نوستالجيا إلى قريتنا الرؤوم ‏

يا قريتنا!
أين أختفى أهل قريتنا؟
بل أين اختفت قريتنا؟
يا أهل قريتنا…..‏
يا من كنتم تعمرون الذاكرة والخيال والوجدان منذ أن كنا أطفال، أين اختفيتم؟
‏أنتم يا من نشأنا في أحضان حبكم، ورضعنا من براءتكم وطهركم. كنا نأتي إليكم ونحن أطفال ثم نحن صبيان في عطلتنا المدرسية.. نمكث أياما وأسابيع ثم نودعكم لنعود إلى المدينة. .
نعود ونظل نحسب الأيام الشهور حتى نعود إليكم في العام التالي. ونظل نستدعي في كل آن وحين صورة القرية وأهلها بكل أحاسيس ومشاعر(شعرية وجمالية المكان) ‏‏.
لقد فقدناكم يا أعمامنا ويا أجدادنا الأعزاء. فقدنا حسن وفادتكم وصفاء أرواحكم وضحكاتكم الصافية وأنتم تعودون في آخر النهار من الحقول. هل كان صلاح عبد الصبور يصفهم حين قال:‏
الناس في بلادي جارحونَ كالصقورْ
غناؤُهم كرجفةِ الشتاءِ في ذُؤَابَة المطرْ
وضحكُهم يِئِزُّ كاللّهيبِ في الحَطَب
خُطَاهُمُ تُرِيدُ أن تَسُوخَ فِي الترابْ
ويقتلون، يسرقون، يشربون، يجشأُونْ
لكنهم بَشَرْ
وطيِّبُون حينَ يَملِكونَ قَبضَتَي نقودْ
ومؤمنون بالقدر.‏
عزيزي لم تكن لديهم إذ يتبارون لكي نتذوق طعامهم..وما كنت لديهم وهم يجودون بما حبتهم به عوائد الأرض والضرع من بضع جنيهات حلال.
فقدنا ملامحكم وعباراتكم الودودة التي كنا نضحك لغرابتها علينا . كنا نراكم تارةً كأبطال، وتارة كضحايا تارة أخرى، أبطالا لقوَّتكم و وكدحِكم وجلدِكم، وضحايا لما كنا نظنكم تفتقدون من نِعم المدينة. سنوات كنا نواصل الزيارات، ‏تطهرت ‏دواخلنا ولم نكتفي من حسن سيرتكم ولا من بهي طلعتكم…‏
ومرت الأيام والسنوات ثم تلفَّتنا ولم نجدكم.
فأين ذهبتم؟ ‏
لستم انتم فقط من فقدناهم. بل فقدنا أيضا القرية، وفقدنا ملامحها.
أين ذهب ذلك الفضاء الرملي الواسع المرصّع بالكثبان الرملية(القيزان)، أين ذهبت تلكم المعالم العزيزة، والذكريات الحبيبة التي اختزنتها لسنوات الذاكرة الطفولية …‏
قولوا، أين اختفت تلكم الأشجار؟ أين أشجار النيم مكتنزة الجوانب والفروع، وأشجار البان بارتفاعاتها التي تعانق الفضاء، وأشجار الدوم بقاماتها السامقة. التي كانت عندما تتهادى أغصانها في الليل كأنهن يحرسن القرية من الجن والكائنات الليلية الغريبة ويظل جريدها يصفق طول اليوم مع الهواء..كان حفيف أشجارها لا يهدا طول الليل كأنه يهدهد أعين ‏القرية ‏وساكنيها لتهجع في منامها.‏
‏ في الليالي المظلمة كانت تقف تلكم الأشجار العملاقة منتصبة ‏كأنها عماليق تحرس القرية ‏من الجن والكائنات الغامضة التي كان ‏تعشش في أرواحنا وتتفنن مخيلتنا في ‏رسمها ليزداد خوفنا. ‏
وأين تلكم البئر التي كانت تتوسط سُرَّة البيوت؟، البئر التي ما فتئت تروي ظمأ ساكنيها سوائمهم منذ ميلادهم.إن أنسى لا أنسى أنها كانت تقع وسط تلك المنازل الطينية المتشابهة. كانت مثل بئر مدين ‏ يلتقون عندها لتجود عليهم بالسقيا بماء عذب يروي ظمأ البهائم الرتّع والعروق والأوردة وزرع المنازل. ‏
كانت البئر قبل أن يلج التلفاز القرية هي نقطة الملتقى للجيران والأحباب وساحة الونسة البريئة والفضفضة …في كل صباحية كانت الفتيات ‏الغريرات الرائعات يبكرن صبحة (لنشل) الماء من البئر. لم يكن ذاك رياضة ‏صباحية، ولكنه كان روتينا محببا. كان يخفف من عبء الروتين وثِقَلِه تبادل التحيات الصباحية البريئة والابتسامات العذبة. كانت البئر ‏هي المنتدى اليومي لنساء الحلة. مندى يتبادلن فيه الأخبار والأفكار والمشاعر، والتعليقات، ويبُحنَ فيه بالأسرار. كانت أخبار القرية تُدلق طازجة في الصباح عند البئر قبل أن يدركها ‏النهار فيزيد من انكشافها للناس.
و بعد أن ترتفع الشمس ‏في كتف السماء ويكون الضحى قد عم الكون، وعنئذٍ ‏ينفضّ ‏السامر من حول البئر بعد أن ابتلت جوانبها بالماء المنساب من الدلو وانسال ‏أثناء ‏انشغال الفتيات بالمزاح والتغامز والمداعبات الصافية.
وحينما تتهادى شمس الضحى في مسارها تكون البهائم ‏قد ارتوت، وتكون ‏أزيار الفخار السوداء قد أُتـرِعت.
فأين ذهب كل ذلك؟
‏ فأين ذهب هؤلاء؟ كيف انسلوا واحدا إثر واحد، في غفلة منا ومن الزمان؟‏
‏ لقد ذهبوا جميعا فمنهم من طوته المدافن ومنهم من ‏طوته ‏المدينة بجناحيها الكبيرتين، واختفوا جميعا. ‏
آه إذن المتهمة هي المدينة ذلك الغول الكاسر…فقد نادتهم المدينة نداء خفيا..نادتهم بجاذبيتها وبروقها الخُلّبْ وسرابها الذي ظنوها ماءً. ‏
كُتِبت في سبتمبر 2020
في أبريل 2023 ما بعد ذلك:
وعندما اشتعلت الحرب في المدينة وبلغت القلوب الحناجر، وزُلزِل أهلها زلزالا شديد ..هرعوا إليها..
عادوا إلى قريتهم، ونظرات الخجل المستكين تطل من عيونهم.. كانوا قد نسوا أمهم الرؤوم ولكنها لم تنساهم.هجروها ولم عادوا منكسفين لم تشيح بوجهها عنهم. بل مسحت على رؤوسهم في حنان ولسان حالها يقول: “لا تثريب عليكم”.
وهكذا بدأ من جديد فصل حب جديد.
21 يوليو 2025
mohabd505@gmail.com
‏ومرت الأيام، ورجعوا بعد غياب سنين لزيارة من تبقى في القرية. لكنهم لم ‏يجدوا ‏القرية التي تركوها من خلفهم… فالقرية التي عرفوها والِفوها قد توارت خلف ‏الأيام. ‏ولكنهم وجدوا قرية أخرى. قرية لا تشبه قريتهم. ‏‏لم يجدوا أشجار الدوم ولا البئر الرؤوم ..ولا ونسات النساء والفتيات الغريرات ‏حول البئر..‏ولا همسات الأماسي الدافئة ولا ‏قصص البراءة والتسلية الطريفة.‏
لقد فقدت القرية جلسات السمر فوق الكثبان الملساء الباردة، تحت شعاع القمر
واختفت الحكايات التي كانت حينما تُرْوى ‏تدغدغ الأخيلة البريئة، وتسلّي العواطف ‏البريئة وتبارك المساءات الخجولة..‏ لقد تشربت خيالاتهم الحكاوي ‏السمحة ‏المجدولة بالبراءة والبساطة والدفء..‏
بحثوا عن كل ذلك فلم يجدوه. وحينما الحّوا في السؤال، كان الجواب: لا ندري …و علامة استفهام ‏كبيرة، وحيرة تتبعها تشع من العيون.‏
وفي الصباح حينما تجولوا في الانحاء فلم يجدوا أشياء كثيرة كانوا قد الفوها وتركوها وراءهم :
وحين ما يأتي القادمون إليهم من القرية كانوا ينقلون إليهم في حبور بأن قريتهم ‏قد ‏صارت السيارات تخيط ‏شوارعها جيئة وذهوب، وأن أعمدة الكهرباء قد ‏غُرِزتْ في ‏الشوارع، وأن أنابيب المياه قد غزت أحشاء ‏المنازل. و أن البشارات ‏تتوالى..‏قالوا كل ذلك وأكثر..ولكنهم لم يرجعوا فقد ابتلعتهم المدينة
و هكذا انطلت الحيلة عليهم فهاجروا إليها.‏و بعد حين و بعد أن افاقوا ،لم يجدوا قريتهم الدفيئة ولا جيرانهم البسطاء، ولا ‏علاقاتهم الصادقة..وهكذا اكتفوا بتقليب الأكف حيرة وعض الأنامل ندما وحيرة.‏
‏ولكنهم لم يقولوا لهم بأن قريتهم قد أصابها الجفاف والجفاء مثل مدينتهم..وأنها أصبحت ملاذا للغرباء، ‏و إن كان الغريب صار لا يلقى فيها ‏شربة ماء، والتائه لا يجد من يدله على الطريق، وابن ‏السبيل لا يجد القِرى.. وأن ‏العذارى قد فارق الخفر الخدود والبصر، و كحّلت ‏الجرأة عيونَهِن، وفارق الحياء ‏الأهداب و الخفر.
1القرية المقصودة هي قرية المقرن والتي تسمى تحديدا القيزان لكثرة وجود الكثبان الرملية ..وهي تقع أقصى الطرف الشمالي لمدينة الدامر .يحيط القرية نهر عطبرة من جهة الشرق والشمال ومن الغرب طريق التحدي عند نقطة خروجه من كبري عطبرة باتجاه الجنوب.
هو التعبير الذي أطلقه غاستون باشلار لوصف الحنين لمرابع الطفولة بما تعنيه من ذكريات حبيبة.
د. محمد عبد الله الحسين

عن د. محمد عبد الله الحسين

د. محمد عبد الله الحسين

شاهد أيضاً

الأمازونيات: أو ذوات الثدي الواحد من هم وإلى أي أمم ينتمون وفي أي بلد وجدوا؟؟

خواطر صباحيةبحث لا نهائي دون جدوىابحث من الصبح عن رواية او مسرحية باسم الامازونيات كانت …