د. مقبول التجاني
ليست الحرب السودانية، تِلك التى نراها فقط في نشرات الأخبار لشاشات التلفزة المُختلفة، كجبهاتٌ عسكرية تتحرك، و مدنٌ تسقط و تُسترد، و بياناتٌ عسكرية تَصدُر، و طائراتٌ مُسيرة تُحلق، ومدافعُ ثنائية أو دانات تُطلق.
هناك حربٌ أخرى أكثر عُمقاً وأشدُّ صمتاً، و هي تِلك الحربٌ التى تقع داخل وعي الإنسان السوداني نفسه، حين يتغير العالم الذي كان يعرفه، وحين تصبح الأشياء التي كانت مألوفة لديه غريبة، و الأماكن التي كانت تمنحه الأمان مَصدراً للخوف، و المُستقبل الذي كان يبدو طبيعياً سُؤالاً مفتوحاً على المجهول.
من هنا يمكن النظر إلى الحرب السودانية، ليس بوصفها صِراعاً صِفرياً بين قوى سياسية وعسكرية فحسب، ولا بإعتبارها أزمةً حادة في مُؤسسات الدولة السودانية وحدها، وإنما بإعتبارها إنهياراً شاملاً في العالم المَعيش لجميع السودانيين.
هنا تفتح الفلسفة الفينومينولوجية، عند إدموند هوسرل ومارتن هايدغر، نافذةً مُختلفة لفهم ما حدث وما يحدث الآن في السودان، لأن الفينومينولوجيا ليست معنية بمن سينتصر، و لا بمن كان على حق، و إنما معنية بالطريقة التى أصبح عليها عالم الإنسان السوداني الذي يعيش هذه الحرب العبثية.
هُناك ملايين السودانيين، الذين أستيقظوا صباح الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٣م، ليجدوا أن المدينة التي كانوا يعرفونها لم تعد المدينة نفسها، و العالم الذي كان مألوفاً لديهم لم يعد مألوافاً، و البيت الذي كان مِساحة خاصة و دافئة لم يعُد آمناً، و وجدوا أن الشارع العام نفسه قد فقد معناه.
كان كلمات مثل السوق، والجامعة، و المستشفى، و المسجد، و الكنيسة، و المدرسة، و موقف المواصلات، و الجيران، و الأصدقاء، و الأقارب، تُشكل شبكةً من المعاني التي لا يحتاج الإنسان السوداني، إلى التفكير فيها كل يوم، أو إلى تعريفها.
كان الإنسان السوداني يعيش داخل عالمٍ مألوف، و كان يعرف كيف يتحرك فيه، وأين يذهب، ومن يثق به، ومتى يعود إلى منزله، و على الرغم من أن هذه الأشياء تبدو بسيطة في ظاهِرها، إلا أنها كانت طبيعية للغاية.
الفيلسوف هوسرل، يلفت إنتتباهنا إلى أهمية ما يمكن تسميته بالعالم المعيش، و هو العالم الذي نختبره يومياً، قبل أن نحوله إلى أرقام وإحصاءات ومفاهيم مجردة.
عندما تندلع الحرب، فإن أول ما يتصدع ليس بالضرورة المبنى الحجري أو الطريق العام، بل بداهة العالم بالنسبة للإنسان، لأن المكان الذي كان يعني البيت قد يصبح منطقة خطرة، و الطريق الذي كان يعني الذهاب إلى العمل يصبح طريقاً للهروب إلى الخارج، و الهاتف الذي كان وسيلة للتواصل و الونسة يصبح وسيلة للبحث عن خبر النجاة و الممرات الآمنة، و الصمت الذي كان يعني الراحة قد يصبح علامةً على إقتراب الخطر.
هنا لا تتغير الأشياء وحدها، بل يتغير معناها بالنسبة إلى الإنسان السوداني، و هذه ربما واحدة من أكبر الخسائر التي لم تجد مكانها الكافي في خطابات الحرب السودانية المُختلِفة.
هكذا يبدأ الإنسان السوداني، في فقدان علاقته بالأشياء قبل أن يفقد الأشياء ذاتها، فقد يبقى مفتاح المنزل في جيبه، لكن الباب لم يعد يؤدي إلى العالم نفسه، و قد تبقى صورة الأسرة معلقة على الجدار، لكن الأسرة أصبحت موزعة بين مدن ودول و مخيمات، و قد يبقى الحي السكني قائماً، لكن الجيران الذين كانوا يمنحونه دفئه و معناه غادروا، أو تحولوا إلى أعداء في مُعسكر آخر.
هنا يمكن أن تساعدنا الفينومينولوجيا، على فهم شيء لا تظهره الخرائط الجغرافية بعد الحرب، لأن الإنسان السوداني لا يعيش في المكان فقط، بل يعيش من خلال المعنى الذي يمنحه المكان له، فالهجرة هنا هجرة معنى قبل أن تكون هجرة مكان.
الإنسان في فلسفة هايدغر، ليس كائناً يقف خارج العالم و يتأمله و يراقبه، كما يتأمل المُشاهد مسرحاً من بعيد، لأن الإنسان موجود دائماً داخل حدود العالم، و هذا يعني أن الحرب السودانية لا تقع أمام الإنسان السوداني فقط، و إنما تقع في طريقة وجوده نفسها داخل العالم.
حين يصبح الإنسان السوداني لا يعرف أين سينام غداً، أو هل سيستطيع الوصول إلى أهله، أو هل الطريق الذي يسلكه آمِن، فإن علاقته بالمستقبل تتغير، لأن المستقبل لم يعد مساحةً للتخطيط، و إنما أصبح مساحةً للإنتظار و المجهول، و الإنتظار الطويل هو أحد أكثر أشكال الحرب قسوة و فظاعة.
سواء كان إنتظار إتصال، أو إنتتظار خبر، أو إنتظار فتح الطريق، أو إنتظار إنتهاء المعركة، أو إنتظار العودة، و إنتظار السلام.
هكذا يمكن أن نفهم الحرب السودانية، لا بإعتبارها إنفجاراً عسكرياً مستمراً فقط، بل بإعتبارها تعليقاً مفتوحاً للحياة اليومية للمواطنين العاديين.
من أهم ما تكشفه لنا التجربة الفينومينولوجية، أن الإنسان لا يعيش الزمن كساعة فقط، فالساعة تقيس الدقائق، و لكن الإنسان السوداني يعيش الزمن بإعتباره ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، و الحرب السودانية أحدثت تمزقاً في هذه العلاقة، و أدت إلى كسر تماسك الزمن.
الماضي أصبح حنيناً، و الحاضر أصبح إنتظاراً، و المستقبل أصبح مجهولاً، و هذا التحول بالغ الخطورة، لأنه يعني أن الحرب السودانية لا تستهلك الموارد والأرواح فقط، بل تستهلك القدرة على تخيل المستقبل، و المُجتمع الذي يفقد قُدرته على تخيل المُستقبل يُصبح أكثر عرضة للإستسلام لمنطق الحرب.
لذلك فإن إنهاء الحرب السودانية، لا ينبغي أن يعني فقط وقف إطلاق النار، بل يجب أن يعني أيضاً إعادة فتح المستقبل أمام السودانيين.
من أخطر نتائج الحرب السودانية، أن الإنسان يبدأ في رؤية الآخرين من خلال التصنيفات التي تنتجها الحرب، فهذا مع الجيش، و ذاك مع الدعم السريع، و هذا مع صمود، و هكذا يتحول الإنسان السوداني من شخص له قصة وحياة وتجربة، إلى هوية مُختصرة داخل سرديات الحرب المُتصارِعة الثلاثة.
لكن الفينومينولوجيا تستطيع أن تضعنا أمام حقيقة أخرى، فقبل أن يكون الإنسان عضواً في جماعة سياسية أو عسكرية أو إجتماعية، فإنه إنسان يعيش تجربة حياتية مُعاشة، و له طريقته الخاصة في فهم ما حدث و يحدث.
هذا لا يعني تجاهل المسؤولية أو مُساواة المُعتدي بالضحية، ولا يعني إلغاء الفروقات بين الأفعال والأطراف، و إنما يعني رفض إختزال الإنسان السوداني، في المُلصق الذي وضعته الحرب على جبينه كعلامة له.
قد يبدو مفهوم هوسرل عن تعليق الحُكم، مُناسباً بصورة خطرة للصراع السوداني إذا أسيء فهمه، لأن المقصود ليس تعليق العدالة، ولا إلغاء المسؤولية، ولا التعامل مع الجرائم وكأنها لم تقع، و لكن المقصود هنا هو محاولة تعليق الأحكام المُسبقة التى تمنعنا من رؤية الظاهرة كما هي.
في الحالة السودانية، يُمكن أن يعني ذلك أن نضع جانباً، مُؤقتاً، الأسئلة التي ورثناها من الدعاية السياسية والعسكرية، و من خطابات الحرب المُتصارِعة، لكي نفهم ماذا حدث فعلاً للإنسان السوداني مع الحرب، و كيف تغيرت حياته، و كيف تغيرت علاقته بالمكان، و كيف تغيرت علاقته بالآخر المُختلِف داخل حدود الوطن!
هناك خطر آخر أكثر عُمقاً، و هو أن يعتاد الإنسان السوداني على الحرب، و أن يصبح صوت الرصاص و المُسيرات جزءاً من الحياة اليومية للمُواطنين، و أن يصبح النزوح خبراً عادياً، و أن يصبح الموت المجاني مجرد رقم، و أن يصبح الإنقسام المُجتمعي أمراً طبيعياً.
عند هذه النقطة لا تعود الحرب مُجرد حدثاً إستثنائياً عابراً، و تبدأ في التحول إلى طريقة فهمنا للعالم، و هذا هو الخطر الأكبر، لأن الحرب حين تصبح جزءاً من البنية اليومية للوعي الجمعي السوداني، يصبح السلام نفسه شيئاً غريباً يحتاج إلى تفسير.
إذا أخذنا هذه الرؤية الفينومينولوجية بجدية، فإن مشروع السلام السوداني يحتاج إلى ما هو أبعد من التسوية بين النخب السياسية و العسكرية، فنحن نحتاج إلى إستعادة العالم المعيش للسودانيين، و إلى إستعادة البيت بوصفه بيتاً، و الشارع بوصفه شارعاً، و الحدود بوصفها حدوداً بين دول، لا خطوطاً عسكرية داخل وطن واحد ممزق.
