د. السر أحمد سليمان
جامعة حائل – السعودية
يعتبر الحب أحد المفاهيم النفسية التي شغلت الناس كثيرا، ومن منظور علم النفس يتم تناول الحب ضمن موضوع الانفعالات والعواطف، وتوجد بعض النظريات المفسرة له، كما توجد العديد من الدراسات التي بينت بعض العوامل المرتبطة به.
وبصورة عامة وفي ضوء المنظور النفسي هناك بعدان مهمان فيما يتعلق بموضوع الحب، وهما: البعد الداخلي للحب سواء فيما يتعلق بالجانب الفسيولوجي للإنسان، أو الجانب العقلي المعرفي، أو جانب المشاعر. والبعد الثاني هو البعد السلوكي الخارجي المتعلق بالنشاط الذي يقوم به الإنسان للدلالة والتعبير عن الحب.
والحب هو عاطفة ذات دوام نسبي، تتضمن التوجه الإيجابي نحو مصدر أو هدف ما، من خلال تقبل ما يصدر عنه، والشوق إلى لقائه والتقرب منه، وإرادة الخير له. والحب مرتبط بالأطوار العمرية، والنضج الجسمي، وخاصة فيما يتعلق بالهرمونات والجهاز العصبي، وما يتعلق بالنمو العقلي.
وعاطفة الحب لدى الإنسان تبدأ منذ الميلاد، وتتطور مع النمو وفقا لتوفر العوامل المختلفة، وهناك العديد من المثيرات التي تلهب عاطفة الحب لدى الأفراد، ومن ضمنها، بل وأعلاها هو تقدير وتعظيم المحبوب نظرا لما يتميز به من صفات الجلال والكمال والبهاء، وما يغدقه على المحب من خيرات، يشعر بأثرها من خلال الراحة النفسية، أو التطور الذي يطرأ عليه، وذلك وفقا لتقديره. قال الله عزّ وجلّ: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ …}[البقرة:165].
والمجتمع السوداني قد توافرت له عوامل ثقافية كثيرة جعلت حب النبي عليه الصلاة والسلام يكاد يكون مجمعا عليه، وأصبح محطة للالتقاء والتوافق بين كافة أطياف المجتمع، وذلك نظرا لما تراكم لديه من معارف، ولما تنوع لديه من روافد مغذية للوجدان السوداني، معظمة لشخصية النبي عليه الصلاة والسلام، في شمائله وأخلاقه، وجمال هيئته، وحسن تعامله، ومعجزاته المدهشة، وكلها تصب في خدمة الإنسانية.
وقد عبّر المبدعون عن ذلك البهاء لشخصية النبي عليه الصلاة والسلام، ووظفوا لذلك مواعين الإبداع المختلفة، وخاصة الإبداع اللفظي، والصوتي والموسيقي، فيما عرف بالمديح النبوي.
وعلى الرغم من تخصص كثير من الشعراء في إنتاج مادة غزيرة في المديح النبوي بالعامية والفصيحة حتى أصبحوا ممن يطلق عليهم شعراء وأدباء المديح النبوي، إلا أنّه مما يلفت الانتباه أنّ كثيرا من الأدباء والشعراء الآخرين الذين تفننوا في أغراض أدبية أخرى، قد ساهموا أيضا في التعبير عن المحبة النبوية من خلال كتاباتهم الإبداعية المختلفة. وسوف نشير في هذا المقال إلى نماذج مما أنتجه بعض الأدباء في المحبة النبوية، وخاصة: محمد المهدي المجذوب، الطيب صالح، محمد المكي إبراهيم، مصطفى سند، عبد القادر الكتيابي، ومحمد عبد الباري.
فعندما يحين موعد مولد النبي عليه الصلاة والسلام تجد معظم السودانيين يترنمون ببعض أجزاء من رائعة الشاعر محمد المهدي المجذوب (المولد) التي يصور فيها فيلما سينمائيا مليئا بالحركة والتعبيرات الجسدية، والصيحات والطبول في ميدان عبد المنعم فرحا بذكرى مولد النبي عليه الصلاة والصلام، فيقول فيها:
ليلة المولد يا سر الليالي
والجمال
وربيعاً فتن الأنفس بالسحر الحلال
موطني المسلم في ظلك مشبوب الخيال
طاف بالصاري الذي أثمر عنقود سنى
كالثريا
ونضا عن فتنة الحسن الحجابا
ومضى يخرجه زيّاً فزيّا
وزها ميدان عبد المنعم
ذلك المحسن حياه الغمام
بجموع تلتقي في موسم
والخيام
قد تبرجن وأعلن الهيام
وينطلق المجذوب في رائعته مصورا بالكاميرا اللفظية البديعة العديد من المشاهد معبرا بها عن حبه للمصطفى صلى الله عليه وسلم، وإعجابه بحالات المحتفين بالمولد؛ فيقول:
وفتى في حلبة الطار تثنى
وتأنَّى
وبيمناه عصاه تتحنَّى
لعبا حركه المداح غنَّى..
رجع الشوق وحنَّا
وحواليه المحبون يشيلون صلاة وسلاما
ويذوبون هياماً
ويهزون العصيا
ويصيحون به أبشر لقد نلت المراما
صل يا رب على المدثر
وأعني وانصر
بشفيع الناس يوم المحشر
الذي يسقي صفاء الكوثر
وفي الأدب المنثور نجد الأديب الروائي العالمي الطيب صالح قد عبّر عن حبه للنبي عليه الصلاة والسلام، بوصفه لمشاعره وهو في المدينة المنورة في مقالة تنضح بالوجدان، والعواطف، التي تكاد تلمسها بيدك، وتشعر بدفئها في راحتيك، فيقول:
“ما أجمل الفجر في هذه المدينة. السماء صافية، وأنت تحس بالدّفء رغم لذعة البرد، وأيادي الحرم النبوي العشر ترتفع في السماء مضيئة ضوءًا وديعًا لا يُعشي العين، كأنّما يجذب إليه خيوط الفجر الطّالع، كما تجذب أصابع ناعمة ثوبًا من الحرير. الفجر هنا لا يطلع من الشرق، بل يجيء من الجهات كلها في دائرة تحيط بالمدينة. حقًا إنها المدينة المنوّرة”.
والطيب صالح في المدينة المنورة يشعر بحالة نورانية كأنّما تجعله في هالة من الأنوار والأضواء التي عبّر عنها بقوله:
“ما أكثر الضوء في هذا المكان. تشعر أحيانا لكثرة الضوء، أنّ الشمس هنا لا تغيب ولا تشرق. كأنّ الضوء ثابت يصدر عن منبع مستقل. ضوء مثل بُرعم الزهر أول الربيع، رهيف مشوب بخضرة. الخضرة التي في بساط الروضة، بين الضريح والمنبر، وفي قبة الحرم لله كيف تحس بالربيع وأنت في الشتاء، وبالصباح وأنت في المسا”.
ويفيض الطيب صالح بإحساسه ويتوحد إحساسه بما أحسّ به من قبله، فيستدعي أقوالهم معبرا بها عن ذاته، مظهرا تواضعه المعروف، فيقول:
“كذلك أحس المحبّون قبلك، وقد كانوا أرسخ قدمًا وأقوى مراسًا، وأفصح لسانًا. كذلك أحس البوصيري والبرعي وشوقي والبارودي. وهذا (حاج الماحي)، العاشق السنّاري، رأى ضوء القبة بعين بصيرته، قبل أن يراه في الحقيقة”.
ويقف الطيب صالح ليرى ذاته المحبة فيمن حوله من زائري المدينة المنورة فيقول: “تقف تتأمل الوجوه. وما أجمل الوجوه في هذا المكان. الناس هنا في أحسن أحوالهم، بيض وسود وحمر، إناث وذكور. يسيرون مطمئنين متجهين بكل جوارحهم إلى منبع الضوء، وكل منهم يجد لوهلة حلاوة ذلك العهد، وأنت أيضًا. ولن تذوق أبدًا تلك الحلاوة إلا في هذا المكان، فما لك إذًا لا تقيم أطول بتلك الرحاب، وتتمرّغ بذلك الجناب؟”.
وينثر الشاعر محمد المكي إبراهيم محبته النبوية في التغني بجمال المدينة المنورة في رائعته (مدينتك الهدى والنور)، ويظهر انغماسه النوراني في المدينة المنورة كما الطيب صالح أيضا فيقول:
مدينتك الهُدى والنور
مدينتك القباب
ودمعة التقوى ووجه النور
وتسبيح الملائك في ذؤابات النخيل
وفي الحصى المنثور
مدينتك الحقيقة والسلام
على السجوف حمامة
وعلى الرُبى عصفور.
ويتنسم الشاعر محمد المكي المحبة عطرا، من الأريج النبوي الذي تذوقه هناك، فأفاض وقال:
مدينتك الحديقة يا رسول الله
كل حدائق الدنيا أقل وسامة وحضور
هنالك للهواء أريجه النبوي
موصولاً بأنفاس السماء وكأسها الكافور
هنالك للثرى طيبٌ
بدمع العاشقين ولؤلؤٌ منثور
هنالك للضحى حجلٌ بأسوار البقيع
وخفةٌ وحبور
وبعد ان ينتشي الشاعر محمد المكي بذلك الأريج نجده يصل إلى مستوى رفيع يتذوق فيه حلاوة الصلاة في المدينة المنورة، وانكشاف الغيوم فوقه فيرى للقرآن ضياء يخرج من الصدور في الفجريات، فيقول:
هنالك للصلاة رياضها الفيحاء
والقرآن فجرياً
تضيء به لهىً وصدور
بساعات الإجابة تحفل الدنيا
وأنهار الدعاء تمور.
وعند هذه الحالة يرى الشاعر المدينة كلها جمالا وضياء، فيأخذ في احتضان كل شيء فيها، مسلما عليه، ومعبرا عن شوقه ومحبته له، عله يبين عن حبه لساكن المدينة عليه الصلاة والسلام، فيقول:
سلام الله يا أنحاء يثرب
يا قصيدة حبنا العصماء
سلام الله يا أبوابها
وبيتها ونخلها اللفَّاء
سلاما يا مآذنها وفوج حمامها البكَّاء،
ويا جبل الشهادة والبقيع سلام
ومع تلك الحالة النورانية يظهر الشاعر مصطفى سند برائعته الجميلة “أطياف الرؤى”، والتي يبدو أنّه قد أنتجها بعد مخاض عسير لتعبر له عن بعض ما يكنه من محبة وفيرة للنبي عليه الصلاة والسلام، ويبدي تعظيما عاليا للمقام المحمدي تتقاصر عنه كلماته، فيقول في مطلعها:
ما زال ينسج أطياف الرؤى شفقًا حتى عَشَاهُ بريقُ النور فاحترقا
لا ينطقُ الحرفَ إلا حين يقلقه فكيف يقبل بعد الراحة القلقا
فللغناءِ زمانٌ ليس يدركه من يستخف أباحَ الدمعَ أم شَرِقَا
عصماءُ صادقةُ الإحساس من شرفٍ وأحفَلُ الشعرِ بالإحساس ما صَدَقا
قد طرز القمرُ الأسيانُ بُرْدَتها والبدرُ رَوْعَتُه أن ينسج الألقا
ويبدو أنّ الشاعر قد كان يكن ألما وحرقة أنّه لم يعبر في شعره عن محبته للنبي عليه الصلاة والسلام، فيقول عن كيفية إخراجه لقصيدته قائلا:
مازلت رغم طلوع الروح أطلبها هل يقطف النجمَ من لا يسفح الحدقا
لو لم يحن أجلي في خطف لمعتها لطرت أحفر في عمق الدجى نفقا
لولا كمالك ما تزكو يراعتها في اللوح يوم تناهت تشعل الأفقا
وينطلق بعد ذلك في قصيدته يصف عظمة النبي عليه الصلاة والسلام ودواعي محبته في أبيات عديدة منها قوله:
محمدٌ أنت وحيُ الله صَوَّرَهُ وشَقَّ من فيضه الإصباحَ و الفلقا
قد جل قدرك قدرا بل زها شرفا وطاب ذكرك فوق الذكر و انعتقا
فكن شفيعي إذا ما الذنب أرهقني يوم السؤال و خطوي زَلَّ و انزلقا
يا جوهر الخلق في الأزمان منعتقا قلبي يذوب فهل يلقاك منعتقا
ويبدي الشاعر اعتذاره عن تقاصر شعره ، عن وصف حبه العميق للنبي عليه الصلاة والسلام فيقول:
أنا المحبُ وحبي ليس يبلغه إلا الأُلى سلكوا من نهجه الطرقا
حبي هو الحق عند الله مطلقه وعند عرش مليك الحق قد نطقا
حبي هو الشعر طول العمر أنسجه يغدو الزمان على إيقاعه شرقا
إن رمت مدح رسول الله أعجزني حالي فمالي زاد يمسك الرمقا
لا أحصين فروعا في حديقته من ذا يعد فروع الحسن والصفقا
هذي الحديقة أنـوار معـطرة نظرتهن فذابت أعيني ورقا
وصار قلبي شعراً في مداخلها فإن مررت به في مدخل شهقا
وينحو الشاعر عبد القادر الكتيابي ذات النحو في لوم نفسه التي لم تطاوعه في تعبيره عن محبته للنبي عليه الصلاة والسلام، فيقول في مطلع رائعته “الفيض المحمدي”:
آ أن قست مرة ضاقت بك الحيل ؟
يا كيف لو فارقت أو صدها الملل !
ما هكذا لا تكن لو أعرضت جزعا
فالحب آياته الإعراض والمطل
ويدخل في القصيدة رويدا رويدا واصفا الساحات والنخل إلى أن يصل إلى هدفه فيقول:
محمد الرحمة المهداة عن كرم
وهج السراج الذي تهدى به السبل
فالطيب من كفه والطب نظرته
والطهر أنفاسه والمنطق العسل
وبعد استرساله في وصف النبي عليه الصلاة والسلام، وتعظيمه في أبيات حسان، يظهر ضعفه، ويبدي توسله بحبه العميق فيقول:
يا سيد الخلق ظني فيك وجهني
أن أطرق الباب لما ضاقت الحيل
أيبست أنداء ريعاني مشاجنة
في الشعر لم ينفلق عن قولها عمل
حيث الهوى سيد والذنب سانحة
واللهو والجهل والإسراف والزلل
إني توسلت يا ربي إليك على
وسيلة منك مالي غيرها بدل
وكما استند شعر المديح النبوي على قصيدة كعب بن زهير في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، عندما ألقى عليه بردته الشريفة، فقد اشتهرت بعد ذلك قصيدة البردة للإمام البوصيري في مدح النبي عليه الصلاة والسلام، والتعبير عن محبته.
وفي سياق البردة فقد جاء شاعرنا الشاب محمد عبد الباري بعد تلك العصور ليفتح نفقا جديدا يدخل عبره إلى التعبير عن حب النبي عليه الصلاة والسلام من خلال قصيدته “مدخل إلى البردة”، والتي جاءت كحالة روحانية، يسمو بها فوق الخيال، فتلمسه الغيوم التي ظلّ محلقا معها في السماوات العلى، فيقول:
غيمةٌ تهجسُ بالبدوِ القدامى
لمستني
فتطايرتُ حماما
لازوردٌ
في السمواتِ العُلى
يكشفُ الليلَ عن الليلِ
تماما
قبةٌ خضراءُ
مذ أبصرتُها
خلعت نفسيَ عن نفسي الضراما
ومناراتٌ …بكت أنوارها
بين عينيّ
فأنستني الظلاما
وشبابيكُ على ريحانها
قد تناثرتُ صلاةً وسلاما
وبعد ذلك يظهر ضعفه، وتوسله كما فعل الكتيابي، ويطلب أن يتقبل حبه، وأن تبارك هجرته فيقول:
يا أبا الزهراءِ
باركْ هجرتي
فأنا خلفكَ صليتُ القياما
جئتُ كي أخرجَ من تغريبتي
فعلى القصواءِ علقني زماما
مُرْ ” حنينَ الجذعِ ” أن يبكي معي
ليعزي المستهامُ المستهاما
وانتدبني “للبقيعِ” المشتهى
نجمةً
تحرسُ أسرارَ الخزامى
يا ندى الأشياءِ يا نعناعَها
لاتلمني
إن تدفقتُ غراما
واقفٌ منكَ أنا في جمرةٍ
أوشكتْ واللهِ تخضرُ هياما
تصعدُ الحضرةُ بي للمنتهى
حين أتلوكَ
مقاماً
فمقاما
انمحي في الملأ الأعلى
فلا
يظمأ القلبُ ولا يشكو الزحاما
وفي الختام فهذي بعض نماذج من المحبة النبوية، لدى بعض أدبائنا الذين لم يوصفوا بأنّهم من شعراء المديح النبوي، ولم تكن أغراض أدبهم تصنف ضمن الأدب النبوي، فهاهم يذوبون حبا وهياما، ويتلون محبتهم للنبي عليه الصلاة والسلام مقاما فمقاما، فكيف بمن كان كل أدبهم في مديح الني عليه الصلاة والسلام؟
sirkatm@hotmail.com
