتراع بجهاز الخدمة المدنية المهني، وتوسع تعريف الخريج ليشمل من أمضى سنتين على الأقل بعد الثانوية، ونُظمت دوائر الخريجين إقليمياً.

وبيّن المقال أن دوائر الخريجين إرث من انتخابات ١٩٦٥ بعد ثورة أكتوبر، وكان الحزب الشيوعي والقوى الحديثة أبرز المستفيدين منها حينها، وتختلف الروايات في عدد النواب الشيوعيين الذين جُردوا من مقاعدهم بين ثمانية وأحد عشر، فالأداة لم تكن إسلامية في جوهرها. غير أن الجبهة كانت في ١٩٨٦ أكثر القوى تنظيماً بين الخريجين والطلاب والنقابات، وصاغت استراتيجية متماسكة للفوز بنحو عشرة في المئة من المقاعد خُصصت لهم، واستغلت ثغرة تتيح للخريج المسجل اختيار دائرته، فشجعت المغتربين على التسجيل في دوائر الخريجين الجنوبية، وفازت بمقعدين جنوبيين ما كانت لتفوز بهما لو اقتصر التصويت على سكان تلك الدوائر. وذهبت قراءة تحليلية إلى أن القانون صُمم عمداً ليسمح بذلك، وهي دعوى بلا دليل وثائقي، ورأى باحثون آخرون أنه استغلال ذكي لنص قائم. وتتباين المصادر في عدد مقاعد الخريجين التي نالتها الجبهة بين ٢٣ منها ٢١ شمالية ومقعدان جنوبيان، وبين ٢١، ورجح المقال الأول لاتساقه مع حاصل الجمع الكلي ٥١ بإضافة ٢٨ مقعداً جغرافياً. وذكر أنها نالت أقل من أربعين في المئة من أصوات الخريجين الشماليين وحصدت أغلبية ساحقة من مقاعدهم، وهي ظاهرة مألوفة في نظام الأغلبية البسيطة.

وحلل المقال الأرقام فوجد أن حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي نال نحو مئة مقعد من ٢٦٠ جرى شغلها، والحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني ٦٣ مقعداً، والجبهة ٥١ مقعداً، مع تفاوت طفيف بين المصادر، ببلوغ المسجلين نحو ٥٫٩٨ مليون ونسبة إقبال نحو ٦٦ في المئة. وتوزعت المقاعد على ٢٣٢ دائرة جغرافية و٢٨ للخريجين، وأُرجئ الاقتراع في ٤١ دائرة جنوبية من ٦٨ لأسباب أمنية، إذ منع الجيش الشعبي الاقتراع في أكثر من نصفها. وأظهر الحساب أن حزب الأمة نال نحو ٣٨٫٤ في المئة من الأصوات ونحو ٣٨٫٥ من المقاعد، والاتحادي نحو ٣٠٫٦ من الأصوات لكن نحو ٢٤٫٢ فقط من المقاعد، والجبهة نحو ١٨٫٥ من الأصوات ونحو ١٩٫٦ من المقاعد، أي أن حصتها زادت نقطة واحدة تقريباً بينما خسر الاتحادي أكثر من ست نقاط بسبب تشتت أصواته وسوء انضباطه في الترشيحات، في حين لم تقدم الجبهة إلا مرشحاً واحداً في كل دائرة وأدارت شبكات الشباب والنساء لتعظيم التسجيل. وفازت الجبهة بـ٢٨ من ٢٣٢ مقعداً جغرافياً بنحو ١٢ في المئة، ورفعتها دوائر الخريجين إلى نحو ٢٠ في المئة، إذ شكلت مقاعدها الثلاثة والعشرون نحو ٨٢ في المئة من مقاعد الخريجين ونحو ٤٥ في المئة من مقاعدها الكلية، لكنها لم تغيّر ترتيب الأحزاب بل غيّرت حجم الكتلة المعارضة، وعزا تقدير استخباراتي أمريكي أداءها إلى تفوق القيادة والتنظيم والتمويل.

وبيّن المقال أن القانون وحده لا يفسر النتائج. فقد قامت قوة الجبهة على المتعلمين الحضريين والطلاب والتجار الإسلاميين وعلى موارد البنوك الإسلامية التي راكمتها في عهد مايو وعلى كوادرها في النقابات، وتحققت مكاسبها في المدن بينما أخفق الترابي في دائرته، وفازت لأن كثيرين صوتوا لها فنصيبها من الأصوات لم يكن أسوأ كثيراً من نصيب الأمة والاتحادي. وأسهم قصر المدة، فقد وفّى سوار الذهب بوعده وسلّم السلطة في السادس من مايو ١٩٨٦ إلى الصادق المهدي ومجلس سيادة برئاسة أحمد الميرغني، ووصفته وسائل إعلام عربية بالرئيس العربي الذي سلم السلطة للمدنيين، لكن قصر العام ضيّق الوقت أمام الأحزاب لإعادة بناء هياكلها، فاستفادت الجبهة المنظمة كما استفاد الأمة والاتحادي من شبكات الأتباع الدينيين في الريف، وهيمنت على الانتخابات القوى نفسها التي هيمنت على الحقبة البرلمانية السابقة، غير أن إطالة الفترة كانت ستمنح المجلس وقتاً أطول لتثبيت نفوذه. وأسهم غياب أكثر من أربعين دائرة جنوبية في زيادة الثقل النسبي للشمال المتعلم، وكلها عوامل مستقلة عن قصد المجلس وتعبر عن طبائع انتقال قصير في بلد حرب.

وعرض المقال ثلاث فرضيات متنافسة. الأولى التصميم المتعمد، وهي ترى أن المجلس صاغ القانون لخدمة الجبهة، وتجد صدى في كتابات جدلية، لكنها تفتقر إلى الدليل الوثائقي، وتصطدم بأن القانون نتج عن تشاور مع الأحزاب الكبرى وأن الجبهة جاءت ثالثة بنحو خمس المقاعد وأن الاتحادي هو الأكثر تضرراً وأن مقترح تخصيص نصف المقاعد للقوى الحديثة لم يُعتمد. والثانية الاستفادة غير المقصودة، وترى أن الإطار موروث من ما بعد أكتوبر وأن الجبهة استفادت بتفوقها التنظيمي، وتدعمها أن قيادتها كانت معتقلة قبل أسابيع من الانتفاضة فلم تستطع التأثير في الصياغة. والثالثة التفاعل بين الاستمرارية المؤسسية وفضاء الحرية، وترى أن المجلس لم يتعمد خدمتها لكنه ترك لها المجال بعدم تفكيك الأطر التي بنت قوتها وبعدم سد ثغرة تسجيل الخريجين والمغتربين، ثم أتاح فتح الحياة الحزبية في مدة قصيرة ميزة لمن كان منظماً أصلاً، بعد أن حُرمت الأحزاب التقليدية ستة عشر عاماً من النشاط العلني. ورجح المقال الثالثة لاتساقها مع الأدلة، مع التنبيه إلى أنها ترجيح لا يقين، لأن التمييز بين الإهمال المتعمد والعفوي في سد الثغرة لا يثبت دون وثائق المداولات.

وقدم المقال ما بعد ١٩٨٦ اختباراً غير مباشر للفرضيات. فقد ظلت الجبهة ثالثة في البرلمان ثم نفذت انقلاب الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ بضباط متوسطي الرتب بقيادة العميد عمر البشير وتخطيط الترابي، وأخفت دورها بتمثيلية اعتقال الترابي، وجاء الانقلاب بعد اتفاق الحزب الاتحادي الديمقراطي مع الحركة الشعبية في نوفمبر ١٩٨٨ الذي عارضته الجبهة، وقبل أربع وعشرين ساعة من اجتماع لمجلس الوزراء كان مقرراً للنظر في إلغاء قوانين سبتمبر بعد أن أمر الصادق المهدي بتعليقها في التاسع والعشرين من يونيو، ثم استُبدل عشرات الآلاف من الموظفين بكوادرها. ودل ذلك على أن الجبهة حين أرادت السلطة صنعت مجلسها العسكري بنفسها من أدنى السلم، فلم يكن لها في ١٩٨٥ نفوذ مماثل في قيادة الجيش العليا. وفسّرت أدبيات الانتقال الحالة بأن الانتقالات التي يقودها ضباط مهنيون تميل إلى التحول من أعلى مع حماية المؤسسة العسكرية لمصالحها وتجنب المحاسبة وقبول انتخابات سريعة، وأن الأحزاب الأكثر تنظيماً وموارد تكسب مكاسب غير متناسبة في الانتخابات التأسيسية الأولى المتعجلة سواء قصد واضعو القواعد ذلك أم لا، دون حاجة إلى افتراض مؤامرة. وعلى صعيد الممارسات المبتكرة، يخفف التمثيل النسبي أو القوائم المختلطة أثر نظام الأغلبية الذي يضخم حصة المتصدر ويعاقب المتشتت كما حدث للاتحادي، وتفيد استقلالية لجنة الانتخابات وإتاحة وقت كاف لإعادة بناء الأحزاب ومراجعة قواعد تصويت المهجر والفئات، ومن المقارنات تجربة تونس في ٢٠١١ باعتماد التمثيل النسبي بطريقة أكبر البواقي.

