باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 26 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
أ.د. أحمد محمد أحمد الجلي
أ.د. أحمد محمد أحمد الجلي عرض كل المقالات

نماذج إصلاحية في تاريخ الاسلام ( 3-5)

اخر تحديث: 25 سبتمبر, 2026 9:49 صباحًا
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم
نماذج إصلاحية في تاريخ الاسلام ( 3-5)
بعض جوانب الاصلاح في مشروع ابن تيمية الاصلاحي
أ.د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
يُعد مشروع ابن تيمية الاصلاحي(661–728هـ / 1263–1328م)، من أبرز المشاريع الإصلاحية في التاريخ الإسلامي، لأنه لم يكن إصلاحًا جزئيًا في مجال واحد، بل محاولة شاملة لإعادة بناء الفكر الديني والاجتماعي والسياسي للأمة في زمن اشتدت فيه الأزمات،وبرزت فيه الاختلافات. وقد جاء مشروعه في سياق أزمة حضارية عميقة أعقبت سقوط بغداد سنة 656هـ، وتراجع الخلافة العباسية، وانتشار الغزو المغولي، وتعدد الانقسامات المذهبية، وانتشار كثير من الممارسات الدينية التي كان ينظر اليها على أنها انحراف عن أصول الإسلام.وقد ظهر مشروعه في مرحلة تاريخية صعبة صاحبت تفكك العالم الإسلامي، وانتشار الجمود الفقهي والصراعات الفكرية.ويمكن فهم مشروعه الإصلاحي من خلال عدة جوانب رئيسية:
. -1 الإصلاح العقدي (تصحيح التوحيد): كان ابن تيمية يرى أن العقيدة الإسلامية دخلتها عناصر ليست من الإسلام، ومن ثم ركز على إعادة مركزية التوحيد الخالص في حياة المسلمين،فنقد الممارسات التي رأى أنها تمس صفاء التوحيد مثل: غلو الصوفية في الأولياء،وشيوع الاستغاثة بالأموات،وبعض مظاهر التبرك بهم وطلب الوساطة والشفاعة منهم،،والتأويل الكلامي لصفات الله ،فنادى ابن تيمية بالعودة إلى القرآن والسنة في فهم العقيدة،ورفض التأويل الكلامي والفلسفي المعقد للنصوص الدينية،وقد كان هدفه أن تصبح العقيدة مصدرًا لتحرير الإنسان من التبعية والخرافة.
2-الإصلاح الفقهي: لم يكن ابن تيمية مجرد ناقد للتراث الفقهي، بل حاول تجديد الفقه ليصبح أكثر ارتباطًا بالواقع،ومن أهم أفكاره: مراعاة مقاصد الشريعة،والاهتمام بالمصالح والمفاسد،وتقديم روح الشريعة على الجمود على ظاهر النصوص. ومن الكتب التي تعكس هذا الاتجاه في فقهه “مجموعة الفتاوى”. و ذهب الى انه لا يوجد مذهب معصوم، فالإمام مالك و الشافعي و أحمد ليسوا حجة بذاتهم، بل الحجة هي القرآن والسنة.ومن عباراته المشهورة:كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ.وكان يدعو العلماء إلى:النظر في الدليل،وعدم التعصب للمذهب،وهذا من أهم الإصلاحات الفكرية في عصره. كما نقد التقليد الأعمى للمذاهب الفقهية،ودعا الى إحياء الاجتهاد،وإعادة الاعتبار للنصوص الشرعية كمصدر أساسي للمعرفة.وقد تجلى ذلك في كتابه الشهير:”درء تعارض العقل والنقل “،حيث حاول فيه إزالة التعارض الذي تصوره بعض المتكلمين بين العقل والنقل.
3-إلإصلاح السياسي: كان لابن تيمية تصور واضح لعلاقة الدين بالسلطة،كما بين في كتابه ” السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية”.ومن أهم أفكاره في مجال السياسة: رؤيته أن: وجود الدولة ضرورة شرعية، واورد العبارة المشهورة: ” ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان ،والتجربة تبين ذلك” كما أكد على ضرورة إقامة العدل،و حماية الحقوق،ومنع الظلم، وكلها تقع ضمن مسؤولية الحاكم. وكان يرى أن:غاية الدولة تحقيق مصالح الناس ،وضرورة قيام الدولة على العدل،وتاكيده على أن العدل أساس الحكم ، والظلم سبب فساد الدولة والمجتمع.وفي هذا السياق اشتهرت عنه العبارة:إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة . ومسؤولية العلماء هي نصح السلطة ومحاسبتها،فالعلماء لا يملكون سلطة دينية مطلقة، كما ان الحاكم لا يملك سلطة سياسية مطلقة، ، وكلاهما مقيد بالكتاب والسنة والعدل والمصلحة.وقد عاصر ابن تيمية حكم التتار ، وعاش زمن الغزو المغولي، وكان له موقف واضح في تعبئة الأمة لمواجهتهم ، ومن أبرز مواقفه: أن:الدفاع عن بلاد المسلمين واجب ،واصدر فتاواه بجهاد المغول وقتالهم وقتلهم ،رغم إعلانهم الإسلام لأنهم لم يلتزموا بالشريعة، ومن أشهر نصوصه في مجموع الفتاوى (المجلد 28)، كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم وغيرهم؛ فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه.”وهذا النص هو أكثر النصوص استشهادًا.وقال أيضًا:فهؤلاء القوم الذين يقدمون حكم الياسق على حكم الله ورسوله يجب قتالهم.”ورد هذا المعنى في فتاوى ماردين، كما جاء في مجموع الفتاوى، وفي كتاب السياسة الشرعية بمعناه العام. .
وكان المغول قد دخلوا الإسلام، ولا سيما منذ إسلام السلطان محمود غازان (694هـ/1295م)، لكنهم ظلوا يحكمون بإرثهم القانوني المعروف بـالياسق (الياسة)، وهو قانون منسوب إلى جنكيز خان، إلى جانب بعض أحكام الشريعة الإسلامية.وقد أصبحت هذه الفتوى من أكثر النصوص نقاشًا في العصر الحديث، إذ يختلف الباحثون حول مدى قابلية تطبيقها خارج سياقها التاريخي المتربط بالمغول. و الأساس الذي بنى عليه فتواه، لم يكن مجرد أنهم “لم يطبقوا الشريعة” بالمعنى المتداول اليوم، وإنما استند إلى عدة أمور مجتمعة، أهمها:اعتداؤهم على بلاد المسلمين،و قتلهم للمسلمين وسبيهم،و استمرارهم في الحكم بقوانين الياسق في كثير من القضايا، وعدم التزامهم الكامل بما يراه من لوازم الدولة الإسلامية. فهو لم يقل-كا فهم البعض- إن كل من خالف بعض أحكام الشريعة يجب قتاله، وإنما كان يتحدث عن سلطة حاكمة محاربة. فابن تيمية في فتواه لا يتحدث عن:أفراد يعصون،أو حكام يقعون في بعض المخالفات. وإنما عن:جماعة ذات شوكة تمتنع عن تنفيذ حكم شرعي ظاهر بعد قيام الحجة عليها، ولها قوة تمنع بها تنفيذ الشريعة. ولهذا شبّههم في بعض المواضع بقتال أبي بكر رضي الله عنه لمانعي الزكاة.
4-إصلاح العلاقة بين العقل والنقل :في عصره كان الصراع شديدًا بين:الفلاسفة، والمتكلمين،والطائقتين والمحدثين. وألّف في ذلك كتابه الضخم:درء تعارض العقل والنقل، وفيه حاول إثبات أن:العقل الصريح لا يمكن أن يعارض النقل الصحيح.فإذا وقع التعارض:فإما أن يكون العقل غير صريح، أو يكون فهم النص غير صحيح. وهذا يعد من أهم محاولات إعادة بناء نظرية المعرفة الإسلامية.كما انتقد المدارس الكلامية مثل:الأشاعرة،و المعتزلة،والفلاسفة. ورأى أنهم:تأثروا بالمنطق اليوناني. وأدخلوا مباحث فلسفية معقدة في العقيدة. واقترح العودة إلى منهج القرآن في الاستدلال،اما التصوف فإنه لم يرفضه كله-كما شاع عنه-.بل فرّق بين:التصوف السني الذي عبر عنه أئمة مثل:الجنيد بن محمد البغدادي( ت297ه) وعبد القادر الجيلاني ( . 470 – 561 هـ/1077-1165م) ،وبين التصوف الفلسفي الذي تمثل في وحدة الوجود،والحلول،و الاتحاد. وانتقد بشدة أفكار محيي الدين ابن عربي( 560- 638 ه) في وحدة الوجود، بينما أثنى على بعض أعلام الزهد والتصوف الذين التزموا بالكتاب والسنة. ولم يكن ابن تيمية ضد العلوم العقلية بإطلاق،بل درس:المنطق والفلسفة والكلام والرياضيات،ولهذا ألف:الرد على المنطقيين ،ولم يكن هدفه إلغاء العقل بل تصحيح استعماله.
5- الإصلاح الاجتماعي: سعى ابن تيمية إلى إصلاح المجتمع من الداخل،عبرمقاومة البدع المنتشرة، فانتقد الخرافات،و الشعوذة،و السحر وحارب الفساد الأخلاقي،ودعا إلى إحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان يرى أن إصلاح المجتمع شرط لإصلاح الدولة،ونهى عن استغلال العامة باسم الدين. ودعا إلى:التعليم،ونشر السنة،و الإصلاح الأخلاقي.ويذهب ابن تيمبة الى ان صلاح المجتمع يبدأ بإصلاح الإنسان، وإصلاح الإنسان يبدأ بإصلاح العلم النافع الذي يقود إلى العمل، والذي يحقق مصلحة الناس.والعلم النافع في نظره-يقوم على الدليل والبرهان، ورفض التقليد الأعمى،ونبذ التعصب للمذاهب،وعدم الاكتفاء بحفظ المتون دون فهمها.وطالب بالعودة الى المصادر الأصلية من القرآن الكريم والسنة النبوية، وفهم السلف. ولم يقصد إلغاء التراث، وإنما تحريره من الجمود. وإنما تحرير المعرفة من الجمود.ولهذا كان يقول:لا يجوز جعل أقوال الأئمة بمنزلة النصوص،ودعا الى فتح باب الاجتهاد ،واعتبر أن الأمة لا يمكن أن تتجدد إذا أغلق باب الاجتهاد. ولهذا انتقد:الجمود المذهبي،و تقليد المتأخرين، واحتكار الفتوى، و,يرى أن العالم يجب أن يكون:معلماً مصلحاً ناصحاً للحاكم قريباً من الناس وليس مجرد حافظ للنصوص.
ومن اجل إصلاح المجتمع ركز ابن تيمية على اصلاح القضاء وهو من أهم أبواب الإصلاح عنده،فاهتم باستقلال القاضي ،وأكد أن القاضي يجب أن يحكم:بالعدل،و بالدليل،و دون خوف من السلطان، ولذلك انتقد تدخل الحكام في القضاء، وكان يطالب بسرعة البت في القضايا ،والفصل في الخصومات ـ،ورأى أن:تأخير العدالة ظلم،ودعا الى مكافحة فساد القضاء وحارب:الرشوة،والمحاباة،واستغلال النفوذ،والمساواة بين الجميع أمام القضاء ،وان لا يفرق بين،الأمير،والعالم،و الغني. والفقير،فالكل سواء أمام القضاءكما دعا الى مرونة الإثبات من ،وخالف بذلك بعض الفقهاء الذين قصروا الإثبات على:شاهدين. أو الإقرار. وقال:يجوز للقاضي الاعتماد على:القرائن،و الأمارات،و الخبرة،وشهرة الحال، إذا أوصلت إلى الحق. ولهذا يعده كثير من الباحثين من أوائل من وسع مفهوم الإثبات القضائي.لان الغاية تحقيق مقاصد العدالة وإن المقصود من القضاء:إظهار الحق،وليس مجرد الالتزام الحرفي بالإجراءات.ولهذا كان يقدم:العدل ،على الشكليات.
6-. إصلاح الاقتصاد: يعد ابن تيمية من أكثر فقهاء الإسلام حديثاً عن الاقتصاد العملي.ويتضح ذلك خصوصاً في:السياسة الشرعية الحسبة مجموع الفتاوى، وأكد أن الدولة مسؤولة عن تنظيم الأسواق،ومن ثم منع الغش منع الاحتكار ،وامر بضبط الموازين ومنع التلاعب بالأسعار ورأى أن السوق لا يترك للفوضى. اما التسعير فقد ميز بين حالتين تتدخل في احداهما الدولة إذا كان ارتفاع الأسعار بسبب الاحتكار ،اوالتواطؤ،و الظلم، فإن للدولة أن تتدخل بالتسعير العادل اما إذا كان السعر طبيعياً فلا يجوز للدولة التدخل،وهذه الرؤية تعد قريبة من فكرة تنظيم المنافسة في الاقتصاد الحديث.وفي ما يتعلق بحماية المستهلك، فقد أكد ابن تيمية ضرورة صدق التجار ،وبيان العيوب فيما يغرضون من سلع ،ومراقبة الأسواق منعا للغش, وقد اوكل للمحتسب المسؤولية عن ذلك. اما بخصوص الضرائيب فلم يرفض الضرائب على اطلاقها بل ربط فرض الضرائيب بحاجة الدولة إلى المال. فاذا لم تكف الزكاة، لتحقيق المصالح العامة، جاز فرض أموال إضافية بشروط، أهمها:العدالة،و الحاجة،والمصلحة العامة، وعدم الظلم،ويعد هذا من أكثر آرائه تقدماً. اما لتنمية الاموال فقد شجع الإنتاج واعتبر ،الزراعة والصناعة و التجارة المباحة عبادة،يؤجر الانسان عليها، ورفض احتقار العمل اليدوي.ولمكافحة الفساد المالي حارب:الرشوة ،والاحتكار ،والغش، وأكل المال بالباطل،و استغلال النفوذ من اجل الكسب الحرام.
7-الإصلاح الحضاري (مواجهة الانحطاط):عاش ابن تيمية في زمن أزمة حضارية، لذلك كان مشروعه محاولة لإحياء الأمة بعد الصدمة الحضارية،فركز على استعادة الثقة بالمرجعية الإسلامية،وإعادة بناء الوعي الديني الصحيح،ومقاومة الذوبان الحضاري.,ويمكن القول إن مشروع ابن تيمية كان مشروعًا إصلاحيًا شاملاً يقوم على أربعة محاور كبرى: تصحيح العقيدة،وتحرير العقل من الجمود والتقليد،وتجديد الفقه وربطه بالواقع،وإصلاح العلاقة بين الدين والمجتمع والسلطة،ولهذا ظل تأثيره ممتدًا في كثير من الحركات الإصلاحية اللاحقة و الحركات السلفية المختلفة. إن فلم يكن مشروع ابن تيمية الإصلاحي مشروعًا عقديًا وفقهيًا فحسب، بل كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا شمل إصلاح التربية والتعليم، والاقتصاد، والقضاء، والسياسة الشرعية. ولم تُصغ تلك الإصلاحات في صورة “برنامج موحد” كما في العصر الحديث، وإنما جاءت مبثوثة في كتبه ورسائله وفتاواه، خاصة في كتاب السياسة الشرعية، والحسبة في الإسلام، ومجموع الفتاوى، ورفع الملام عن الائمة الاعلام.
أثّر مشروع ابن تيمية الاصلاحي في الحركات الإسلامية الحديثة:
يُعدّ أحمد بن تيمية من أكثر علماء الإسلام تأثيرًا في العصر الحديث، ليس لأن أفكاره انتقلت كما هي، بل لأن تيارات متعددة، بل ومتعارضة أحيانًا، أعادت قراءة تراثه وانتقت منه ما يوافق رؤيتها. ،ويُعدّ مشروعه أحد المشاريع الفكرية الاصلاحية التي اثرت في تشكيل وعي الحركات الإسلامية الحديثة، سواء في جانب إحياء الدين وإصلاح المجتمع، أو في جانب الصراع مع السلطة والواقع السياسي، ويمكن فهم هذا التأثير عبر عدة مستويات فكرية وتاريخية.
أولاً: إعادة مركزية النص الديني:من أهم معالم مشروع ابن تيمية الاصلاحي دعوته للعودة إلى القرآن والسنة وفهم السلف بوصفه مرجعية عليا،وقد شكّل هذا المبدأ الأساس الفكري لعدد من الحركات الإسلامية الحديثة، مثل حركة الإصلاح التي قادها محمد عبده، وجماعة الاخوان المسلمين التي اسسها الشيخ حسن البنا ،ثم لاحقًا الحركات السلفية المختلفة.وتمثل جهده في:الدعوة إلى تنقية الدين من البدع والخرافات،ونقد التقاليد الدينية التي تراكمت عبر القرون،وإعادة الاعتبار للاجتهاد بدلاً من الجمود الفقهي.وهذا الاتجاه يظهر بوضوح في كتابات رشيد رضا الذي تأثر كثيرًا بابن تيمية ونشر أفكاره في مجلة المنار.
ثانياً: فكرة الإصلاح الديني والاجتماعي:كان مشروع ابن تيمية مشروعًا إصلاحياً شاملاً، لا يقتصر على الفقه-كما أشرنا- بل يمتد إلى:العقيدة،والأخلاق،والسياسة،وبنية المجتمع.وقد رأى أن إصلاح العقيدة شرط لإصلاح المجتمع،، المفهوم الذي أصبح محورًا رئيسيًا لدى حركات مثل:جماعة الإخوان المسلمين التي تبنت فكرة إصلاح الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الدولة.
ثالثاً: العلاقة بين الدين والسياسة:أعاد ابن تيمية طرح فكرة أن الدين لا ينفصل عن السياسة، وهو ما ظهر في كتابه السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية.وقد أثّر هذا التصور في كثير من الحركات الإسلامية الحديثة التي رأت أن:الإسلام ليس مجرد شعائر،بل نظام شامل للحياة.ومن هنا نشأت فكرة الدولة الإسلامية في الفكر الحديث، خصوصًا عند:أبو الأعلى المودودي،وسيد قطب،وغيرهم من المفكرين الاسلاميين المعاصرين.
رابعاً: مفهوم مقاومة الظلم والسلطة المنحرفة:عاش ابن تيمية في زمن اضطراب سياسي كبير، خصوصًا أثناء غزو المغول، وصدرت عنه فتاوى معروفة تتعلق بقتالهم رغم إعلانهم الإسلام،كما اشرنا اعلاه،وهذه الفتاوى أثّرت في بعض الحركات الإسلامية الحديثة التي استندت إلى أفكاره في:نقد الأنظمة السياسية أو شرعنة المقاومة.لكن هنا أحدث تبايناً كبيراً في الفهم،فبعض الحركات فهمت مشروعه في إطار الإصلاح السلمي والدعوي،بينما قرأت جماعات أخرى نصوصه في سياق المواجهة والصراع المسلح.
ومن أبرز المشروعات المعاصرة التي تأثرت بمنهجه الاصلاحي :
أولاً: المشروع السلفي الإصلاحي:يُعد ابن تيمية المرجعية الكبرى للتيار السلفي الحديث، وقد ظهر هذا الاثر بوضوح في دعوة:محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية،ومن خلال هذه الدعوة انتشرت أفكار ابن تيمية في العالم الإسلامي، وأصبحت جزءًا من الخطاب السلفي المعاصر،كما في مدرسة جمال الدين الافغاني ومحمد عبده،ورشيد رضا،وجماعة الاخوان المسلمين. يُعد هذا أكثر المشروعات ارتباطًا بابن تيمية.ومن أبرز أعلامه بعد محمد بن عبد الوهاب، محمد رشيد رضا ،وعبد العزيز بن باز، ومحمد ناصر الدين الألباني، ومحمد بن صالح العثيمين ،وقد تأثر هؤلاء جميعا بابن تيمية ومنهجه في:العودة إلى القرآن والسنة،و نقد التقليد المذهبي،ومحاربة البدع والخرافات،و الاهتمام بالعقيدة،و اعتماد النصوص الشرعية أساسًا للإصلاح. لكنهم لم يتبنوا جميع آرائه؛ بل ركزوا على جانب العقيدة أكثر من فلسفته الاجتماعية والسياسية.
ثانياً: المشروع السلفي العلمي:وهو المشروع المنتشر اليوم في كثير من الدول الإسلامية،ويركز على: التعليم الشرعي،و تصحيح العقيدة،و تحقيق كتب التراث،و علم الحديث،و الدعوة. ويعد ابن تيمية وابن قيم الجوزية المرجعين الأكبرين لهذا الاتجاه.
ثالثاً: المشروع السلفي الحركي:ظهر في القرن العشرين.ومن أبرز رموزه: بعض تيارات الصحوة الإسلامية،الذين استفادوا من ابن تيمية في:مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،ومقاومة الظلم،و إصلاح المجتمع،و مسؤولية الأمة، لكنهم مزجوا ذلك بأفكار سياسية حديثة لم يعرفها ابن تيمية.
رابعاً: الحركات الإسلامية السياسية:مثل:جماعة الإخوان المسلمين وبعض الحركات الإسلامية المعاصرة في آسيا وأفريقيا،وهذه لم تعتمد ابن تيمية مرجعًا وحيدًا، لكنها استفادت من: افكاره حول مفهوم الشريعة،والإصلاح الديني،و العلاقة بين الدين والدولة،و مسؤولية العلماء، غير أن الإخوان تأثروا أيضًا بمدارس أخرى مثل أبي الأعلى المودودي وحسن البنا وسيد قطب، ولذلك لا يصح اعتبارهم امتدادًا مباشرًا لابن تيمية.
خامساً: التيارات الجهادية:وهنا يجب التفريق بين الاستفادة من بعض نصوص ابن تيمية وبين الالتزام بمنهجه كاملاً.بعض الجماعات مثل:تنظيم القاعدة ،وتنظيم الدولة الإسلامية ،استندت إلى بعض فتاوى ابن تيمية، خصوصًا:فتاوى التتار. أحكام القتال. الولاء والبراء. لكن معظم الباحثين في الفكر الإسلامي يرون أن هذه الجماعات:اقتطعت النصوص من سياقها. عممت أحكامًا خاصة على وقائع مختلفة. أغفلت الشروط والقيود التي وضعها ابن تيمية في مسائل التكفير والقتال. ولذلك فإن نسبة منهج هذه الجماعات إلى ابن تيمية محل خلاف واسع بين الباحثين
سادساً: مشروعات تجديد الفكر الإسلامي:الغريب أن بعض المفكرين المعاصرين من غير السلفيين اهتموا بتراث ابن تيمية وأعادوا قراءة افكاره، مثل:محمد إقبال ، ومالك بن نبي، وطه عبد الرحمن ،مع اختلاف كبير معه.ورأوا فيه:تحرير العقل المسلم من الجمود. فتح باب الاجتهاد،ونقد المنطق الصوري،والجمع بين العقل والنقل.
سابعاً: الدراسات الأكاديمية الغربية:اهتم كثير من الباحثين الغربيين بابن تيمية باعتباره شخصية محورية في تاريخ الفكر الإسلامي، ودرسوا:نظريته في المعرفة،و نقده للفلسفة والمنطق،وفقهه السياسي،وموقفه من التصوف،و منهجه في تفسير القرآن. وفي هذه الدراسات لا يُنظر إليه بوصفه مجرد رمز للسلفية، بل باعتباره مفكرًا ذا إنتاج واسع ومتعدد الجوانب.
سادساً: الإشكالية في توظيف فكره:رغم قوة مشروع ابن تيمية،إلا أن تأثيره في الحركات الحديثة لم يكن موحدًا،بل انقسم إلى ثلاثة اتجاهات:اتجاه إصلاحي تجديدي
استلهم منه منهج العودة للنص والاجتهاد،واتجاه سلفي تقليدي
ركّز على العقيدة ومحاربة البدع،واتجاه حركي أو جهادي وظّف بعض فتاواه في الصراع السياسي،وهذا يدل على أن فكر ابن تيمية أصبح مخزونًا فكريًا واسعًا تستخدمه اتجاهات مختلفة بطرق متباينة.
تقييم مشروعه الإصلاحي يرى عدد من الباحثين أن مشروع ابن تيمية تميز بعدة خصائص:
نقاط القوة:ربط الإصلاح بالكتاب والسنة مع الدعوة إلى الاجتهاد. مقاومة الجمود المذهبي.
اهتمامه بالإصلاح المؤسسي، لا الوعظ الفردي فقط. تطويره لفقه السياسة الشرعية والحسبة. رؤيته الواقعية للاقتصاد والأسواق. توسيعه لوسائل الإثبات القضائي بما يخدم العدالة.
حدوده وسياقه التاريخي:صيغت أفكاره في سياق دولة مملوكية ومجتمع من القرن السابع والثامن الهجري، لذلك لا يمكن نقلها إلى الدولة الحديثة دون مراعاة اختلاف المؤسسات والقوانين. بعض آرائه محل نقاش بين الفقهاء، كما أن تطبيقاته العملية ارتبطت بظروف عصره، خاصة في مواجهة الغزو المغولي والأزمات السياسية.
خلاصة:يمكن القول إن مشروع ابن تيمية أسهم في تشكيل الحركات الإسلامية الحديثة عبر ثلاث أفكار مركزية:العودة إلى النص الديني وتنقية العقيدة،وربط الإصلاح الديني بإصلاح المجتمع والسياسة،وإحياء روح الاجتهاد ومواجهة الجمود،ولكن تأثيره لم يكن واحدًا؛ فقد أعادت كل حركة قراءة تراثه بما يتناسب مع رؤيتها للواقع. وأن مشروع ابن تيمية الإصلاحي لم يكن مشروعًا عقديًا وفقهيًا فحسب، بل كان مشروعًا حضاريًا متكاملًا شمل إصلاح التربية والتعليم، والاقتصاد، والقضاء، والسياسة الشرعية. إلا أن هذه الإصلاحات لم تُصغ في صورة “برنامج حكومي” كما في العصر الحديث، وإنما جاءت مبثوثة في كتبه ورسائله وفتاواه، خاصة في كتاب السياسة الشرعية، والحسبة في الإسلام، ومجموع الفتاوى، ورفع الملام ،فالتعليم عنده يقوم على العلم النافع والاجتهاد، والاقتصاد على العدل ومنع الظلم وحماية السوق، والقضاء على تحقيق الحق لا مجرد التقيد بالشكليات، والحكم على الأمانة والكفاءة وتحقيق المصلحة العامة. لذلك يرى عدد من مؤرخي الفكر الإسلامي أن ابن تيمية لم يكن مجرد فقيه أو متكلم، بل صاحب مشروع إصلاحي واسع ترك أثرًا عميقًا في النقاشات اللاحقة حول التجديد والإصلاح في العالم الإسلامي.
بسم الله الرحمن الرحيم
نماذج إصلاحية في تاريخ الاسلام (4-5)
بديع الزمان سعيد النورسي( 1876 – 1960م)، وحركته الاصلاحية وابعادها
يُعَدّ بديع الزمان النورسي أحد أبرز رواد الإصلاح الإسلامي في تركيا خلال القرن العشرين، وقد نشأت حركته الإصلاحية في سياق تاريخي بالغ الصعوبة تمثل في انهيار الدولة العثمانية وقيام الجمهورية التركية الحديثة بقيادة مصطفى كمال اتاتورك (1881 – 1938 م) ،حيث اتجهت الدولة الجديدة إلى تبنّي مشروع علماني صارم حاول إقصاء الدين عن المجال العام. في هذا السياق ظهرت جهود النورسي بوصفها محاولة لإعادة بناء الإيمان والوعي الإسلامي بوسائل فكرية وتربوية عميقة.
تطور الفكر الإصلاحي للنورسي: يقسم الباحثون حياة النورسي إلى ثلاث مراحل:
1– سعيد القديم : وشهدت هذه المرحلة أواخر الدولة العثمانية وفيها ركز النورسي اهتمامه بالإصلاح السياسي والدستوري،ومن ثم دعا إلى:إحياء الشورى،وإصلاح الدولة العثمانية،و الجمع بين الإسلام والحرية،وإصلاح التعليم. وفي هذه المرحلة شارك في الحياة العامة، ودافع عن الدستور العثماني باعتباره وسيلة للحد من الاستبداد.
2- سعيد الجديد . وقد اتسمت هذه المرحلة التاريخية بانهيار الدولة العثمانية، إلغاء الخلافة 1924) إم )،و إغلاق المدارس الدينية والزوايا،و استبدال الحروف العربية باللاتينية،و منع التعليم الديني الحر، وفرض علمانية صارمة على المجتمع، وصعود القومية التركية، وقيام الجمهورية الكمالية التي تبنت مشروعًا علمانيًا جذريًا استهدف تقليص حضور الدين في المجال العام وإخضاعه للدولة .
3- سعيد الثالث :بعد الحرب العالمية الثانية خفّف النظام التركي شيئًا من القيود، وقد أدرك النورسي أن العالم الإسلامي يواجه أزمة حضارية عميقة تتجاوز مجرد الاحتلال العسكري، وأن أصل الأزمة يكمن في ضعف الإيمان نواضطراب العلاقة بين الدين والعلم ، و لم يؤسس النورسي حزبًا سياسيًا، ولم يقُد ثورة مسلحة، ولم يدخل في مواجهة مباشرة مع النظام بعد سقوط الخلافة ،بل تغيّر منهجه جذريًا،وتوصل إلى أن:المشكلة الحقيقية ليست فقدان الدولة الإسلامية، وإنما فقدان الإيمان.ولهذا ترك السياسة تقريبًا، وتفرغ لبناء الإنسان.وأصبحت أولوياته:تقوية العقيدة،وتفسير القرآن،ومواجهة الإلحاد،و إعادة بناء الشخصية الإسلامية، ومن هنا بدأت كتابة رسائل النور،ونشرها .ولم تلبث رسائل النور،ان إنتشرت بصورة أوسع.وأصبحت الحركة تمتلك آلاف التلاميذ دون أن تتحول إلى تنظيم سياسي.
وفيما يلي عرض لأهم أبعاد حركة النورسي الإصلاحية:
أولاً: البعد الفكري والعقدي:ركز النورسي على إصلاح الإيمان باعتباره أساس أي إصلاح اجتماعي أو سياسي. وقد رأى أن أخطر ما يواجه المسلمين في العصر الحديث، ليس الاحتلال العسكري فقط، بل ضعف اليقين الديني نتيجة انتشار المادية والإلحاد.لذلك ألّف موسوعته الشهيرة:”رسائل النور”،وهي مجموعة من الرسائل التي تهدف إلى:إثبات وجود الله بالعقل والنظر في الكون، كما عكف على شرح حقائق الإيمان بأسلوب منطقي معاصر،والرد على الفلسفات المادية والإلحادية،وإحياء العلاقة الروحية بين الإنسان والقرآن.وكان يرى أن العلم والإيمان لا يتعارضان، بل إن العلوم الحديثة يمكن أن تكون دليلاً على عظمة الخالق.
ثانياً: البعد التربوي:اعتمد النورسي منهجًا تربويًا يقوم على:تكوين الإنسان المؤمن الواعي،وتربية الأفراد قبل بناء التنظيمات،ونشر التعليم الديني خارج المؤسسات الرسمية ، وكان النورسي يعتقد أن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح القلب والعقل، وليس من السيطرة على السلطة.وفي ظلال هذه المدرسة نشأت حركة النور التي قامت على حلقات قراءة رسائل النور، والتي انتشرت بين الطلاب والمثقفين في تركيا رغم التضييق السياسي، و تمثل رسائل النور العمود الفقري للحركة،وتضم أكثر من 6000 صفحة.ومن أشهر أجزائها:الكلمات .المكتوبات. اللمعات. الشعاعات. وهي ليست تفسيرًا تقليديًا للقرآن، وإنما تفسير موضوعي يركز على:الإيمان،و السنن الكونية،و علاقة العلم بالدين،و الرد على الفلسفة المادية.
ثالثاً: البعد الحضاري:رأى النورسي أن أزمة المسلمين ليست دينية بل حضارية،فقد اعتبر أن المسلمين تأخروا لأنهم فصلوا بين:علوم الدين،وعلوم العصر،لذلك دعا إلى مشروع تعليمي يجمع بينهما، وأطلق فكرة جامعة سماها:مدرسة الزهراء”وهي جامعة تجمع بين:العلوم الشرعية،والعلوم الحديثة ،والتربية الروحية، ورأى أن الفصل بين الدين والعلم هو أصل الأزمة ،وكان يرى أن هذا النموذج سيعيد التوازن الحضاري للأمة. ومن ثم طرح رؤية تؤكد أن الإسلام لا يتعارض مع:العلم،و التقدم،و الديمقراطية،و المدنية.
رابعاً: البعد السياسي:تميز منهج النورسي بموقف خاص من السياسة.ففي بدايات حياته شارك في الشأن السياسي في أواخر الدولة العثمانية، فدعا الى تنشيط بعض المباديء السياسية كمؤسسة الشورى وغيرها ،لكن بعد قيام الجمهورية التركية غيّر منهجه، وقرر الابتعاد عن الصراع السياسي المباشر،وقد تبنّى مبدأ سماه:الجهاد المعنوي”أي:مواجهة الإلحاد بالفكر،ومواجهة الاستبداد بالصبر،ومواجهة الجهل بالعلم.وكان يقول إن معركة العصر هي معركة إيمان لا معركة سلاح. ويرى بعض الباحثين أن المناخ الاجتماعي الذي ساعد لاحقًا على صعود الأحزاب السياسية ذات المرجعية المحافظة، مثل الأحزاب التي قادها نجم الدين أربكان ثم حزب العدالة والتنمية،الذي قاده رجب طيب اردوغان، قد تأثر – بدرجات متفاوتة – بالتحولات الثقافية والتربوية التي شاركت فيها حركة النور، وإن لم تكن الحركة نفسها حزبًا سياسيًا أو ذراعًا تنظيمية لأي منها.
خامساً: البعد الاجتماعي:أثرت حركة النور في المجتمع التركي بعمق، ومن أبرز مظاهر هذا التأثير:إعادة إحياء التدين في المجتمع التركي،بنشر قراءة القرآن وتعليم الدين خارج المؤسسات الرسمية،وتكوين شبكة واسعة من المثقفين المتدينين.وقد أسهم هذا التيار لاحقًا في ظهور تيارات فكرية وسياسية إسلامية في تركيا.ومن بين الشخصيات التي تأثرت بأفكار النورسي ، تلاميذه المباشرون الذين حَمَلوا “رسائل النور”،وكان هؤلاء النواة الأولى التي حافظت على فكر النورسي ونشرته،ومن بين هؤلاء: زبير غوندوز ألب (1920–1971)، الذي يُعده كثير من النورسيين الشخصية الأبرز بعد وفاة النورسي، و مصطفى سنغور (1929–2012))من أشهر تلاميذ المرحلة الأخيرة،.وبيرام يوكسل (1937–1997) ،وكان آخر من لازم النورسي. وقد ركز هؤلاء على نشر “رسائل النور” ،وتعزيز التدين الفردي، بعيدًا عن الصدام السياسي المباشر.وهناك بعض القيادات الدينية والدعوية المتأثرة بمنهجه،وهؤلاء لم يكونوا تلاميذه المباشرين، لكنهم تأثروا بأسلوبه في الجمع بين العقل والنقل،ومن بينهم محمد زاهد الكوتكو: ( 1315 / 1897 ه – 1401 / 1980م) ،الذي رغم انتمائه الصوفي وشهرته في الطريق، إلا أن منهجه الإصلاحي والتربوي تأثر بجو النورسية.وهناك من تأثر بالنورسي لاحقًا،ولكن بدرجات مختلفة،ومن بين هؤلاء:نجم الدين أربكان،الذي رغم أنه يمثل خطًا سياسيًا إسلاميًا واضحًا، إلا أن البيئة الفكرية التي نشأ فيها كانت متأثرة بالنورسية.،ورجب طيب أردوغان،الذي لا يُعد نورسيًا بالمعنى التنظيمي، لكن تأثر بالبيئة الدينية التركية التي شكلها النورسي، خاصة في التوفيق بين الدين والدولة،وعبد الله غول،الذي عرف بقربه من التيار النورسي، وتأثره بخط الاعتدال والتدرج.
فتح الله غولن ( 1360/ 1446 ه-ـ 1941/2024 م)،من الذين تأثروا بمنهج النورسي في التربية والتعليم، والعمل عبر المؤسسات، وبناء “الإسلام الاجتماعي” الهادئ., ولكنه اختلف عن النورسي في انه لم يلتزم بمنهجه السلمي والتعليمي في الدعوة ،بل اتهم بأنه خطط لانقلاب على الدولة التركية في عهد الرئيس الحالي للدولة التركية،رجب طيب اردوغان (1954—)، ،وسعى الى تغويض النظام الديمقراطي في تركيا. ففي ليلة 15 يوليو 2016م،قامت مجموعة من الضباط في الجيش التركي بمحاولة الإطاحة بالحكومة التركية، وسيطرت على بعض الجسور والمطارات، وقصفت البرلمان ومقار أمنية، وقُتل في هذه المحاولة الانقلابية أكثر من 250 شخصاً وأصيب الآلاف، وانتهت المحاولة خلال ساعات بعد فشلها في السيطرة على مؤسسات الدولة ونزول أعداد كبيرة من المواطنين إلى الشوارع استجابة لدعوة أردوغان. و تقول الحكومة التركية إن فتح الله غولن هو العقل المدبر للانقلاب. وان تنظيمه الذي اسمته الدولة” منظمة فتح الله غولن الإرهابية”، قد تغلغل منذ سنوات داخل الجيش والقضاء والشرطة،والمرافق التعليمية والخدمية ،و ان الضباط الذين نفذوا الانقلاب كانوا أعضاء في هذه الشبكة المتآمرة، لذلك اعتُبر التنظيم منظمة إرهابية، وبدأت حملة واسعة من الاعتقالات والفصل من الوظائف ومصادرة المؤسسات التابعة له. ففُصل أكثر من 150 ألف شخص من وظائفهم العامة، بمن في ذلك ضباط بالجيش والشرطة ومعلمون وأطباء، واعتقل أكثر من 500 ألف شخص وسُجن 30 ألفا. وتم الاستيلاء على آلاف المؤسسات والمدارس والبنوك، وشركات الإعلام أو الشركات الخاصة، المملوكة أو التي يديرها أشخاص يُزعم أنهم ينتمون إلى حركة غولن وقد استندت الحكومة في تلك القرارات إلى:اعترافات بعض المتهمين. والى ثائق قدمت أثناء المحاكمات،والى شبكة الاتصالات والعلاقات التنظيمية التي تقول إنها كشفتها التحقيقات .
وقد كانت الحركة حليفاً سياسياً مهماً لحزب العدالة والتنمية في سنواته الأولى، خصوصاً بين 2002 و2013، قبل أن ينقلب الطرفان على بعضهما ،ويتبادلا تهم قضايا الفساد والصراع على النفوذ داخل مؤسسات الدولة. فوجود نفوذ للحركة داخل الدولة يكاد يكون أمراً متفقاً عليه، أما مدى هذا النفوذ داخل الجيش تحديداً فهو محل نقاش.اما غولن فقد انكر التهمة في الاساس ونفى مسؤليته عن ما وقع ومن قام به. وظل غولن في مقر اقامته في الولايات المتحدة الامريكية حتى وفاته في ولاية بنسيلفانيا الأمريكية، يوم الأحد 17 ربيع الآخر 1446هـ الموافق 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2024م، عن عمر ناهز الثالثة والثمانين.
فحركة غولن- في نظر الحكومة التركية- لم تكن مجرد حركة تعليمية أو دعوية. بل بنت منذ ثمانينيات القرن الماضي شبكة واسعة وأنشأت تنظيماً سرياً داخل الجيش، والقضاء، والشرطة، وأجهزة الدولة، وتسرب اعضاؤها في دوائر التعليم، والإعلام . وأنها سعت إلى السيطرة التدريجية على الدولة. ومن ثم فإنها هي المسؤولة عن محاولة الانقلاب عام 2016م.
أما كثير من الدول الغربية، ومنها الولايات المتحدة ومعظم دول الاتحاد الأوروبي، فلم تعتمد التصنيف التركي للحركة كمنظمة إرهابية، رغم أن بعضها اتخذ إجراءات قانونية أو إدارية بحق بعض المؤسسات أو الأفراد المرتبطين بها في قضايا محددة، بحسب قوانينه الوطنية.
وبالاضافة الى هؤلاء الساسة فهناك عدد من المثقفين الأتراك الذين تأثروا بأفكار النورسي حول:الإيمان والعقل،و العلاقة بين الدين والعلم،و مقاومة العلمنة الصلبة. ومنهم: الصحفي وعالم الاجتماع التركي علي بولاج( 1951- )، الذي كتب كثيرًا عن النورسي واعتبره أحد أهم مجددي الفكر الإسلامي،و دافع في عدد من كتاباته باللغة التركية عن فكرة أن قيم العالم الحديث تتلاءم مع تعاليم الإسلام،ولا تتناقض معها، وشدد على قدرة المسلم على التعايش مع غير المسلم دون تصادم أو صراع،كما يرفض تصنيف الحركات الإسلامية إلى يمين ويسار، مدافعاً في ذلك عن قدسية الإسلام. وعظمة تعاليمه. ( راجع موقع ويكابيديا على الرابط التالي:
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D9%84%D9%8A_%D8%A8%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AC
سادساً: خصائص منهج النورسي الإصلاحي:يمكن تلخيص منهج النورسي في عدة خصائص:الإصلاح الإيماني قبل الإصلاح السياسي،والجمع بين العقل والنص الديني،ومقاومة العلمنة بالفكر لا بالعنف،وبناء الإنسان قبل بناء الدولة،وإحياء العلاقة بين الدين والعلم.
تطور حركة النورسي بعد وفاته :في حياة النورسي كان الجهد الأكبر منصبًا على:نسخ “رسائل النور” سرًا،وتدريسها في البيوت،و حماية الهوية الإسلامية في ظل العلمانية الصارمة. أما بعد وفاته وتغير الجو العام في تركيا -كماذكرنا من قبل- فقد انتقلت الحركة الى افق ارحب وتطورت اهدافها وسعت الى شرح رسائل النور ،و تحقيق مخطوطاتها،و ترجمتها إلى عشرات اللغات،وإدخالها في الدراسات الأكاديمية،حتى أصبحت الرسائل موضوعًا لرسائل الماجستير والدكتوراه في جامعات تركيا والعالم الإسلامي، بل وفي جامعات أوروبية وأمريكية أيضًاً ،وتأسيس دور نشر متخصصة،لطباعة الرسائل وشرورحها ، وإنشاء مراكز أبحاث حول فكر النورسي،وعقد مؤتمرات دولية سنوية،و إصدار مجلات أكاديمية،وهذا يمثل تطورًا كبيرًا؛ إذ لم يكن النورسي نفسه يمتلك مؤسسات رسمية بسبب الظروف السياسية التي عاشها.
. اما مدرسة الزهراء” التي كان حلم النورسي إنشاء جامعة الزهراء لتجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الطبيعية والفلسفة واللغات، فبعد وفاته حاولت بعض التيارات النورية تطوير الفكرة عبر المدارس الخاصة ،والجامعات ،والمعاهد ،وبرامج التعليم الحديثة. واضيف الى المشروع عناصر تنظيمية وتربوية لم تكن موجودة عند النورسي نفسه، وأصبح الفكر النوري يناقش موضوعات لم تكن مطروحة زمن النورسي ، مثل:حقوق الإنسان،و الديمقراطية،و المجتمع المدني،والحوار بين الأديان،و العولمة،ومشكلات البيئة،والأخلاق ،والتكنولوجيا،و الذكاء الاصطناعي من منظور إسلامي (في الدراسات الحديثة). وهذا يمثل انتقالًا من معالجة قضايا البقاء الديني إلى معالجة قضايا الحضارة المعاصرة.وبدأ الباحثون النوريون يقارنون بين النورسي،والمفكرين الاسلاميين، كمحمد إقبال، ومحمد عبده، ومالك بن نبي، وطه عبد الرحمن ،كما ظهرت دراسات مقارنة بين فلسفة النورسي والفلسفة الغربية.
كما سعى تلاميذه الى الانفتاح على العلوم الطبيعية وتاكيد فكرة النورسي أن الكون “كتاب منظور”، وأن العلوم الطبيعية تقود إلى معرفة الله،وسعوا الى التوسع في هذا المجال من خلال ألعديد من المؤلفات في فلسفة العلم،و العلاقة بين الفيزياء والإيمان،وعلم الأحياء والتصميم، والرياضيات ودلالة كل ذلك على النظام الكوني، فانتقل الخطاب من الاستدلال العام، إلى حوار أكثر تخصصًا مع العلوم الحديثة.
وتطورت المدرسة النورية في مجال التربية من حلقات قراءة بسيطة إلى برامج تربوية متكاملة تشمل:بناء الشخصية،و القيادة،والعمل التطوعي،و مهارات الحوار،والتربية الأسرية،و أخلاقيات العمل ، مع توسع وسائلها التعليمية.
وهكذا يمكن القول بان حركة النور نجحت في:الحفاظ على الهوية الإسلامية في تركيا خلال مرحلة العلمنة الشديدة،وإنشاء مدرسة فكرية إيمانية عميقة،لكنها في المقابل لم تتحول إلى مشروع سياسي مباشر، لأنها اختارت العمل التربوي والفكري بدلاً من الصراع على السلطة.
اسباب نجاح مشروع النورسي في تركيا بينما تعثرت مشاريع إصلاحية أخرى في العالم الإسلامي.
يُعدّ مشروع الإصلاح الذي قاده بديع الزمان النورسي في تركيا،وطوره تلاميذه واتباعه من التجارب الإصلاحية الفريدة في العالم الإسلامي؛ إذ استطاع أن يستمر ويؤثر في المجتمع التركي لعقود طويلة، في وقت تعثرت فيه مشاريع إصلاحية أخرى في العالم الإسلامي مثل مشروع محمد عبده أو غيره من محاولات الإصلاح المرتبطة بالدولة أو بالسلطة السياسية.ولفهم سبب نجاح تجربة النورسي النسبي، ينبغي النظر إلى مجموعة من العوامل الفكرية والتاريخية والاجتماعية.
أولاً: استقلال مشروع النورسي عن السلطة السياسية:فأهم أسباب نجاح مشروع النورسي أنه لم يربط الإصلاح بالسلطة السياسية.فعندما قامت الدولة الكمالية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك بعلمنة الدولة وإقصاء الدين من المجال العام، لم يدخل النورسي في صراع سياسي مباشر مع الدولة، بل اختار مسار الإصلاح الاجتماعي والفكري-كما راينا-،وركّز على:بناء الإنسان المؤمن،وإحياء الإيمان في النفوس،ومواجهة الإلحاد والتيارات المادية،بينما فشلت مشاريع إصلاحية أخرى لأنها ارتبطت بالدولة أو السلطة، فإذا سقطت السلطة أو تغيّرت الظروف السياسية انهار المشروع معها.
ثانياً: التركيز على إصلاح العقيدة قبل النظام السياسي:كان النورسي يرى أن أزمة المسلمين في العصر الحديث ليست أزمة سلطة فقط،بل أزمة إيمان ووعي.لذلك ركّز في مؤلفاته، خاصة كتاب رسائل النورعلى:إثبات وجود الله بأساليب عقلية،والتوفيق بين العلم الحديث والإيمان،ومعالجة الشبهات الفكرية.وهذا ما جعل مشروعه مشروعاً تربوياً طويل المدى، لا مجرد برنامج سياسي مؤقت.
ثالثاً: الاعتماد على المجتمع لا على الدولة:اعتمدت حركة النور على شبكة اجتماعية واسعة من التلاميذ الذين نشروا رسائل النور سرّاً في البداية، ثم علناً لاحقاً.فنشأت حركة اجتماعية مرنة عُرفت باسم حركة النور،ومن خصائصها:عدم المركزية،والانتشار عبر حلقات القراءة والتعليم،والقدرة على الاستمرار رغم القمع.وهذا النموذج يشبه إلى حد ما الحركات المعرفية أكثر من الحركات السياسية.
رابعاً: فهم طبيعة التحول الحضاري:أدرك النورسي مبكراً أن العالم الإسلامي دخل مرحلة جديدة من الصراع الفكري مع الحداثة الغربية.ولذلك لم يكتفِ بالوعظ التقليدي، بل حاول:تقديم خطاب إيماني عقلاني،ومخاطبة العقل الحديث،واستخدام لغة تجمع بين الدين والعلم.ولهذا وجد مشروعه صدى لدى الجيل المتعلم والمستنير في تركيا.
خامساً: الصبر التاريخي وطول النفس:تعرض النورسي للنفي والسجن عدة مرات، لكنه لم يتوقف عن مشروعه.وقد انتشر فكره بعد وفاته بشكل أوسع، خاصة مع صعود التيار المحافظ في تركيا، وظهور حركات فكرية وسياسية تأثرت بتراثه، ومنها التيار الذي خرج منه لاحقاً مفكرون وحركات كان لها أثر في الحياة السياسية التركية الحديثة،كما اشرنا من قبل.
سادساً: ملاءمة المشروع للبيئة التركية:كانت تركيا بعد سقوط الخلافة تعيش صدمة حضارية حادة نتيجة العلمنة السريعة.لذلك كان المجتمع التركي بحاجة إلى:خطاب يعيد الثقة بالدين.دون الدخول في مواجهة عنيفة مع الدولة.وقد نجح النورسي في تقديم هذا التوازن.
مقارنة مع مشاريع إصلاحية أخرى:إذا قارنا مشروع النورسي بمشاريع أخرى مثل:مشروع محمد عبده.أو تجارب الإصلاح المرتبطة بالدولة في العالم العربي،نجد أن كثيراً منها تعثر بسبب:ارتباط الإصلاح بالسلطة السياسية،وضعف البناء الاجتماعي للحركة الإصلاحية،والتركيز على الإصلاح القانوني أو السياسي أكثر من الإصلاح التربوي،والصدام المباشر مع الأنظمة الحاكمة.بينما اختار النورسي إصلاح الإنسان أولاً.
وهكذا يمكن القول إن نجاح مشروع النورسي يعود إلى معادلة إصلاحية تتمثل في :إصلاح الإيمان + العمل الاجتماعي + الاستقلال عن السلطة + الصبر التاريخي،ولهذا بقي تأثيره ممتداً في المجتمع التركي حتى اليوم.ولعل في هذا المشروع نموذجا تحتذي به حركات الاصلاح في العالم الاسلامي ،وتستفيد منه في سعيها للاصلاح.

د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
الجمعة : 13 /ربيع الثاني/ 1448 ه
سبتمبر 2026 م /24 / الموافق:

Author
أ.د. أحمد محمد أحمد الجلي

أ.د. أحمد محمد أحمد الجلي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
أُنْشُودَةُ السَّلَامِ… شِعْر: د. خالد عثمان يوسف
الرياضة
عزز صدارته للنخبة..الهلال يكسب حي الوادي بثنائية بوغبا وروفا
حكاية زينب بت الشيخ محمد عظيم في زمن الجنجويد
سياحة في مواجع حسين بازرعة !
Uncategorized
هل سيحمل البرهان العالم لتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية؟

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

حقوق الاعتقاد .. بقلم: عبدالله الشقليني

عبد الله الشقليني
منبر الرأي

الماركسية وأثر الثقافة والهويّة في التغيير .. بقلم: تاج السر عثمان

تاج السر عثمان بابو
منبر الرأي

حلايب وصورة لم تكتمل .. بقلم: دكتور فيصل عبدالرحمن علي طه

د. فيصل عبدالرحمن علي طه
منبر الرأي

رياضة ذبح الجنوبيين .. بقلم: شوقي بدري

شوقي بدري
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss