نيران الخليج وظلالها على السودان: حروب الآخرين حين تجد أرضًا خصبة

muhammedbabiker@aol.co.uk
دكتور محمد عبدالله
نيران الخليج وظلالها على السودان: حروب الآخرين حين تجد أرضًا خصبة

المواجهة الدائرة في الخليج بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، تتجاوز كونها صدامًا عسكريًا عابرًا. إنها لحظة إعادة تشكيل كبرى للإقليم، حيث تختبر الأطراف حدود الردع والاحتمال، وتعيد رسم خرائط النفوذ تحت ضغط النار، لا على طاولات التفاوض.

واشنطن تتحرك بعقل بارد نسبيًا، لا تبحث عن حرب مفتوحة بقدر سعيها لدرء تحول استراتيجي يخل بموازين القوة. إسرائيل ترى المشهد بحدة أكبر، إذ تعتبر أن تصاعد النفوذ الإيراني خطر وجودي، وتفضل نقل الاشتباك إلى ساحات استباقية. أما إيران فتبني استراتيجيتها على توزيع القوة لا تركيزها، وإدارة الصراع عبر شبكات تتيح لها توسيع مسرح المواجهة، حتى لا تبقى حبيسة جغرافيتها.

في خضم هذا الاشتباك، لم يعد الخليج مجرد منطقة نفط وممرات مائية، بل تحول إلى عقدة تحدد ملامح الشرق الأوسط المقبل. أي خلل في مضيق هرمز أو خطوط الملاحة بالبحر الأحمر يكفي لرفع كلفة الاقتصاد العالمي، وإدخال المنطقة في دوامة توتر مزمن. بعض الدول قد تستفيد ظرفيًا من ارتفاع أسعار الطاقة، لكن الفائدة الآنية تخفي مخاطر عميقة تطال الاستقرار والاستثمار والتنمية. فالأسواق لا تحب القلق، والدول الواقعة على حافة النزاع لا تجذب رأس المال بسهولة.

في هذا السياق، قد يبدو السودان بعيدًا عن مسرح المواجهة، لكنه في الحقيقة يقف في منطقة ظل حساسة. موقعه على البحر الأحمر يربطه تلقائيًا بمعادلة الأمن البحري، وأي اضطراب في تلك الجبهة سينعكس على موانئه وتجارته وقدرته على تأمين احتياجاته الأساسية. والسودان، وهو يرزح تحت حرب داخلية مدمرة، لا يملك هامش مناورة واسعًا في بيئة إقليمية مشتعلة. كلما اشتد الاستقطاب بين المحاور، زادت الضغوط على الدول الهشة كي تعلن تموضعها، وغالبًا ما يكون الثمن تمزيقًا إضافيًا للنسيج الداخلي.

الأخطر أن مناخ الإقليم حين يطغى عليه منطق السلاح والردع، يتسلل هذا المنطق إلى الداخل الوطني في الدول المضطربة. تتراجع أولوية السياسة، ويتقدم خطاب القوة، وتُختزل الشرعية في القدرة على فرض الأمر الواقع. والسودان، المنكوب بأزمة احتكار العنف وانقسام عسكري وسياسي عميق، لا يحتمل مزيدًا من عسكرة المجال العام أو ارتهان قراراته لحسابات صراعات لا يملك مفاتيحها.

لذلك تبدو الحاجة لوقف الحرب الداخلية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالسودان إذا دخل مرحلة إعادة الترتيب الإقليمي وهو منقسم ومشتعل، سيجد نفسه موضوعًا لا فاعلًا، وساحة لا لاعبًا. وكلما طال أمد النزاع الداخلي، تعقدت فرص التسوية، وتشابكت المصالح الخارجية في أرضه، وتحول الخروج من الأزمة إلى مهمة أكثر كلفة وتعقيدًا. ليس ثمة ما هو أخطر على بلد في موقع السودان من أن يتزامن ضعفه الداخلي مع عاصفة إقليمية عاتية.

الحرب في الخليج قد تنتهي بتفاهمات تعيد تثبيت توازن جديد، وقد تستمر فتكرس حالة سيولة طويلة. في الحالتين، لن ينتظر الإقليم من يتأخر عن ترتيب بيته. والسودان إن لم يبادر إلى حل مشكلته ووقف حربه، فسيكون مصيره بالغ الصعوبة، لأن الدول التي لا تعالج جراحها بيديها، سرعان ما تصبح ساحة يعالج فيها الآخرون صراعاتهم.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

في ذكرى رمضان: جرح القيادة وسؤال الدولة

دكتور محمد عبداللهmuhammedbabiker@aol.co.ukكلما أقبل رمضان، وعادت ذكرى ذلك الأسبوع الثقيل من عام 1440 للهجرة، يعود …