وخرج المقال بسبعة دروس عملية لسودان ما بعد الحرب. أولها فصل التدين الشخصي للقادة العسكريين عن الانتماء التنظيمي مع شفافية في تركيبة أي مجلس انتقالي وصلات أعضائه، فقد بقي الجدل معلقاً عقوداً لغياب الوثائق. وثانيها أن ترك رموز النظام السابق دون محاسبة يخدم الجميع قصيراً ويفتح الباب لعودة القوى التي نشأت في كنفه، فتلزم عدالة انتقالية بمعايير معلنة للجميع. وثالثها أن تُصاغ قواعد الانتخاب الأولى بمشاركة واسعة ومراجعة مستقلة، وتُختبر دوائر الفئات والمهجر لأثرها على التوازن وتُسد ثغرات التسجيل. ورابعها موازنة مدة الانتقال بين الاستقرار وإعادة بناء الأحزاب المدنية بعد القمع. وخامسها أن مراقبة اختراق الجيش بالتنظيمات الحزبية السرية جزء من إصلاحه لأن الاختراق قد ينتهي بانقلاب يهدم الديمقراطية. وسادسها الحذر من المقارنة الآلية مع ٢٠١٩، إذ كانت الأصوات الإسلامية في التجمع المهني أقل بكثير مما كانت عليه في ١٩٨٥، والجيش اليوم قد يخشى الانتقال أكثر، وفترة أطول تعني عدالة انتقالية أشد. وسابعها الحذر في استخدام رموز الذاكرة السياسية، فتسليم السلطة وحده لا يكفي ما لم تُحَل معه قضايا المحاسبة والسلام وهندسة القواعد.

وخلصت الخاتمة النقدية إلى أن الأدلة لا تسمح بالجزم بأن المجلس كان أداة بيد الجبهة ولا بنفي أي أثر للإسلاميين فيه. فإسلامية سوار الذهب التنظيمية غير مثبتة وهو أقرب إلى المحافظ المتدين المستقل، وإمكان وجود ضباط متعاطفين غير مثبتة وغير منفية، وكان الإسلاميون في لحظة الانتفاضة معتقلين لا حاكمين، لكن نفوذهم الأوضح تجلى في الحركة المهنية وفي رئاسة الحكومة المدنية بحسب بعض التوصيفات. وجاءت الجبهة ثالثة بـ٥١ مقعداً، نحو خمس المقاعد، بنسبة قريبة من نصيبها في الأصوات مع تضخيم محدود من ثلاثة وعشرين مقعداً للخريجين الموروثة دوائرهم من ١٩٦٥، ما يرجح أنها استفادت من إطار قائم وتفوقها التنظيمي والمالي واستغلت ثغرة تسجيل الخريجين والمغتربين، أكثر مما استفادت من هندسة متعمدة، مع بقاء تلك الثغرة تستحق فحصاً وثائقياً لمعرفة من اقترحها وهل قُصد أثرها. وأقرت الخاتمة بحدود الاستنتاج، فالمقال يعتمد جزئياً على مصادر ثانوية وصحفية وبعضها غير مؤرخ، وتتباين الأرقام بين المصادر، ولم يُطلع على محاضر المجلس ووثائق لجنة الانتخابات وشهادات أعضائه، ويلقي الاستقطاب بظله على الروايات المتبادلة، فتبقى الحاجة إلى أبحاث أرشيفية وشفهية ومقارنة قانون ١٩٨٦ بقانون ١٩٦٥. وانتهت إلى أن الجواب الأدق أن نفوذ الجبهة المنظم داخل المجلس غير مثبت، وأن إسلامية سوار الذهب التنظيمية غير مثبتة، وأن الانتخابات لم تُصمم بدليل موثق لصالح الجبهة لكنها جرت في ظروف أفادت الأكثر تنظيماً، وأن الدرس الأهم يكمن في بنية الانتقال القصير غير المحاسِب وثغرات القواعد لا في نوايا شخص بعينه.

النص الكامل للمقال

المقدمة التحليلية

يتناول هذا المقال واحدة من أكثر المسائل إثارة للجدل في تاريخ السودان الحديث، وهي هل كانت الجبهة الإسلامية القومية صاحبة نفوذ حاسم داخل المجلس العسكري الانتقالي الذي حكم من السادس من أبريل ١٩٨٥ حتى السادس من مايو ١٩٨٦، وهل كان المشير عبد الرحمن سوار الذهب وغيره من أعضاء المجلس إسلاميين بالمعنى التنظيمي أو الفكري، وهل صُمم قانون الانتخابات والدوائر في ١٩٨٦ ليصب في مصلحة الجبهة. وتنبع أهمية المسألة من أنها لا تخص عاماً واحداً من أعوام الانتقال، بل تمس تفسير مسار الديمقراطية الثالثة كله وصولاً إلى انقلاب يونيو ١٩٨٩، إذ يرى بعض الباحثين والمعلقين أن الانتقال شابته منذ لحظته الأولى انحيازات خدمت الإسلاميين، بينما يرى آخرون أن الجبهة كانت في ١٩٨٥ مجروحة ومطاردة ثم صعدت بقوة تنظيمها وتمويلها وبنيتها الاجتماعية لا بفضل راعٍ عسكري (Lesch, 1998; Willis, n.d.).

وقد اعتمد المقال منهجية صريحة في ترتيب الفصول تتبع أفضل ممارسات السرد التحليلي للمقال العلمي، وهي الانتقال من الأعم إلى الأخص ومن السياق إلى الدليل ثم إلى التفسير فالدرس. فالفصل الأول يؤسس الخلفية التاريخية لعلاقة الإسلاميين بنظام نميري، والثاني يروي لحظة الانتفاضة وولادة المجلس، والثالث يفكك مفهوم الإسلامي ويطبقه على سيرة سوار الذهب، والرابع والخامس يختبران فرضية النفوذ داخل المجلس عبر تركيبته وسياساته وما امتنع عنه، ثم ينتقل السادس والسابع إلى هندسة قانون الانتخابات ودوائر الخريجين، ويحلل الثامن الأرقام، ويفحص التاسع العوامل غير القانونية كالتنظيم والزمن والجنوب، ويضع العاشر الفرضيات المتنافسة في ميزان واحد، ويتتبع الحادي عشر ما بعد الانتخابات مع الأطر النظرية والممارسات المبتكرة، وينتهي الثاني عشر بدروس عملية للسودان. ويعقب ذلك خاتمة نقدية تزن الأدلة وتحدد حدودها. وتجدر الإشارة منذ البداية إلى أن الأدلة المتاحة غير متكافئة، فبعضها وثائقي وبعضها شهادات متأخرة تحمل أثر الاستقطاب السياسي، ولذلك يحرص المقال على التمييز بين ما هو مثبت وما هو مرجح وما هو مجرد اتهام متداول، ويعرض اختلاف المصادر في الأرقام كما هو دون ترجيح متعسف.

الفصل الأول: من المصالحة إلى الزنزانة، كيف دخل الإسلاميون انتفاضة ١٩٨٥ شركاء سابقين لنميري وسجناء له في آن واحد

لا يمكن فهم موقع الجبهة الإسلامية القومية في ١٩٨٥ دون العودة إلى مسارها المتعرج مع نظام مايو. فقد نشأ التيار الإسلامي الحديث في السودان في أواخر أربعينيات القرن العشرين في الجامعات والمدارس الثانوية متأثراً بحركة الإخوان المسلمين المصرية، ثم تبلور في الستينيات بقيادة حسن الترابي، المولود في كسلا في ١٩٣٢ والخريج في كلية القانون بجامعة الخرطوم، في إطار جبهة الميثاق الإسلامي التي تولى أمانتها العامة بعد ثورة أكتوبر ١٩٦٤ (Voll, 1991; Lesch, 1998; Sudan Tribune, 2005; GlobalSecurity.org, n.d.). ولم تنل الجبهة في انتخابات ١٩٦٥ إلا نصيباً ضئيلاً من الأصوات، وهي حقيقة تذكّر بأن الإسلاميين لم يكونوا قوة جماهيرية في مرحلتهم الأولى وإنما أقلية نخبوية منظمة (GlobalSecurity.org, n.d.). وحين وصل نميري إلى السلطة بانقلاب ١٩٦٩ حُلّ الحزب الإسلامي وطورد أعضاؤه أو غادروا البلاد، وسُجن الترابي نحو سبع سنوات بحسب بعض السير (Warburg, 2003; Sudan Tribune, 2005).

غير أن فشل المحاولة الانقلابية التي قادها الأنصار والجبهة الوطنية المعارضة في يوليو ١٩٧٦ دفع نميري إلى المصالحة الوطنية في ١٩٧٧، فأُفرج عن نحو ألف معتقل، وأُدمج الصادق المهدي والترابي في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي (Wikipedia, 2026). وفي السنة نفسها قبل نميري مطلباً رئيسياً للإخوان المسلمين هو أن تُبنى قوانين البلاد على الإسلام، فشكّل لجنة خاصة لمراجعة القوانين بما يتفق مع الشريعة (Metz, 1992). وعُيّن الترابي نائباً عاماً في ١٩٧٩ (Human Rights Watch, 2002; Sudan Tribune, 2005)، وأتاح هذا الوجود داخل الدولة للإسلاميين التغلغل في الجهاز الإداري والقضائي والمالي، وساعدهم افتتاح فرع بنك فيصل الإسلامي في السودان، الذي وُصف بأن نحو ستين في المئة من رأسماله الأولي جاء من السعودية، على بناء قاعدة مالية متينة تكافئ الأعضاء الشباب من الخريجين وتمنح التجار المتدينين ائتماناً ميسراً (Wikipedia, 2026; Gallab, 2008; El-Affendi, 1991). وحين أصدر نميري في سبتمبر ١٩٨٣ ما عُرف بقوانين سبتمبر وجعل الشريعة قانون البلاد، فُصل قضاة رفضوا تطبيقها، وكان للترابي دور مؤثر في دعمها، بينما عارضها الصادق المهدي وسُجن في البداية بسبب معارضته (Metz, 1992; Wikipedia, 2026).

لكن العلاقة مع النظام انقلبت إلى صدام في الأشهر الأخيرة من عمره. فقد أعدم نميري في الثامن عشر من يناير ١٩٨٥ المفكر الإسلامي محمود محمد طه زعيم الجمهوريين بتهمة الردة ومعارضة تطبيق الشريعة (Fanack, n.d.; Berridge, 2015)، ثم وُجهت في مارس ١٩٨٥، قبل أسابيع قليلة من سقوط النظام، إلى قيادة الإخوان المسلمين تهمة إثارة الفتنة، وجُرّد الترابي من منصبه وحوكم وسُجن مع غيره من قادة الإخوان (Wikipedia, 2026; GlobalSecurity.org, n.d.). وهذه واقعة بالغة الأهمية لأنها تضعف الفرضية القائلة بأن الجبهة كانت حليفة المؤسسة العسكرية التي أطاحت بنميري، إذ كان الإسلاميون في لحظة الانتفاضة بين ضحايا النظام المباشرين لا بين حلفائه، وإن كانوا قبل ذلك شركاء له قرابة ثماني سنوات. وبعد سقوط نميري حلّ الترابي جبهة الميثاق الإسلامي وأعاد تنظيمها في الجبهة الإسلامية القومية، فصارت الواجهة الرئيسية لتطلعات الإخوان السياسية (GlobalSecurity.org, n.d.; Metz, 1992; Gallab, 2008).

الفصل الثاني: ثلاثة أسابيع غيّرت كل شيء، الانتفاضة المدنية وانحياز الجنرالات في اللحظة الأخيرة

تفجرت الانتفاضة في مارس ١٩٨٥ على خلفية الغلاء والمجاعة والحرب في الجنوب وانهيار الشرعية السياسية بعد قوانين سبتمبر. وقد بدأت الإضرابات في السابع والعشرين من مارس بعد ارتفاع الأسعار، وتوجهت الاحتجاجات إلى مقر التعاونية الخاصة بنميري ومقار البنوك الإسلامية، وأعلن الاتحاد الاشتراكي مظاهرة مضادة في الثاني من أبريل، وهو اليوم نفسه الذي غادر فيه نميري إلى واشنطن بحثاً عن إنقاذ مالي أمريكي، وفي الخامس من أبريل أعلنت قيادة الانتفاضة الخرطوم وغيرها من المدن الكبرى مدناً ميتة ودعت إلى الإضراب العام (de Waal, 2010). وكانت قيادة الانتفاضة نقابية ومهنية في الأساس، تجمعت في إطار تحالف النقابات ثم في التجمع الوطني لإنقاذ الوطن، وضمت أطباء ومحامين ومهندسين وأساتذة جامعات ونقابات عمالية ويسارية وإسلامية معاً (Berridge, 2015).

وفي السادس من أبريل ١٩٨٥ ظهر القائد العام ووزير الدفاع المشير عبد الرحمن سوار الذهب في بيان إذاعي ليعلن عزل نميري وحكومته، وتعليق الدستور، وحل البرلمان والاتحاد الاشتراكي، وتشكيل مجلس عسكري انتقالي (Metz, 1992; Wikipedia, 2026). وكان سوار الذهب قد عُين وزيراً للدفاع في الثالث من مارس ١٩٨٥ بقرار من نميري نفسه، أي أنه كان رأس المؤسسة العسكرية للنظام حتى ساعة سقوطه (Wikipedia, 2026). وبعد ثلاثة أيام أُعلن عن مجلس عسكري انتقالي من خمسة عشر عضواً برئاسة سوار الذهب ونيابة الفريق تاج الدين عبد الله فضل، وكان نميري قد لجأ إلى مصر (Metz, 1992). ويذكر التقرير الأمريكي عن حقوق الإنسان لعام ١٩٨٥ أن القادة العسكريين أقاموا المجلس، وأن الدستور الانتقالي أُقر بعد مشاورات مع الأحزاب السياسية الرئيسية والنقابات (US Department of State, 1986). ويصف سوار الذهب نفسه، في حوار لاحق، تسلمه السلطة بصفته أعلى قادة الجيش وبتنسيق مع قادة الانتفاضة من أحزاب ونقابات (المجلة، د.ت).

ويرى الباحثون أن الجيش تحرك حين أدرك أن انحيازه إلى نميري سيقوده إلى مواجهة مع الشارع قد تفكك المؤسسة نفسها، وأن قيادة الجيش أرادت إنقاذ مؤسستها وحماية نفسها من الحساب أكثر مما أرادت إنجاز تحول ديمقراطي جذري (Berridge, 2015; Newcastle University, 2019). وهذا السياق يحدد ما يمكن أن يُتوقع من المجلس، فهو لم يكن ثورة عسكرية ذات مشروع أيديولوجي، بل قيادة عسكرية مهنية قفزت من سفينة غارقة، ومن ثم فإن البحث عن نفوذ إسلامي منظم داخلها يحتاج دليلاً خاصاً لا يكفي فيه كون الجنرالات متدينين أو محافظين.

الفصل الثالث: ورع الجنرال أم تنظيم الجبهة، كيف يُفرَّق بين الإسلامي والمتدين في سيرة سوار الذهب

يقتضي السؤال عن إسلامية سوار الذهب تفكيك المفهوم نفسه، لأن الخلط بين التدين الشخصي والإسلام السياسي المنظم هو أصل كثير من الالتباس في هذا الجدل. فالإسلامي بالمعنى الذي تستخدمه أدبيات الإسلام السياسي هو من ينتمي إلى حركة منظمة تسعى إلى أسلمة الدولة والمجتمع عبر الدولة، بينما المتدين الملتزم قد يكون محافظاً اجتماعياً وورعاً شخصياً دون أن يكون عضواً في تنظيم أو حاملاً لمشروع سياسي حزبي (Voll, 1991; Lesch, 1998). وقد وصفت الجزيرة سوار الذهب عند وفاته بأنه رجل شديد التدين عُرف بخلقه الرفيع وبإحساسه بالواجب والوطنية (Al Jazeera, 2018). وتشير السير المنشورة إلى أنه ولد في أم درمان في ١٩٣٤ بحسب بعض المصادر وفي الأبيض في ١٩٣٥ بحسب مصادر أخرى، وهو اختلاف في الروايات لم تحسمه المراجع التي اطلع عليها المقال، وأنه التحق بالجيش في ١٩٥٨، وأبعده نميري عن السودان في ١٩٧٢ دون تفسير فعمل مستشاراً لأمير قطر الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، ثم عاد وتدرج إلى قيادة الأركان فوزارة الدفاع (Al Jazeera, 2018; الجزيرة نت، 2016; Wikipedia, 2026).

وما يرجح أن سوار الذهب لم يكن عضواً في التنظيم أن سيرته الرسمية تصفه بالعسكري بلا حزب، وأن المصادر الأكاديمية التي تناولت الانتفاضة لا تضعه بين كوادر الحركة الإسلامية، بل تصفه بأنه قليل الطموح محافظ سياسياً، حاول اللعب على التناقضات بين الأحزاب والمهنيين وبين الجناحين اليساري والإسلامي داخل الحركة المهنية (Newcastle University, 2019). أما ما يدفع إلى الربط بينه وبين المجال الإسلامي فهو مسيرته بعد التقاعد، إذ اعتزل السياسة وتفرغ للعمل الدعوي فترأس مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية، ونال جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام في ٢٠٠٤، وشغل مناصب في هيئات إسلامية عالمية مثل المجلس الإسلامي العالمي للدعوة في القاهرة والهيئة الإسلامية العالمية في الكويت، ونيابة رئاسة ائتلاف الخير في لبنان ومؤسسة القدس الدولية (الجزيرة نت، 2016; مصراوي، 2018). غير أن العمل الدعوي الواسع بعد التقاعد دليل على التوجه الديني لا على الانتماء إلى الجبهة قبل ١٩٨٥، فقد يكون تحولاً لاحقاً لا يصلح مفتاحاً لتفسير قراراته خلال الانتقال، كما أن العمل الدعوي ميدان تشترك فيه تيارات إسلامية عدة ولا يقتصر على الإخوان.

ويلفت الانتباه أن التيار الإسلامي نفسه كثيراً ما استحضر سوار الذهب نموذجاً للجنرال الذي يسلم السلطة، كما فعل الداعية يوسف ندا حين دعا في ٢٠١٤ إلى جنرال مصري على غرار سوار الذهب (نون بوست، 2014)، وهو دليل على الإعجاب بالنموذج لا على الانتماء التنظيمي. ولم يقتصر استحضار الرمز على الإسلاميين، فقد قال الناطق باسم اللجنة السياسية في المجلس العسكري في أبريل ٢٠١٩ إن الحكام الجدد أبناء سوار الذهب، في إشارة إلى رمزيته بوصفه من قاد الانقلاب على نميري وسلم السلطة لحكومة مدنية منتخبة (الجزيرة نت، 2019). وهكذا صار سوار الذهب رمزاً عابراً للتيارات في الذاكرة السياسية السودانية، وهو ما يجعل الحكم على انتمائه أحوج ما يكون إلى الفصل بين الرمز والوقائع.

الفصل الرابع: داخل غرفة المجلس، ما الذي نعرفه عن تركيبته وعن النفوذ المنسوب إلى الإسلاميين وما الذي لا نعرفه

ضم المجلس العسكري الانتقالي خمسة عشر ضابطاً كبيراً من القيادة العامة التي كانت تعمل تحت إمرة نميري، وكان معظمهم من طراز المهنيين العسكريين المحافظين الذين تدرجوا في مؤسسة صاغها نظام مايو (Metz, 1992; Woodward, 1990). ومن أبرزهم نائب الرئيس الفريق تاج الدين عبد الله فضل، المولود في ١٩٣٥ والذي شغل رئاسة أركان الفرقة الأولى وقيادة سلاح المدفعية (Wikipedia, 2026)، ووزير الدفاع الذي خلف سوار الذهب في الثاني والعشرين من أبريل ١٩٨٥ وهو الفريق عثمان عبد الله محمد (Wikipedia, 2026). ولا تذكر المراجع التي اطلع عليها المقال دليلاً موثقاً على انتماء أي منهما إلى الجبهة. غير أن بعض القراءات التحليلية تصف المجلس بأنه جنرالات ذوو ميول إسلامية أطاحوا بنميري وعلّقوا الدستور، وتربط ذلك بمحاولة نميري الأسبق احتواء المتحدين الإسلاميين داخل الجيش وخارجه عبر قوانين سبتمبر (Middle East Research and Information Project, 2012). وهذه القراءة، وإن كانت صادرة عن مركز بحثي رصين، تظل وصفاً عاماً لا يسمّي أسماء ولا يقدم وثائق، ولذلك يعدها المقال قرينة على مناخ أيديولوجي في المؤسسة العسكرية بعد سنوات الأسلمة المايوية لا دليلاً على سيطرة تنظيمية للجبهة.

ومن المهم الفصل بين مستويين من النفوذ المحتمل، الأول هو النفوذ داخل المجلس العسكري ذاته، والثاني هو النفوذ عبر الحكومة المدنية الانتقالية التي أُعلن عنها في الثاني والعشرين من أبريل ١٩٨٥ بقيادة الدكتور الجزولي دفع الله، الذي ظل رئيساً للوزراء حتى السادس من مايو ١٩٨٦، وهو طبيب تخرج في كلية الطب بجامعة الخرطوم في ١٩٥٩ ورأس نقابة الأطباء (Wikipedia, 2026). وتصنيف الجزولي نفسه موضع خلاف يكشف عن إشكال المفهوم الذي ناقشه الفصل السابق، فبينما تصفه مصادر موسوعية بأنه مستقل، تصفه بيريدج بأنه رئيس نقابة الأطباء الإسلامي الذي وافق المجلس بسهولة على تعيينه رئيساً للوزراء بعد أن همّش الأصوات اليسارية في الحركة المهنية (Berridge, 2019; Wikipedia, 2026). ويبدو أن النفوذ الإسلامي الأوضح كان في هذا المستوى الثاني أي المجتمع المهني والنقابي الذي قاد الانتفاضة، لا في الغرفة العسكرية المغلقة، فقد لاحظت بيريدج أن الإسلاميين كانوا فاعلين في الحركة المهنية، وأن سوار الذهب لعب على الانقسام بين اليساريين والإسلاميين فيها (Berridge, 2015; Newcastle University, 2019). وهذا يعني أن المجلس العسكري هو من استفاد من الاستقطاب المهني ورجّح كفة التيار المحافظ فيه، وأن تعيين رئيس وزراء ذي صلة بالتيار الإسلامي يُقرأ على أنه تعبير عن ميزان قوى داخل الحركة المهنية أكثر منه صفقة سرية مع الجبهة.

وتبقى المسألة المنهجية الأصعب، وهي أن غياب الدليل ليس برهاناً على غياب الظاهرة، لأن التنظيم الإسلامي كان يعمل بسرية وتقية في الجيش، كما اتضح من تجربة ١٩٨٩ حين نفذ انقلابه بكوادر من الضباط متوسطي الرتب. ولذلك يصنف المقال الاتهامات المتداولة بأن عدداً من أعضاء المجلس كانوا تابعين للجبهة في خانة الادعاء غير المثبت، مع الاعتراف بأن فتح أرشيف المجلس وشهادات أعضائه وحدهما قادران على حسم المسألة.

الفصل الخامس: استمرارية لا انحياز، قوانين سبتمبر والاقتصاد الإسلامي والمحاسبة الغائبة وغياب الجبهة عن كوكا دام

يستدل بعض المنتقدين على انحياز المجلس إلى الإسلاميين بما لم يفعله، فهو لم يلغ قوانين سبتمبر فور توليه، وترك أمر الشريعة للحكومة المنتخبة، ولم يفكك المؤسسات المالية الإسلامية التي بنت قاعدة الجبهة، وتساهل في المحاسبة على جرائم مايو. وهذه الاستمرارية حقيقية، فقد ذكر التقرير الأمريكي عن عام ١٩٨٥ أن قوانين الشريعة المقررة في ١٩٨٣ بقيت قائمة وأن النظام القضائي ظل يعمل بها، مع أن القيادة الجديدة تبنت خطاباً ديمقراطياً وألغت قوانين حظر الإضراب ورفعت قيود الصحافة (US Department of State, 1986). غير أن تفسيرها لا يقتصر على نفوذ الجبهة، فقد أعلنت الحكومة العسكرية الانتقالية ثم الحكومة المنتخبة بقيادة الصادق المهدي كلتاهما تأييدهما للشريعة مع انتقاد طريقة تطبيقها في عهد نميري، وظل إلغاء قوانين سبتمبر كلياً هدفاً رئيسياً للحركة الشعبية لتحرير السودان التي رفضت إنهاء الحرب قبل تحقيقه (Metz, 1992). وقد قال التحليل المتخصص إن الجنرالات تركوا مسألتي الجنوب والشريعة لجمعية تأسيسية منتخبة تحكم السودان وتصوغ دستوراً جديداً (Middle East Research and Information Project, 2012). وهذا يجعل الاستمرارية تعبيراً عن حذر مؤسسي وتأجيل للقضايا الخلافية أكثر منها دليلاً على خدمة طرف بعينه.

وفي مسألة المحاسبة، كانت المؤسسة العسكرية نفسها متورطة في إدارة الدولة المايوية، فعارضت المحاسبة الشاملة حماية لنفسها، وحافظت على قدر من الاستقرار بتجنب التغييرات الجذرية (Berridge, 2015; Newcastle University, 2019). وقد رأت بيريدج في مقارنة مع ٢٠١٩ أن المجلس العسكري في ١٩٨٥ أشرف على فترة انتقالية استمرت عاماً واحداً فقط، وأن مسار العدالة الانتقالية كان أقل صرامة بكثير مما كان سيحدث لو طالت المرحلة (Berridge, 2019). وهذه المحاسبة المحدودة عادت بالنفع على الجميع من رموز النظام السابق بمن فيهم الإسلاميون الذين شاركوه، لكنها لم تكن ميزة خاصة بهم وحدهم، بل شملت كل رموز مايو من العسكريين والمدنيين.

ويضاف إلى ذلك أن قيادة الجبهة نفسها لم تكن مرتاحة لمسار الانتقال. فقد وقفت الجبهة والحزب الاتحادي الديمقراطي معاً خارج إعلان كوكا دام في مارس ١٩٨٦، الذي وقعته أحزاب وتنظيمات رئيسية أخرى مع الحركة الشعبية لتحرير السودان (Metz, 1992). ويدل هذا الغياب على أن الجبهة لم تكن جزءاً من الإجماع الذي سعى إليه المجلس، وأن علاقتها بمسار الانتقال كانت تنافسية لا تحالفية. ولعل هذا ما جعل المجلس يفشل بحسب الدراسات في بناء إجماع وطني سياسي، ويخفق في حل مشاكل الاقتصاد والسلام في الجنوب والمجاعة التي هددت مساحات واسعة من الجنوب والغرب، في وقت واصل فيه الجيش الشعبي لتحرير السودان ضغطه العسكري في أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية (Metz, 1992; Johnson, 2003; Collins, 2008). وتضيف الدراسة نفسها أن عامل التشرذم الحزبي حال دون ظهور إجماع، وأن الخلافات حول الشريعة والحرب الأهلية ومستقبل البلاد أسهمت في الارتباك الذي ميّز السياسة الوطنية (Metz, 1992).

الفصل السادس: مختبر القاعدة، كيف وُلد قانون الانتخابات بالتشاور مع الأحزاب لا بقرار منفرد من المجلس

يقع جوهر الاتهام بتصميم الانتخابات لصالح الجبهة في قانون الانتخابات ودوائر الخريجين، ولذلك يبدأ تحليله من كيفية ولادة القانون. فبحسب المصادر، قرر المجلس العسكري بعد مناقشات مطولة مع القوى السياسية أن تتألف الجمعية الوطنية من ثلاثمئة وإحدى دوائر، منها ثمان وعشرون دائرة مخصصة للخريجين من خريجي ما بعد الثانوية، والبقية دوائر جغرافية (Wikipedia, 2026; Inter-Parliamentary Union, n.d.). وتذكر المصادر أن بعض أعضاء التجمع الوطني طالبوا بتمثيل خاص لما سُمي القوى الحديثة من نقابيين ومهنيين وجمعيات مزارعين ونساء بما يصل إلى نصف المقاعد، بينما دعا آخرون إلى تعريف أضيق يقصر التمثيل الخاص على الخريجين كما كان الحال في الانتخابات الديمقراطية السابقة، محتجين بارتفاع نسبة الأمية بين السكان (Wikipedia, 2026; Woodward, 1991). وانتهى الأمر إلى الصيغة الضيقة، أي دوائر الخريجين، وهو ما يعني أن المجلس لم يخترع الفكرة ولم يفرضها بإرادته المنفردة، وأن كفتها رجحت في سياق تفاوض مع أحزاب كبرى كان من مصلحتها ألا تُمنح النقابات والمهنيون، وهم القاعدة التنظيمية لليسار وللإسلاميين معاً، نصف مقاعد الجمعية.

وحُدد موعد الاقتراع في التاسع والعشرين من ديسمبر ١٩٨٥ بإجراء على اثني عشر يوماً من الأول إلى الثاني عشر من أبريل ١٩٨٦ لاستيعاب كل الناخبين، وامتدت الحملة الانتخابية نحو شهرين، وخاضها قرابة ألف مرشح من نحو ثلاثين حزباً ينتمون إلى مختلف ألوان الطيف السياسي، بحسب تقرير الاتحاد البرلماني الدولي (Inter-Parliamentary Union, n.d.). وكان المجلس المنتخب جمعية تأسيسية من ثلاثمئة وواحد عضو لأربع سنوات تتولى صياغة دستور جديد وتختار الحكومة (Inter-Parliamentary Union, n.d.). وتشير بعض المراجع إلى أن موظفاً إدارياً كبيراً استُدعي من التقاعد للعمل في لجنة الانتخابات في ١٩٨٦ علّق على ثقافة الخدمة المدنية السائدة، وأن مرشحاً إسلامياً ناجحاً علّق تعليقاً مشابهاً، وهي شهادات تفيد بأن إدارة العملية الانتخابية كانت بيد جهاز الخدمة المدنية المهني لا بيد الجبهة (Willis, n.d.). كما أن تعريف الخريج تغيّر ليشمل كل من أمضى سنتين على الأقل من التعليم ما بعد الثانوي، ونُظمت دوائر الخريجين على أساس إقليمي بدل القومي (Willis, n.d.). وكلها تفاصيل تؤكد أن التصميم الفني للقانون اتسم بالتوسيع المقبول للتعريف أكثر من الانغلاق على فئة بعينها.

الفصل السابع: دوائر الخريجين، إرث ١٩٦٥ الذي استغلته الجبهة بإتقان أكثر مما صنعه المجلس لها

ليست دوائر الخريجين ابتكاراً من المجلس في ١٩٨٥، فقد عرفتها السودان في انتخابات ما بعد ثورة أكتوبر ١٩٦٤، وفاز بجانب كبير منها الحزب الشيوعي والقوى الحديثة في حينه، ثم حاولت حكومة محجوب بعد ذلك حل الحزب وتجريد النواب الشيوعيين من مقاعدهم، فتختلف الروايات في عددهم بين ثمانية مقاعد وأحد عشر مقعداً (Metz, 1992; Wikipedia, 2026; Woodward, 1990). ويعني هذا أن المجلس ورث صيغة قائمة لا صاغها لخدمة الإسلاميين، وأن الفئة نفسها التي استفادت منها في ١٩٦٥ هي نفسها المحسوبة على اليسار، أي أن الأداة لم تكن في جوهرها إسلامية. غير أن عام ١٩٨٦ تغير فيه الميزان الاجتماعي بين الخريجين، فقد كانت الجبهة أكثر القوى تنظيماً بين الشباب المتعلم والطلاب والخريجين، ولها هيمنة على النقابات والاتحادات المهنية والطلابية (Abdelwahid, n.d.; Lesch, 1998).

وقد وضعت الباحثة آن ليش الأمر في سياقه بقولها إن نحو عشرة في المئة من المقاعد خُصصت للخريجين الذين يختارون الدائرة التي يصوتون فيها، وإن الجبهة صاغت استراتيجية متماسكة للفوز بها، وإن تعويض ضعفها في الدوائر الجغرافية جاء من أدائها القوي في دوائر الخريجين (Lesch, 1998). وتبيّن ثغرة محددة، هي أن الخريج المسجل يستطيع بموجب النص أن يختار الدائرة التي يقترع فيها، فشجعت الجبهة المغتربين على التسجيل في دوائر الخريجين الجنوبية، فكسبت بذلك بعض المقاعد بثمن زهيد (Willis, n.d.). وتفيد بعض القراءات التحليلية بأن القانون لم يسمح للسودانيين في المهجر إلا بالتصويت لدوائر الخريجين لا للدوائر الجغرافية، وأن ذلك ساعد الجبهة على توزيع أصواتها بكفاءة وكسب معظم مقاعد الخريجين حتى في الجنوب (African Arguments, 2009). ويذهب صاحب هذه القراءة إلى أن قانون الانتخابات ١٩٨٦ صُمم بضعف عن قصد ليسمح بذلك، وهي دعوى تحتاج إلى دليل وثائقي لم يقدمه، ويقابلها توصيف أكثر حذراً عند باحثين آخرين رأوا في الأمر استغلالاً ذكياً لنص قائم لا تصميماً مسبقاً (Willis, n.d.).

وتتباين المصادر في عدد ما فازت به الجبهة من دوائر الخريجين، فتقدمه بعض الدراسات بثلاثة وعشرين مقعداً من ثمانية وعشرين، منها أحد وعشرون في الشمال ومقعدان في الجنوب، وهو ما تؤيده أطروحة جامعية عن صعود الحركة الإسلامية وجدول في دراسة ليش، بينما تذكر دراسة أخرى أحداً وعشرين من ثمانية وعشرين (Abdelwahid, n.d.; Lesch, 1998; Willis, n.d.). ويرجح المقال الرقم الأول لأنه يتفق مع حاصل الجمع المعروف للمقاعد الكلية، أي ثمانية وعشرين مقعداً جغرافياً وثلاثة وعشرين مقعداً للخريجين تساوي واحداً وخمسين، كما تؤيده الأرقام الأولية التي نشرتها الصحافة الدولية في أثناء الفرز (Christian Science Monitor, 1986; Wikipedia, 2026). وفي الوقت نفسه توزعت المقاعد الخمسة الباقية في دوائر الخريجين على الشيوعيين وأحزاب وقوى أخرى (Lesch, 1998). وتجدر الإشارة إلى أن الجبهة، بحسب جدول منشور، نالت أقل من أربعين في المئة من أصوات دوائر الخريجين الشمالية لكنها حصدت أغلبية ساحقة من مقاعدها، وهي ظاهرة تقليدية في نظام الأغلبية البسيطة تضخم حصة من يتصدر ويشتت من دونه (Wikipedia, 2026; Reynolds, 2005).

الفصل الثامن: الأرقام تتكلم، أصوات متناسبة تقريباً ومقاعد مضخّمة في الخريجين وحزب اتحادي ضحية تشتته

أسفرت الانتخابات عن فوز حزب الأمة بقيادة الصادق المهدي بنحو مئة مقعد من أصل مئتين وستين مقعداً جرى شغلها، وجاء الحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني في المرتبة الثانية بثلاثة وستين مقعداً، وجاءت الجبهة الإسلامية القومية ثالثة بواحد وخمسين مقعداً (Wikipedia, 2026; Metz, 1992). وتتفاوت المصادر تفاوتاً طفيفاً، فبعضها يذكر تسعة وتسعين مقعداً لحزب الأمة وأربعة وستين للاتحادي (Metz, 1992)، ويتفق المصدران على الترتيب الثلاثي. وقد بلغ عدد الناخبين المسجلين نحو خمسة ملايين وتسعمئة وسبعين ألفاً، وبلغ المقترعون نحو ثلاثة ملايين وتسعمئة وخمسين ألفاً بنسبة إقبال بلغت نحو ست وستين في المئة (Wikipedia, 2026). وانقسمت المقاعد المشغولة إلى مئتين واثنتين وثلاثين دائرة جغرافية وثمانٍ وعشرين دائرة للخريجين، بينما أُرجئ الاقتراع في واحد وأربعين دائرة جنوبية من أصل ثمانٍ وستين دائرة في الجنوب لأسباب أمنية، أي ما يقارب ستين في المئة من دوائر الجنوب، فقد منع الجيش الشعبي لتحرير السودان الاقتراع في أكثر من نصف الدوائر الجنوبية (Inter-Parliamentary Union, n.d.; Central Intelligence Agency, n.d.; Christian Science Monitor, 1986).

ويكشف حساب بسيط، بناءً على الأرقام المنشورة، عن حقيقة مهمة. فبحسب بيانات الأصوات المنشورة، نال حزب الأمة نحو ٣٨٫٤ في المئة من الأصوات وحصل على نحو ٣٨٫٥ في المئة من المقاعد المشغولة، ونال الاتحادي نحو ٣٠٫٦ في المئة من الأصوات لكنه حصل على نحو ٢٤٫٢ في المئة فقط من المقاعد، ونالت الجبهة نحو ١٨٫٥ في المئة من الأصوات وحصلت على نحو ١٩٫٦ في المئة من المقاعد (Wikipedia, 2026). أي أن حصة الجبهة من المقاعد زادت عن حصتها من الأصوات بنحو نقطة مئوية واحدة، بينما خسر الاتحادي أكثر من ست نقاط، فالضحية الأكبر لنظام الأغلبية والدوائر هي الحزب الاتحادي الديمقراطي لا الأحزاب الأخرى. وقد لاحظت دراسات الانتخابات أن الاتحادي، الذي حصل على عدد من الأصوات قريب من حزب الأمة، حصد مقاعد أقل بكثير بسبب سوء الانضباط الحزبي الذي ترك لأعضائه حرية واسعة في الترشح في الدوائر، فتفتت أصواته (Willis, n.d.; Sudan Tribune, n.d.). أما الجبهة، فتشير المصادر إلى أنها عرفت أن لا تقدم أكثر من مرشح واحد في كل دائرة وأن تدير شبكة من تنظيمات الشباب والنساء لضمان أقصى قدر من التسجيل والمشاركة بين أنصارها (Wikipedia, 2026).

وتضيف التفاصيل صورة أدق لأثر دوائر الخريجين. فالجبهة نالت ثمانية وعشرين مقعداً من اثنين وثلاثين ومئتين في الدوائر الجغرافية، أي نحو اثني عشر في المئة منها، وهو موقع ثالث لا ينافس على الصدارة، ثم رفعت دوائر الخريجين حصتها الإجمالية إلى نحو عشرين في المئة من المقاعد، لأن ثلاثة وعشرين مقعداً من ثمانية وعشرين تشكل نحو اثنين وثمانين في المئة من مقاعد الخريجين، وهي مقاعد تشكل نحو أحد عشر في المئة من المشغول من الجمعية، ونحو خمسة وأربعين في المئة من إجمالي مقاعد الجبهة (Abdelwahid, n.d.; Christian Science Monitor, 1986). ولم تغيّر هذه الدوائر ترتيب الأحزاب، فقد بقيت الجبهة ثالثة، لكنها غيّرت حجم الكتلة التي تفاوض بها وتعارض بها داخل الجمعية. وتقدّر وكالات الاستخبارات الأمريكية أن أداء الجبهة القوي في المرتبة الثالثة يعكس تفوقها في القيادة والتنظيم والتمويل (Central Intelligence Agency, n.d.). وتقدر ليش أن حزب الأمة نال نحو تسعة وثلاثين في المئة من المقاعد، وأن الاتحادي نال نحو أربعة وعشرين في المئة، وأن الجبهة نالت نحو عشرين في المئة، وأن أحزاب الجنوب والنوبة والبجا والشيوعيين مجتمعة لم تتجاوز سبعة عشر في المئة (Lesch, 1998).

الفصل التاسع: ما وراء النص القانوني، التنظيم والتمويل وتفتت الاتحاديين وقصر المدة وجنوب بلا اقتراع

لا يفسر القانون وحده ما حدث، فهناك عوامل أخرى أسهمت في النتيجة. أولها التنظيم والتمويل، فقد قامت قوة الجبهة، بحسب الأدبيات، على قاعدة من المتعلمين الحضريين والطلاب والتجار الإسلاميين، وعلى الموارد التي راكمتها في عهد مايو عبر البنوك الإسلامية، وعلى كوادرها المنتشرة في النقابات والاتحادات (Gallab, 2008; El-Affendi, 1991; Abdelwahid, n.d.). وقد رأت بعض القراءات أن الدعم الذي حظي به الإسلاميون في ظل نميري كان أحد الأسباب الرئيسية لقوة تنظيمهم وموارد حملتهم في ١٩٨٦ (African Arguments, 2009)، وأن أغلب مكاسبهم تحققت في المدن، حيث فاز قادة بارزون بمقاعد في الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري، بينما أخفق الترابي نفسه في دائرته الجغرافية (African Arguments, 2009; Wikipedia, 2026). وتؤكد دراسة معمقة للانتخابات السودانية أن الجبهة فازت بهذا العدد من المقاعد ببساطة لأن عدداً كبيراً من الناس صوّتوا لها، فتقييم نصيبها من الأصوات لم يكن أسوأ كثيراً من نصيب الأمة والاتحادي (Willis, n.d.).

وثانيها قصر المدة. فقد وعد سوار الذهب بإجراء الانتخابات بعد عام، وهو تعهد قليل من الناس صدقه في بلد أنهكته الحرب الأهلية (Al Jazeera, 2018). وقد وفّى بالوعد وسلم السلطة في السادس من مايو ١٩٨٦ إلى حكومة منتخبة برئاسة الصادق المهدي وإلى مجلس سيادة برئاسة أحمد الميرغني (الجزيرة نت، 2016; Metz, 1992). ويُحسب هذا الوفاء للمجلس عند من يرون فيه نموذجاً نادراً في العالم العربي، وقد وصفته وسائل إعلام عربية بأنه الرئيس العربي الذي سلم السلطة للمدنيين (الجزيرة نت، 2016; عربي بوست، 2019). غير أن قصر المدة له وجه آخر، فقد ضيق الوقت المتاح للأحزاب لإعادة بناء هياكلها، وقد كتبت ليش أن الأحزاب لم يتح لها الوقت الكافي لإعادة تجميع صفوفها لأن النظام الانتخابي الجديد وعودة الأحزاب جرى في أقل من عام، فاستفادت الجبهة المنظمة، واستفاد الأمة والاتحادي أيضاً لأن لهما شبكات من الأتباع الدينيين في الريف (Lesch, 1998). ولاحظ محللون أن انتخابات ١٩٨٦ هيمنت عليها القوى نفسها التي هيمنت على الحقبة البرلمانية السابقة (Berridge, 2019)، ما يعني أن العام الانتقالي لم يتح بروز قوى جديدة. وفي المقابل ينبه آخرون إلى أن إطالة الفترة كانت ستمنح المجلس العسكري وقتاً أطول لتثبيت نفوذه (Berridge, 2019).

وثالثها غياب الجنوب. فبقاء أكثر من أربعين دائرة جنوبية بلا اقتراع يعني أن الجمعية التأسيسية غابت عنها قطاعات واسعة من الجنوبيين، وأن ثقل الشمال المتعلم الذي يدعم الجبهة ازداد نسبياً، وقد قدّمت دراسات حالة السودان هذا الغياب بوصفه عاملاً هيكلياً في تحديد خريطة الفرز السياسي بعد ١٩٨٦ (Johnson, 2003; Collins, 2008). وكل هذه العوامل مستقلة عن قصد المجلس، فهي من طبائع انتقال قصير في بلد حرب، ولذلك لا تصلح بحد ذاتها دليلاً على التصميم المتعمد.

الفصل العاشر: فرضيات ثلاث في ميزان الأدلة، تصميم متعمد أم استفادة غير مقصودة أم تفاعل بين الاستمرارية وفضاء الحرية

تتنافس في تفسير النتائج ثلاث فرضيات رئيسية. الفرضية الأولى هي فرضية التصميم المتعمد، وتقول إن المجلس العسكري، بإيحاء من نفوذ الإسلاميين داخله أو بتعاطف معهم، صاغ قانوناً انتخابياً يعطيهم ميزة، وتتجلى هذه الميزة في دوائر الخريجين وقواعد التصويت. وتجد هذه الفرضية صدى في بعض الكتابات الجدلية التي تتهم المجلس بخدمة الجبهة وإجهاض التغيير الجذري، وفي القراءة التي ترى في ضعف قانون ١٩٨٦ شرطاً أُريد له أن يسمح بما حدث (African Arguments, 2009; African Arguments, 2010). لكنها تفتقر إلى الدليل الوثائقي الذي يثبت أن واضعي القانون قصدوا هذه النتيجة، ويصطدم بحقيقة أن القانون نتج عن تشاور مع الأحزاب الكبرى، وأن النتائج وضعت الجبهة ثالثة بنحو خمس المقاعد، وأن الحزب الأكثر تضرراً من النظام كان الاتحادي لا الأمة، فضلاً عن أن مقترح تخصيص نصف المقاعد للقوى الحديثة، وهو الأنفع للتنظيمات المهنية التي كانت الجبهة فاعلة فيها، لم يُعتمد (Wikipedia, 2026; Woodward, 1991).

والفرضية الثانية هي فرضية الاستفادة غير المقصودة، وتقول إن الإطار الانتخابي كان موروثاً من تقاليد ما بعد أكتوبر، وإن الجبهة استفادت منه بفضل تفوقها التنظيمي لا بفضل تصميمه. وتتسق هذه الفرضية مع أن الدوائر الخاصة بالخريجين وُجدت قبل الانتفاضة بعقدين، ومع أن الجبهة كانت أفضل قوة منظمة وأكثرها تمويلاً بين الخريجين (Woodward, 1990; Gallab, 2008; Lesch, 1998). ويدعمها أن قيادة الجبهة نفسها كانت قبل أسابيع قليلة من الانتفاضة معتقلة، فلم يكن بوسعها التأثير في صياغة قانون لاحق من داخل السجن (GlobalSecurity.org, n.d.).

والفرضية الثالثة هي فرضية التفاعل بين الاستمرارية المؤسسية وفضاء الحرية، وتجمع ما سبق، فتقول إن المجلس لم يتعمد خدمة الجبهة لكنه ترك لها المجال بالامتناع عن تفكيك الأطر التي بنت قوتها في عهد مايو، وبإبقاء ثغرة تسجيل الخريجين والمغتربين دون سد، ثم أتاح فتح الحياة الحزبية في فترة قصيرة ميزة لمن كان منظماً أصلاً. فقد لاحظت دراسات الانتقال أن الأحزاب التقليدية التي حرمت من النشاط العلني ستة عشر عاماً لم تكن مهيأة تنظيمياً، بينما كانت الجبهة التي عملت علناً في السنوات الأخيرة من مايو الأفضل استعداداً (Berridge, 2015; Woodward, 1990; Lesch, 1998). ويبدو هذا التفسير الأقرب إلى منطق الأدلة المتاحة، لكنه يظل تفسيراً مرجحاً لا يقيناً، لأن الفرق بين الإهمال المتعمد والإهمال العفوي في سد ثغرة قانونية لا يمكن إثباته دون وثائق المداولات.

الفصل الحادي عشر: ما كشفه ١٩٨٩ وما تقوله النظرية، فصعود الجبهة الثالث ثم الانقلاب يختبران الفرضيات والتجارب المقارنة تضيف أدوات للتصميم

تقدم السنوات التالية اختباراً غير مباشر للفرضيات. فقد أثبتت الجبهة أنها قادرة على التغلغل في المؤسسة العسكرية بشكل منظم، فبعد أن كانت ثالثة في البرلمان استعانت بكوادر من الضباط متوسطي الرتب في الجيش، ونفذت انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩ بقيادة العميد عمر البشير وتخطيط الترابي، وأخفت الدور الإسلامي بتمثيلية اعتقال الترابي نفسه (Gallab, 2008; Egypt Independent, 2019). وجاء هذا الانقلاب حين بدا أن الحكومة المنتخبة تتجه إلى اتفاق سلام مع الحركة الشعبية، فقد وقّع الحزب الاتحادي الديمقراطي اتفاقاً معها في نوفمبر ١٩٨٨ عارضته الجبهة، ووقع الانقلاب قبل أربع وعشرين ساعة من اجتماع كان مقرراً لمجلس الوزراء للنظر في مشروع قانون يلغي قوانين سبتمبر بعد أن وقّع الصادق المهدي في التاسع والعشرين من يونيو أمراً بتعليقها (Metz, 1992; Middle East Research and Information Project, 2012; Wikipedia, 2026). وهذا يعني أن الجبهة حين أرادت السلطة لم تحتج إلى مجلس عسكري صديق، بل صنعت مجلسها العسكري بنفسها من أدنى السلم، ما يرجح أنها لم تكن تملك في ١٩٨٥ نفوذاً مماثلاً داخل قيادة الجيش العليا. وبعد الانقلاب استُبدل عشرات الآلاف من الموظفين بكوادر الجبهة ومناصريها وبدأ برنامج الأسلمة الذي طالما خُطط له (Abdelwahid, n.d.)، ما يؤكد استراتيجية الأسلمة من أعلى عبر التغلغل في جهاز الدولة والجيش والنظام المالي (Gallab, 2008; El-Affendi, 1991).

وتقدم أدبيات التحول الديمقراطي إطاراً مفيداً لفهم الحالة. فالانتقالات التي يقودها ضباط مهنيون تميل إلى ما سماه هنتنغتون التحول من أعلى حين تقود النخب الحاكمة نفسها العملية وتحدد سقفها، وتسعى المؤسسة العسكرية فيها إلى حماية مصالحها وتجنب المحاسبة، وتقبل انتخابات سريعة شريطة ألا تهدد وضعها (Huntington, 1991; O’Donnell, 1986; Berridge, 2015). وهذا يفسر لماذا كان المجلس قليل الرغبة في المحاسبة الشاملة وكثير الاهتمام بتسليم سريع. كما تشير أدبيات الانتخابات التأسيسية الأولى بعد الحكم السلطوي إلى أن الأحزاب الأكثر تنظيماً والأوفر موارد تحقق مكاسب غير متناسبة في الانتخابات الأولى المتعجلة، سواء قصد واضعو القواعد ذلك أم لم يقصدوا (O’Donnell, 1986; Linz, 1996). وهذه الفكرة تفسر أداء الجبهة دون الحاجة إلى افتراض مؤامرة.

وعلى مستوى الممارسات المبتكرة، يمكن لدول الانتقال أن تتجنب هذه المعضلة باعتماد نظام انتخابي يخفف أثر الدوائر الفردية، كالتمثيل النسبي أو القوائم المختلطة، لأن نظام الأغلبية البسيطة يضخم حصة الحزب المتصدر في الدوائر الصغيرة ويعاقب الأحزاب المتشتتة كما حدث للاتحادي (Reynolds, 2005). وبتحصين لجنة الانتخابات استقلالاً، وبتخصيص وقت كاف لإعادة بناء الأحزاب، وبمراجعة صارمة لقواعد التسجيل والتصويت الخاصة بالمهجر والفئات. ومن التجارب المقارنة اعتماد تونس في ٢٠١١ التمثيل النسبي بطريقة أكبر البواقي لتخفيف هيمنة أي حزب على المجلس التأسيسي. وقد سبق أن ناقشت أدبيات تصميم الأنظمة الانتخابية في السودان مسألة حجم الدائرة والتمثيل النسبي بوصفها مفتاحاً لمرحلة ما بعد الحرب (Woodward, 1990; Lesch, 1998).

الفصل الثاني عشر: دروس عملية للسودان بعد الحرب، من خبرة ١٩٨٥ إلى تصميم انتقال أكثر عدالة

تقدم تجربة ١٩٨٥–١٩٨٦ دروساً قابلة للتنفيذ في سودان ما بعد الحرب الحالية. أولها أن الفصل بين التدين الشخصي للقادة العسكريين والانتماء التنظيمي ضروري لتفادي الاتهامات المرسلة، وأن بناء الثقة يتطلب شفافية في تركيبة أي مجلس انتقالي وفي صلات أعضائه الحزبية، فقد بقي الجدل حول إسلامية المجلس معلقاً عقوداً لغياب الوثائق والشهادات المدققة (Berridge, 2019; Newcastle University, 2019). وثانيها أن عدم محاسبة رموز النظام السابق قد يخدم الجميع في المدى القصير لكنه يترك الباب مفتوحاً لعودة القوى التي نشأت في كنفه، ولذلك ينبغي تصميم عدالة انتقالية تقوم على معايير معلنة تنطبق على الجميع. وثالثها أن قواعد الانتخاب الأولى ينبغي أن تُصاغ بمشاركة واسعة وأن تمر بمراجعة مستقلة، وأن تخضع دوائر الفئات الخاصة والمهجر لاختبار الأثر على التوازن قبل اعتمادها، وأن تُسد ثغرات التسجيل التي يستغلها الأكثر تنظيماً. ورابعها أن مدة الانتقال ينبغي أن توازن بين الحاجة إلى الاستقرار والحاجة إلى إتاحة وقت لإعادة بناء الأحزاب المدنية بعد سنوات القمع.

وخامسها أن مراقبة اختراق الجيش بالتنظيمات الحزبية السرية يجب أن تكون جزءاً من إصلاح المؤسسة العسكرية، لأن التجربة أثبتت أن هذا الاختراق قد ينتهي بانقلاب يهدم الديمقراطية كلها (Gallab, 2008; Metz, 1992). وسادسها أن التجربة ١٩٨٥ تحذر من تكرار الأخطاء في أي مقارنة مع المجالس العسكرية اللاحقة، فقد لاحظت بيريدج أن الأصوات الإسلامية داخل التجمع المهني في ٢٠١٩ أقل بكثير مما كانت عليه في ١٩٨٥، وأن الجيش اليوم قد يخشى من الانتقال الديمقراطي أكثر مما خشيه في ١٩٨٥، وأن فترة انتقالية أطول ستعني عدالة انتقالية أشد صرامة (Berridge, 2019). وسابعها أن الذاكرة السياسية تحتاج إلى حذر في استخدام الرموز، فقد استدعى المجلس العسكري في ٢٠١٩ رمز سوار الذهب لتبرير شرعيته (الجزيرة نت، 2019)، بينما الدرس الأعمق في تجربة ١٩٨٥ هو أن تسليم السلطة وحده لا يكفي ما لم تُحَل معه قضايا المحاسبة والسلام وهندسة القواعد.

الخاتمة النقدية

يخلص المقال إلى أن الأدلة المتاحة لا تسمح بالتأكيد على أن المجلس العسكري الانتقالي كان أداة بيد الجبهة الإسلامية القومية، ولا بنفي أي أثر للإسلاميين فيه نفياً قاطعاً. فمن جهة، لا يوجد دليل موثق على أن سوار الذهب كان عضواً في التنظيم، وتصفه المراجع بالعسكري المستقل المحافظ المتدين، وهو ما يضعه في خانة الإسلامي الثقافي أو الاجتماعي بالمعنى الواسع لا الإسلامي التنظيمي، وإن بقيت إمكانية وجود ضباط آخرين متعاطفين غير مثبتة وغير منفية، وتشير بعض القراءات الرصينة إلى جنرالات ذوي ميول إسلامية دون تسمية. ومن جهة أخرى، كان الإسلاميون في لحظة الانتفاضة معتقلين لا حاكمين، ما يضعف فرضية أنهم صنعوا المجلس، لكن النفوذ الأوضح تجلى في الحركة المهنية وفي رئاسة الحكومة المدنية الانتقالية بحسب بعض التوصيفات.

وأما الانتخابات فقد جاءت نتائجها بالجبهة ثالثة بواحد وخمسين مقعداً، أي نحو خمس المقاعد المشغولة، بنسبة قريبة جداً من نصيبها في الأصوات، مع تضخيم محدود نتيجة فوزها بثلاثة وعشرين مقعداً من ثمانية وعشرين في دوائر الخريجين الموروثة من ١٩٦٥، ما يرجح أن الجبهة استفادت من إطار قائم وتفوقها التنظيمي والمالي، واستغلت ثغرة تسجيل الخريجين والمغتربين بإتقان، أكثر مما استفادت من هندسة متعمدة. وقد جاء القانون ثمرة مشاورات مع قوى سياسية متعددة، ورُفض فيه مقترح تمثيل القوى الحديثة بنصف المقاعد، والضحية الأكبر لتشتت الأصوات كان الاتحادي لا الأمة، وأخفق زعيم الجبهة نفسه في دائرته. ومع ذلك فإن قواعد التسجيل الخاصة بالمغتربين تستحق فحصاً وثائقياً أدق لتحديد من اقترحها وهل قُصد أثرها.

ويحمل هذا الاستنتاج حدوده. فالمقال يعتمد في جانب منه على مصادر ثانوية وصحفية وتحليلية، وبعضها غير مؤرخ، وتتباين فيه الأرقام بين المصادر في عدد مقاعد الأحزاب وفي عدد مقاعد الخريجين التي نالتها الجبهة، ولم يتمكن من الاطلاع على محاضر المجلس العسكري ولا على وثائق لجنة الانتخابات ولا على شهادات كاملة لأعضائه، وهي مصادر تحتاج إليها أي دراسة حاسمة. كما أن الاستقطاب السياسي يلقي بظله على الروايات المتبادلة، فخصوم الجبهة يميلون إلى تضخيم تأثيرها، ومناصروها يميلون إلى تقليله. ولذلك تبقى الحاجة قائمة إلى أبحاث أرشيفية وشفهية تفتح ملفات المجلس واللجنة القومية للانتخابات، وإلى مقارنة قانون ١٩٨٦ بقانون ١٩٦٥ فقرة فقرة. وإلى أن يتحقق ذلك، فإن الجواب الأدق عن أسئلة المقال أن نفوذ الجبهة المنظم داخل المجلس غير مثبت، وأن إسلامية سوار الذهب التنظيمية غير مثبتة، وأن الانتخابات لم تُصمم بدليل موثق لصالح الجبهة لكنها جرت في ظروف أفادت الأكثر تنظيماً، وأن الدرس الأهم يكمن في بنية الانتقال القصير غير المحاسِب وفي ثغرات القواعد لا في نوايا شخص بعينه.

المراجع

المراجع الإنجليزية

  1. Abdelwahid M. The rise of the Islamic movement in Sudan, 1945–1989 [dissertation] [Internet]. Auburn (AL): Auburn University; [date not stated] [cited 2026 Oct 23].
  2. African Arguments. Sudan’s election’s arithmetic [Internet]. 2009 Apr [cited 2026 Oct 23].
  3. Al Jazeera. Sudan: former President Abdulrahman Siwar al-Dahab dies aged 83 [Internet]. 2018 Oct 18 [cited 2026 Oct 23].
  4. Berridge W. Civil uprisings in modern Sudan: the ‘Khartoum Springs’ of 1964 and 1985. London: Bloomsbury; 2015.
  5. Berridge W. Transitional Military Councils from 1985 to 2019: why the intransigence today? [Internet]. Newcastle: Newcastle University; 2019 Jun [cited 2026 Oct 23].
  6. Central Intelligence Agency. [Sudan’s return to parliamentary government: declassified assessment] [Internet]. Washington (DC): CIA Freedom of Information Act Electronic Reading Room; [date not stated] [cited 2026 Oct 23].
  7. Christian Science Monitor. Voting in Sudan shows sympathy for Libya. Americans were evacuated as election results were tallied [Internet]. 1986 Apr 21 [cited 2026 Oct 23].
  8. Collins RO. A history of modern Sudan. Cambridge: Cambridge University Press; 2008.
  9. de Waal A. Sudan: the Intifada jubilee [Internet]. African Arguments; 2010 Apr [cited 2026 Oct 23].
  10. Egypt Independent. [Report on Sudanese Islamists and the military council after al-Bashir’s ouster] [Internet]. 2019 May [cited 2026 Oct 23].
  11. El-Affendi A. Turabi’s revolution: Islam and power in Sudan. London: Grey Seal; 1991.
  12. Fanack. 1986 uprising and Islamic coup [Internet]. [date not stated] [cited 2026 Oct 23].
  13. Gallab AA. The first Islamist republic: development and disintegration of Islamism in the Sudan. Aldershot: Ashgate; 2008.
  14. GlobalSecurity.org. Hassan Abdallah al-Turabi [Internet]. [date not stated] [cited 2026 Oct 23].
  15. Human Rights Watch. Biography of Hassan al Turabi [Internet]. New York: Human Rights Watch; 2002 [cited 2026 Oct 23].
  16. Huntington SP. The third wave: democratization in the late twentieth century. Norman (OK): University of Oklahoma Press; 1991.
  17. Inter-Parliamentary Union. Sudan: elections of 1 to 12 April 1986 [Internet]. Geneva: Inter-Parliamentary Union; [date not stated] [cited 2026 Oct 23].
  18. Johnson DH. The root causes of Sudan’s civil wars. Oxford: James Currey; 2003.
  19. Lesch AM. The Sudan: contested national identities. Bloomington: Indiana University Press; 1998.
  20. Linz JJ, Stepan A. Problems of democratic transition and consolidation: Southern Europe, South America, and post-communist Europe. Baltimore (MD): Johns Hopkins University Press; 1996.
  21. Metz HC, editor. Sudan: a country study. 4th ed. Washington (DC): Library of Congress; 1992 [cited 2026 Oct 23].
  22. Middle East Research and Information Project. Sudanese echoes [Internet]. 2012 Dec [cited 2026 Oct 23].
  23. Newcastle University. Comment: Sudan can avoid past mistakes [Internet]. Newcastle: Newcastle University Press Office; 2019 Apr [cited 2026 Oct 23].
  24. O’Donnell G, Schmitter PC. Transitions from authoritarian rule: tentative conclusions about uncertain democracies. Baltimore (MD): Johns Hopkins University Press; 1986.
  25. Reynolds A, Reilly B, Ellis A. Electoral system design: the new International IDEA handbook. Stockholm: International Institute for Democracy and Electoral Assistance; 2005.
  26. Sudan Tribune. Profile: Hassan Turabi, Sudan Islamic leader [Internet]. 2005 Jun 30 [cited 2026 Oct 23].
  27. Sudan Tribune. The DUP: tragedies and farces [Internet]. [date not stated] [cited 2026 Oct 23].
  28. US Department of State. Country report on human rights practices for 1985: Sudan [Internet]. Washington (DC): US Department of State; 1986 [cited 2026 Oct 23].
  29. Voll JO, editor. Sudan: state and society in crisis. Bloomington: Indiana University Press; 1991.
  30. Warburg G. Islam, sectarianism and politics in Sudan since the Mahdiyya. London: Hurst; 2003.
  31. Wikipedia. 1986 Sudanese parliamentary election; Transitional Military Council (1985); Abdel Rahman Swar al-Dahab; Abdullah Fadl; Al-Jazuli Daf’allah; National Reconciliation (Sudan); National Islamic Front; Democratic Unionist Party (Sudan) [Internet]. 2026 [cited 2026 Oct 23].
  32. Willis J, el-Battahani A. Elections in Sudan: learning from experience [Internet]. London: Rift Valley Institute; [date not stated] [cited 2026 Oct 23].
  33. Woodward P. Sudan 1898–1989: the unstable state. Boulder (CO): Lynne Rienner; 1990.
  34. Woodward P, editor. Sudan after Nimeiri. London: Routledge; 1991.

المراجع العربية

  1. الجزيرة نت. سوار الذهب.. رئيس عربي سلم السلطة للمدنيين [الإنترنت]. موسوعة الجزيرة؛ 2016 [تاريخ الوصول 23 أكتوبر 2026].
  2. الجزيرة نت. “نحن أبناء سوار الذهب”.. حكام الخرطوم يتحدثون عن الفساد والاعتقالات ومصير البشير [الإنترنت]. 2019 أبريل 12 [تاريخ الوصول 23 أكتوبر 2026].
  3. عربي بوست. الرئيس العربي الوحيد الذي سلم السلطة للمدنيين.. ماذا تعرف عن سوار الذهب خامس رؤساء السودان؟ [الإنترنت]. 2019 أبريل 11 [تاريخ الوصول 23 أكتوبر 2026].
  4. المجلة. المشير عبد الرحمن سوار الذهب: نعيش ربيع الأمة [الإنترنت]. [تاريخ النشر غير مذكور] [تاريخ الوصول 23 أكتوبر 2026].
  5. مصراوي. تعرف على الرئيس السوداني الأسبق سوار الذهب [الإنترنت]. 2018 أكتوبر 18 [تاريخ الوصول 23 أكتوبر 2026].
  6. نون بوست. من يكون سوار الذهب الذي تحدث عنه يوسف ندا؟ [الإنترنت]. 2014 أبريل 21 [تاريخ الوصول 23 أكتوبر 2026].

Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
من خرج من كوبر بعد مسرحية اعتقاله من انقلاب هو مخططه هل يمكن لنا ان نصدقه. بقلم: النعمان حسن
كبسولات في وجه العاصفة : رسالة رقم [ 147 ]
منبر الرأي
الاعْتِرافُ لَيْسَ دَائِمَاً .. سَيِّدَ الأَدِلَّة!  .. بقلم/ كمال الجزولي
الأخبار
حلقة “شباب توك” من السودان تتحول لقضية رأي عام .. تهديدات بالقتل بعد بث حلقة “شباب توك” من الخرطوم
منبر الرأي
الخالدون ثلاثة في تأريخ السودان الحديث وأفضلهم حمدوك. .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

لا لنظارة الشايقية .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان جدله

محمد الحسن محمد عثمان
منبر الرأي

يا حمدوك ….. دي زراعة دقندي .. بقلم: شوقي بدري

شوقي بدري
منبر الرأي

لو كان يجمعكم حب لغرته !! … بقلم: العبيد أحمد مروح

العبيد احمد مروح
منبر الرأي

في تجليات محنتنا السودانية البشيرية .. بقلم: د. عبدالوهاب الأفندي

د. عبد الوهاب الأفندي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss