سواء في إطار التحركات الخارجية الأخيرة أو بعيدًا عنها، فإن الحرب ستنتهي، بإذن الله، وسنُقبل على انتقال جديد يتطلب أن نضع بعض النقاط على حروف التجربة الانتقالية الماضية والمقبلة.
-1-
ليس هناك عاقل يحب وطنه ويتمنى له التخلص من قبضة الانقاذيين، يقف ضد إجراءات ومطلوبات التحول الديمقراطي التي نصت عليها الوثيقة الدستورية. وليس هناك عاقل يحب وطنه ويرجو له الخير، يسكت عن انتقاد الأخطاء التي لازمت تطبيق تلك الوثيقة، وبما يتناقض مع شعارات الثورة َوكل القيم السامية التي نادت بها. فالموقف الوطني المبدئي لا يُختزل في التأييد الأعمى، بل في النقد البنّاء الذي يحافظ على أهداف الثورة ويصون تضحيات الشهداء.
لذلك، يجب علينا أن نتبنى المواقف المبدئية بعيدًا عن مشاعر الكراهية أو المحبة. علينا أن نواجه الأخطاء والتجاوزات بمكيال واحد، أيًّا كان مرتكبها. فلا يصح أن نغض الطرف عنها بدافع الزمالة أو الصداقة أو غيرها، ثم نتصدى لها عندما تقع من الآخرين، بدافع الخصومة والكراهية، فنقع في فخ ازدواج المعايير ونفقد الحياد الأخلاقي.
-2-
لا شك في انعدام الشرعية الدستورية للسلطة الانقلابية القائمة، وما يترتب عليه من بطلان كافة قراراتها ومخرجاتها، بما في ذلك حكومتها المدنية. غير أن الواقع المعيشي القاسي الذي يرزح تحته المواطن، يفرض التعامل العملي مع حكومة الأمر الواقع، بغرض توفير الحد الأدنى من الأساسيات العاجلة: الكهرباء، المياه، الأمن، الصحة، والتعليم.
مع التأكيد على أن حكومة الأمر الواقع، بشرعيتها المنعدمة، ليست معنيّةً بمهام الانتقال؛ إذ لا يُعقل أن يتولى النظام الشمولي، الذي أسقطته الثورة، مسؤولية التمهيد لتحوّل ديمقراطي، وهو المعنيّ بإزالة تمكينه، ومحاربة فساده، وردّ مظالمه، ومحاسبة جرائمه
-3-
التوافق الوطني يعني إزالة الخلافات بين كل القوى الحريصة على الانتقال الديمقراطي ونبذ الصراعات الحزبية والفكرية، بالقدر الذي يحقق مرحلة انتقالية هادئة ومستقرة، وقادرة على تحقيق مهامها، بما في ذلك إعادة بناء الدولة في منشآتها وإنسانها ومفاهيمها.
لذلك، ينبغي أن يشمل التوافق الوطني حتى الإسلاميين، إذا اعترفوا بالأخطاء، وتحمل المسؤولية عنها، والتزموا بمبادئ ومهام الانتقال الديمقراطي دون التفاف، بما يضمن إزالة التمكين، والتحول إلى حزب سياسي مدني يلتزم بالدستور، بعيدًا عن استغلال الدين في السياسة، والخضوع لعدالة انتقالية سودانية يتم التوافق عليها.
-4-
حمايةً للتجربة الديمقراطية في مرحلة الانتقال وما بعدها من التحرش الخارجي، علينا تبنّي ديمقراطيةٍ هادئة، خاليةٍ من الصخب والضجيج والمظاهر، تقوم على العمل الجاد في صمت، واحترام الخصوصية الوطنية لكل الشعوب، وتجنُّب الخطاب العدائي، والتعاون والانفتاح تجاه جميع الدول.
نحترم ثقافات الشعوب، ومجتمعاتها الأبوية، وأنظمة حكمها، إدراكًا لتنوّع التجارب واختلاف المسارات. فالديمقراطية ليست غايةً نتباهى بها، بل وسيلةً لتحقيق رفاهية الشعوب من خلال العدالة، والمشاركة، وحماية الحقوق. وتُصبح بلا معنى إذا لم تؤدِّ إلى ازدهار ورفاهية حياة الناس.
-5-
لقد أتاحت الحرب للكثيرين فرصة السفر إلى الخارج والاطلاع على ما عليه حال الدول والشعوب من تطور وتقدم في مختلف المجالات. ولعلنا الأن نُدرك أننا نقبع في المؤخرة من حيث السلوك والعمران، والتطور، والازدهار الاقتصادي. ورغم ذلك، نحن الأعلى صوتا في التفاخر بالذات، والثورات، والديمقراطية، وبرموز تاريخية لم نحسن التعلم منهم.
لذلك، نحن بحاجة ماسّة إلى التواضع وأن نسمو فوق ذواتنا، وننشد إلى فترة انتقالية يعمل فيها الجميع بصدق، وإخلاص، وصمت، كلٌّ في موقعه، بعيدًا عن التناحر السياسي، والتجاذبات الحزبية أو الفكرية، وبعيدًا عن التشهير وتسجيل المكاسب الشخصية أو الحزبية.
والله المستعان،،
aabdoaadvo2019@gmail.com
عبد القادر محمد أحمد/المحامي
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم