نهاية الرحلة تُكتب أحياناً بحبر القوة العارية، لكن ما جرى في كاراكاس لا يمكن عزله عن ذاكرة قديمة يعرفها الأميركيون جيداً، ويتذكرها العالم؛ كلما قررت واشنطن أن القانون يبدأ من عندها وينتهي عندها.
سقوط نيكولاس مادورو في قبضة دونالد ترامب أعاد فتح سجل لم يُغلق يوماً، سجل اختطاف الرؤساء تحت عناوين العدالة ومحاربة المخدرات.
لطالما قدّم مادورو نفسه بوصفه آخر حراس السيادة في مواجهة الإمبراطورية، فإذا به يسقط في قبضتها، مصحوباً بزوجته، في مشهد أشبه بعملية خطف سياسي أكثر منه إجراءً قانونياً. العالم استيقظ على خبر ثقيل، خبر يقول إن ترامب قرر أن يوقّع وحده على فصل جديد من فوضى النظام الدولي.
مشهد الاعتقال لم يأتِ عبر قاعات المحاكم ولا عبر بيانات أممية متأنية. جاء صاخباً، مصحوباً بغارات ودوي انفجارات في العاصمة الفنزويلية. طائرات تحلّق على علوّ منخفض، سبع انفجارات على الأقل، شوارع امتلأت بالذعر، وسكان خرجوا من بيوتهم بحثاً عن تفسير لما يحدث. في تلك اللحظة، لم يكن ثمة حوار سياسي ولا مسار دبلوماسي، بل لغة واحدة تتكلم: لغة القوة.
كلمات قليلة كانت كافية لتأكيد أن التنفيذ سبق أي نقاش دولي أو تبرير أخلاقي، وأن ما جرى لم يكن نتيجة مسار، بل ثمرة قرار حُسم خارج الطاولة.
ترامب لم يُخفِ رضاه. وصف العملية بالبارعة، وتحدّث عن تخطيط مُحكم، وأعلن عن أن مادورو بات محتجزاً تمهيداً لمحاكمته في الولايات المتحدة.
وزير الخارجية ماركو روبيو، وفق ما نُقل عنه، لا يتوقع خطوات أخرى داخل فنزويلا. الرأس أُخذ، والرسالة أُرسلت، وما تبقى تفاصيل إدارية في نظر واشنطن.
داخل فنزويلا، بدا الصوت الرسمي مأزوماً. وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز تحدث عن تدنيس للأرض وهجوم يهدد السلام الإقليمي، ودعا إلى تفادي الذعر، كأن الدولة تحاول الإمساك بأعصابها بعد ضربة أفقدتها مركز القرار.
نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز طالبت بدليل على أن مادورو وزوجته ما زالا على قيد الحياة، في اعتراف ثقيل بأن السلطة نفسها فقدت أثر رئيسها.
القصة أبعد من رجل أُخرج من القصر. ما جرى إعلان صريح عن مرحلة يتقدّم فيها منطق القوة على أي صيغة تعاقد دولي. غير أن المفارقة أن هذا المشهد ليس سابقة. الذاكرة تعود إلى 20 ديسمبر 1989، حين قرر الرئيس الأميركي الراحل جورج بوش الأب غزو بنما. أكثر من 26 ألف جندي نُشروا في عملية حملت اسماً أخلاقياً لافتاً: «القضية العادلة». النتيجة كانت إسقاط الرئيس مانويل نورييغا، الرجل الذي كان حليفاً لواشنطن قبل أن يتحول فجأة إلى عدو.
نورييغا وُجّهت إليه آنذاك تهم تشبه، بشكل ما، ما يُقال اليوم عن مادورو: فساد، غسل أموال، تهريب مخدرات، وعجز عن حفظ الأمن حول قناة بنما.
العملية انتهت باعتقاله ونقله إلى الولايات المتحدة، حيث حُكم عليه بالسجن أربعة عقود. لاحقاً نُقل إلى فرنسا، ثم أُعيد إلى بنما ليقضي أحكاماً إضافية. العدالة الأميركية يومها عبرت الحدود بالدبابات، تماماً كما تفعل اليوم بالطائرات الخاصة.
استحضار سابقة نورييغا يبدد وهم المفاجأة. ما جرى مع مادورو حلقة جديدة في سلسلة قديمة، عنوانها أن واشنطن تحتفظ بحق تعريف الشر، وتحديد العدو، وتنفيذ العقوبة، من دون انتظار تفويض دولي أو مساءلة أممية. التهم تبقى جاهزة، والسيناريو قابل للتكرار، ما دامت موازين القوة مختلة.
الولايات المتحدة تقول إن مادورو انتُخب بطريقة غير شرعية، وإنه متورط في شبكات مخدرات، وإن النفط استُخدم لتمويل الجريمة العابرة للحدود. كاراكاس ترد بأن النفط هو الجائزة الحقيقية، وأن الحصار والمصادرات والغارات أدوات لإخضاع بلد يملك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم. بين الروايتين، يقف العالم متفرجاً، يزن الكلمات، ويؤجل المواقف.
الأكثر إرباكاً أن مادورو كان قد لمح قبل أيام إلى انفتاح على الحوار، وتحدث عن استعداد لمناقشة ملفات النفط والمخدرات. لم يشفع له ذلك. المسار كان مغلقاً سلفاً، كما أُغلق من قبل مع نورييغا، وكما قد يُغلق مع غيره.
العالم اليوم أمام اختبار نوعي. الصمت سيُقرأ قبولاً ضمنياً، وبيانات الشجب ستُفهم على أنها محاولة غسل يدين.
ما جرى في كاراكاس، كما جرى في بنما قبل عقود، يقول إن زمن اختطاف الرؤساء لم ينتهِ، بل عاد بثقة أعلى. والسؤال الذي يطفو بلا إجابة، بعد هذه النهاية الفظّة لرحلة مادورو: من التالي؟ ومتى يقرر رجل واحد أن يعيد رسم العالم وفق مزاجه وإرادته، فيما يقف الآخرون في طابور الصدمة… يراقبون، ويحسبون الكلفة، ويؤجلون الإجابة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم